إعادة تعريف السياسة الخارجية السورية
جاءت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع روسيا، والمحادثات التي أجراها مع الرئيس فلاديمير بوتين، تحت عنوان إعادة تعريف العلاقات مع روسيا، وهو عنوان ينطوي على بلاغة لفظية مكثّفة، طالما لجأت لها الأنظمة السياسية في ظروف الأزمة، من دون انتباه إلى ضرورة وجود توازن بين المفهوم (أو العنوان) والواقع الحقيقي، ذلك أن العنوان بمعناه الخام يفيد بأن سورية، التي يمثلها الشرع، طرف يملك فؤائض من القوّة تتيح له القدرة على تغيير قواعد اللعبة مع فاعل دولي بحجم روسيا، يملك أوراق قوّة متعدّدة في سورية.
لقد فرضت المتغيرات الداخلية والخارجية على القيادة السورية الجديدة إعادة تعريف للسياسة الخارجية السورية، وفق المعطيات الحالية، ومن أجل تحقيق الأهداف الحالية ومتوسطة المدى، والمتمثلة بتأمين الاعتراف الدولي، وإزالة العقوبات، وإعادة دمج سورية في محيطها الإقليمي والدولي، وتأمين الموارد اللازمة للتنمية والإعمار، وقبل ذلك الحفاظ على أمن البلاد وسيادتها، ولتحقيق هذه الأهداف، لا بد من تغيير تصورات الفاعلين الخارجيين عن سورية، لتغيير سلوكهم تجاهها في المرحلة المقبلة، لضمان تفاعلهم الإيجابي.
يمكن اعتبار هذه الأهداف رغبات لدى القيادة السورية الجديدة، وهي تبحثُ عن سبل تحقيقها عبر حراكها الخارجي. ولكن وبما أن العالم الخارجي ليس جمعية خيرية، فإن تحويل هذه الأهداف من إطار الرغبات إلى التنفيذ الفعلي يحتاج الأدوات المناسبة، على الصعد الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والإعلامية، وهي أدواتٌ لا تملك سورية الجديدة منها شيئاً، ما يضعها في موقع الحاجة لجميع الفاعلين الخارجيين، ولو على سبيل تجنّب نقدهم وما قد يضعونه من عراقيل وفخاخ في مسار سعيهم إلى تحقيق أهدافهم.
بحسب المعطيات الراهنة، تختلف سورية الجديدة عن التي كانت قبل عام 2011، على مختلف الصعد والمستويات، كما تختلف البيئة الإستراتيجية المحيطة بسورية، سيما بعد تراجع محور الممانعة الذي طالما ضمن شبكة حماية لسورية، كما طاول الخريطة السورية متغيرات كثيرة، عبر وجود أربعة جيوش ما زالت تسيطر على الجغرافيا السورية من أركانها الأربعة، فضلاً عن حالة انقسام مجتمعية حادّة ومطالب بالانفصال، وفوق ذلك كله، ثمّة حالة بناء هشّة للجيش ومراكز صناعة السياستين الداخلية والخارجية، من دون الارتكاز على الخبرات والتقاليد التي تم بناؤها على مدى ثمانين عاماً من تأسيس الدولة في سورية.
دولة تحتاج الدعم الاقتصادي من الآخرين وتحتاج الدعم العسكري للحفاظ على وجودها بمواجهة عدوٍّ بحجم إسرائيل، لن تكون طرفاً له وزن في العلاقات الخارجية
على ذلك، تجد القيادة السورية نفسها مضطرّة لإعادة تعريف السياسة الخارجية السورية، والطبيعي أن تسعى إلى تحقيق معادلة تبدو مستحيلةً في السياسة الواقعية، والمتمثلة في تكافؤ العلاقات والتعامل الندّي، ذلك أن دولة تحتاج الدعم الاقتصادي من الآخرين لتسيير حياتها اليومية بالحدود الدنيا، وتحتاج الدعم العسكري للحفاظ على وجودها بمواجهة عدوٍّ بحجم إسرائيل لا يوجد مكافئ إقليمي له، لن تكون طرفاً له وزن في العلاقات الخارجية، وبالتالي، هي مضطرّة للتكيف مع هذا الواقع، وإعادة صياغة علاقاتها الخارجية من موقع الضعف، ومن ثم القبول بالنتائج المترتبة على ذلك.
يحيلنا هذا الواقع إلى السؤال عن الإستراتيجيات التفاوضية التي اتبعتها القيادة السورية، قليلة الخبرة، مع القيادة الروسية التي تدير أزمات عالمية، ولديها خبرة تفاوضية هائلة. ... تُرى، هل كان هناك مجال للمناورة واستخدام تكتيكات تفاوضية أثرت بالموقف الروسي، من نوع المفاجأة، أو التذرّع بحدود معينة لا يمكن التنازل عنها بسبب وجود موقف داخلي مراقب؟ ثم ما هي أوراق القوّة التي جرى وضعها على طاولة المفاوضات لتغيير المعادلة القائمة مع روسيا؟، الوحدة الوطنية الصلبة مثلاً!
مشكلة القيادة السورية الحالية عدم امتلاكها حساسية تجاه العامل الداخلي، وإحتمالات انعكاساته السلبية على الحراك الخارجي
ما تملكه سورية من قوّة تأثيرية يمكن حصره في نقطتين: الأولى، ما يتمتّع به أحمد الشرع من كاريزما، وقدرته على التأثير العاطفي على الشخصيات السياسية التي يلتقيها، وهذا أمر أكدته ردود فعل السياسيين الإقليميين والدوليين الذين التقوه، وغيروا بالفعل مواقفهم تجاهه بشكل جذري. الثانية، وهي تملك فعالية وتأثيراً كبيرين، الاحتضان الإقليمي، العربي والتركي، لسورية الجديدة. ويمكن القول أن هذه الأطراف توظف عناصر قوتها الاقتصادية والدبلوماسية لدعم سورية، وبفضل هذا الدعم فُتحت أبواب كثيرة أمامها، بدءاً من إزالة عقوبات أميركية وأوروبية، وصولاً إلى استعداد الأطراف الخارجية للتعاون في مجالات متعدّدة.
ولكن مشكلة القيادة السورية الحالية عدم امتلاكها حساسية تجاه العامل الداخلي، وإحتمالات انعكاساته السلبية على الحراك الخارجي، سيما بعد مجازر الساحل والسويداء، إذ يبدو أن ثمّة بطاقة صفراء مرفوعة في وجه قادة سورية، قد تتحوّل إلى حمراء في حال الوقوع في الأخطاء نفسها، وحتى لو لم ترتكب القيادة خطأ جديداً، من شأن استمرار الانقسام إظهار سورية بمظهر عدم الاستقرار، ما قد يدفع الفاعلين الإقليميين والدوليين إلى اليأس من الحالة السورية وإغلاق باب التفاعل معها، وتركها تواجه أزماتها منفردة.
سورية بحاجة لإعادة تعريف سياساتها الخارجية وطبيعة علاقاتها مع العالم الخارجي بواقعية وتواضع، واستثمار الفرص المُتاحة قبل إغلاقها، ودعم ذلك بتصحيح الأوضاع الداخلية، وإلا ستعاود مخاطر العزلة والإهمال طرق بابها.