إيران بعد الحرب
من حقّ الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما أن يسخر من الرئيس دونالد ترامب، حين يطّلع على مذكّرة التفاهم الأميركية الإيرانية الموقعة أخيراً. أنصاره محقّون حين يقولون إنّ ترامب عاد إلى ما أنجزه أوباما قبل أكثر من عشر سنوات باتفاقهم مع طهران، من دون حروب، بل يرى خبراء ومحلّلون كثيرون اتفاق أوباما كان أفضل، وحين يجرون مقارنةً ويُعدّون جردة حساب تظهر مجموعة من النقاط المهمّة، أبرزها أنّ ذلك الاتفاق فرض على طهران خفض تخصيب اليورانيوم بنسبة 98%، في حين أنّ مذكّرة التفاهم تركت التفاصيل للاتفاق النهائي. كذلك، كان مضيق هرمز مفتوحاً من دون قيود، وليس خاضعاً للنقاش، أمّا الآن، وبعد وقف الحرب، فسيفتح مع سيطرة إيرانية ـ عُمانية، وستُبحث مسألة فرض الرسوم في المفاوضات النهائية.
نجحت طهران في إسقاط مقولة إنّ الهيمنة الأميركية الإسرائيلية قدر لا مفرّ منه، وصنعت ردعاً عسكرياً لا يمكن الهروب منه أو عدم الإقرار به
والأهم من ذلك كلّه أنّ حرب ترامب ـ نتنياهو كلّفت الاقتصاد العالمي أكثر من ثلاثة تريليونات دولار، بحسب تقديرات اقتصادية، وأنفقت واشنطن مباشرةً على الحرب مائة مليار دولار، وسبَّبت سقوط 15 قتيلاً أميركياً وبإصابة 543 آخرين. والنتيجة الأهم أنّ نظام طهران لم يسقط، ورسّخ نفسه قوّةً إقليميةً لم يهزمها التحالف الأميركي الإسرائيلي. ويمكن القول إنّ إحدى نتائج الحرب أنّها أوجدت حالةً من التعادل الاستراتيجي بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وواقع الحال أنّ واشنطن وتل أبيب ألحقتا أضراراً بالغةً عسكرياً واقتصادياً داخل إيران، لكنّ طهران نجحت في إسقاط مقولة إنّ الهيمنة الأميركية الإسرائيلية قدر لا مفرّ منه، وصنعت ردعاً عسكرياً لا يمكن الهروب منه أو عدم الإقرار به.
مذكّرة التفاهم، بعد أشهر من الحرب، تقول إنّه لا منتصر على أرض الواقع، وإنّ أهداف الحرب التي أرادتها واشنطن، وما سعت إليه تل أبيب، لم يتحقّق، وتعتبر قراءاتٌ كثيرة أنّ نتنياهو هو الخاسر الأكبر من نتائج الحرب، فهو لم يقضِ على النظام الإيراني، ولم ينهِ برنامجه الصاروخي ولا أذرعه، بل تشتدّ روابط القوة بين حلفائه. ولهذا من الطبيعي أن تشير أصابع الاتهام إلى نتنياهو باعتبار أنه يريد تعطيل مذكّرة التفاهم وإفشال أيّ اتفاق، وأنّ رفضه أوامر ترامب بوقف الحرب في لبنان والانسحاب من الأراضي التي احتلّها يمثّل آخر الأوراق التي يلعبها قبل سقوطه وخروجه من السلطة في أمد غير بعيد.
ومع بدء مفاوضات سياسية وأخرى فنية في منتجع بورغنشتوك في سويسرا، بعد تعثر، لا تلوح العودة إلى الحرب، وعلى الطاولة أكثر من سيناريو: الأول أن يُوقَّع اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، ويظهر الرئيس ترامب منتصراً لتسويق ذلك قبيل الانتخابات النصفية المقبلة. ليس مهماً جوهره، فقد لا يختلف كثيراً عن اتفاق أوباما في 2015، والمهمّ أنّ الدرس الأبرز من هذه الحرب أن الحسابات الاقتصادية تقدّمت على ما عداها، وأنّ الجغرافيا السياسية عادت إلى الواجهة بقوّة.
توقيع اتفاق بين البلدَين سيحقّق نتائج مهمّة، في مقدّمها رفعٌ تدريجيٌّ للعقوبات عن إيران، وبدء مرحلة من الإعمار والتنمية، واستقرار أمن الملاحة والطاقة. وهذه الخطوات، إن حدثت، ستعزّز دور إيران قوّةً إقليميةً منضبطةً، من دون أظافر حادّة، ومن دون تهديد أو مخاطر لدول الجوار.
السيناريو الآخر هو التوصّل إلى اتفاق جزئي، مع استمرار الخلافات حول البرنامج النووي، وسيؤدّي هذا إلى تخفيف العقوبات عن إيران إلى الحدّ الأدنى، وتجنّب عودة الحرب، من دون تطبيع كامل للعلاقات. والسيناريو المستبعد هو انهيار التفاهمات بسبب ضغوط إسرائيلية أولاً، وخلافات داخلية إيرانية، بما يعيد الوضع إلى حافَة الحرب. أسئلة ما بعد الحرب كثيرة، وربّما أكثرها إلحاحاً: كيف ستتعامل دول الخليج مع إيران التي أطلقت صواريخها ومسيّراتها نحو عواصمها؟
قد يفعل ترامب كلّ ما هو غير متوقّع، أو على الأقلّ يفتح توقيع اتفاق مع إيران البابَ لتفاهمات أمنية، ويمنح واشنطن فرصة لاستثمارات اقتصادية هائلة في إيران
المراجعات الأمنية والاستراتيجية ستبدأ، وهناك من يرى أنّ القواعد الأميركية كانت سبباً في استهداف مباشر لدولهم، وهناك من يرى، في اتجاه آخر، أنّ هذه القواعد الأميركية حمت بلدانهم من مغامرات إيرانية طائشة تتجاوز حدود القصف الصاروخي. وسيفضي هذا السجال، في النهاية، إلى توافقات غير معلومة بعد، ويزيد من صعوبة حسم اختلاف الرؤى والتحالفات بين العواصم الخليجية.
ومن أسئلة ما بعد الحرب أيضاً مستقبل العلاقات الأميركية الإيرانية. فمنذ سقوط نظام الشاه وعودة الإمام الخميني، والعلاقات الدبلوماسية مقطوعة. والسؤال: هل يكسر الرئيس ترامب هذه العقدة، ويتحرّر من إرث حادثة احتلال السفارة الأميركية في طهران وفشل عملية تحرير الرهائن؟
قد يفعل ترامب كلّ ما هو غير متوقّع، أو على الأقلّ، يفتح توقيع اتفاق مع إيران البابَ لتفاهمات أمنية، ويمنح واشنطن (وهذا الأكثر أهمّيةً) فرصة لاستثمارات اقتصادية هائلة في إيران، وهنا تبرز عقلية الرئيس الأميركي عرّاباً للصفقات.
أنهت مذكّرة التفاهم فكرة إسقاط النظام الإيراني، وأعادت إلى الواجهة سياسة الاحتواء والتفاوض، وسلّمت بأنّ إيران قوّة إقليمية لا يمكن إنهاؤها، سواء رضي نتنياهو أم غضب.