ارفع علم بلادك... واهرب

02 سبتمبر 2026

(Getty)

تتنوّع فنون الهرب في عالمنا العربي، من قوارب الموت إلى شاحنات التهريب، ومن تأشيرات سياحية تكلّف الغالي والرخيص إلى عبور الصحاري والغابات والحدود. منهم من طرق "جدران الخزّان"، ومنهم من قضى نحبه. لكنّ ثمّة طرائق أكثر أناقةً أيضاً: البعثات الرسمية.

لم تمضِ أيام على انطلاق دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط في تارانتو الإيطالية حتّى بدأ العدّ التنازلي، ولكن هذه المرّة ليس لحصد جوائز. لم يكمل أربعة رياضيين تونسيين الرحلة كما خطّطتها الجهات الرسمية، فكان لدى محمّد أمين بوحجبة وشهد الجلجلي ومحمّد أمين السعيدي وأحمد العبيدي خطّة مغايرة. غادروا تباعاً (بين 25 و30 أغسطس/ آب 2026) من دون عودة إلى الديار. من الأسباب التي دفعت بوحجبة إلى الهرب، وفقاً لتصريحه، أنّه لم يحصل على راتبه (نحو 65 دولاراً) أربعة أشهر. وأضافت الجلجلي، بطلة تونس سبع مرّات في المصارعة، أنّها لم تحصل على مكافآتها المستحقّة عن بطولات أفريقية سابقة.

في عالمنا العربي، لا يمنحك رفع علم بلادك ميزة العيش تحته بكرامة. والمشهد ليس حصرياً تونسياً، ففي الدورة نفسها اختفى المصارع المصري محمّد مصطفى الشامي حين توقّفت بعثة بلاده في مطار روما في طريق عودتها إلى القاهرة. وقبلها بأيام، غادر المصارع زياد حجّاج البعثة المصرية في سلوفاكيا. وهي ليست المرّة الأولى التي يكون فيها عدد الميداليات العربية أقلّ من عدد الهاربين، فمن السوابق المصرية أيضاً رحلة الملاكمين المصريين عماد عبد الحليم وأحمد سمير إلى الولايات المتحدة في 2007 للمشاركة في بطولة العالم للملاكمة في شيكاغو. انتهت هذه الرحلة باكراً بمجرّد وصولهما إلى مطار نيويورك. ولنتذكّر أيضاً المصارع طارق عبد السلام الذي وجد في معسكر تدريبي في بلغاريا (2016) فرصةً للهرب ليعمل في محلّ "شاورما"، كما قالت تقارير. ولعلّ عبد السلام أدرك أنّه لا فائدة من أن تكون بين أفضل 20 رياضياً في العالم إذا كان العمل العادي في دولة أوروبية يهبك حياة أفضل من حياة "بطل" في وطنك. عاد عبد السلام إلى الساحة الرياضية ممثلاً هذه المرّة بلده الجديد، بلغاريا، وفاز بذهبية بطولة أوروبا 2017.

ليست دوافع الهروب كلّها اقتصادية، فحين كان عدي صدام حسين يدير شؤون الرياضة في العراق، غادر الربّاع العراقي رائد أحمد، الذي حمل علم بلاده في حفل افتتاح أولمبياد أتلانتا 1996، القرية الأولمبية طالباً اللجوء في الولايات المتحدة. روى أحمد في حينه أنّ عائلته في العراق دفعت ثمن هروبه، ولم يكن حال أعضاء الوفد المرافق للمصارع ميثم علي الهادي أفضل حين عادوا من دونه من بطولة عربية في سورية (2001)؛ استقبلهم عدي بالسجن والتعذيب، كما قال أعضاءٌ في الوفد بعد سقوط النظام. ولكنّ مسلسل هرب الرياضيين لم يتوقف بعد سقوطه، فاختفى في العام 2007 ثلاثة لاعبين ومدرّب مساعد من المنتخب الأولمبي العراقي لكرة القدم في أثناء وجودهم في أستراليا، وهذه المرّة خوفاً من الفلتان الأمني والعنف الطائفي في العراق.

المشهد واحد: يحصل الرياضي على الفرصة التي يُفترض أن تكون ذروة حياته المهنية ليكتشف داخل ملاعب الدولة المضيفة أنّ الملعب ليس السياق الأكثر أهميةً في حياته. ومن الطبيعي ألّا تعبأ العقلية الأمنية العربية بمحاولة فهم الأسباب التي دفعت شاباً يمثّل بلاده في بطولة دولية للهرب والتخلّي عن وطنه ومستقبله الرياضي، وأن تراها مشكلة "انضباط" يمكن السيطرة عليها بمعاقبة أفراد عائلة الرياضي وإبقائهم رهائن ريثما يعود، أو بتحميل رؤساء الوفود المسؤولية: كيف حصل على جواز سفره؟ ويبقى البون شاسعاً بين قيمة المواطن في الخطاب الرسمي وقيمة حياته الفعلية.

لن يكون هذا الرياضي وطنياً استثنائياً حين يرفع علم بلاده عالياً، ويبكي في أثناء النشيد، ويهدي إنجازه الرياضي إلى الرئيس والشعب والأمة، ثم يعود بعد الحفل الرسمي إلى راتبه الهزيل، وإلى اتحاد رياضي فاسد، وسلطة هدفها ولاء المواطن لا كرامته. حاجة المواطن العربي إلى "بعثة هروب" رسمية أو غير رسمية ليست أزمةً رياضية، بل معضلة وطن مأزوم.

حسام أبو حامد
حسام أبو حامد
كاتب وصحافي فلسطيني. من أسرة "العربي الجديد". صدرت له مجموعة قصصية بعنوان "أحوال ليست شخصية (قصص المدن المُتعَبة)" (دمشق 2026).