أن تكون مع فلسطين؟
وقفت الشعوب مع فلسطين انطلاقاً من عاطفتَين، دينية وقومية، أو من موقف أخلاقي ينحاز إلى شعب مظلوم تجب نصرته، وأرض ينبغي استعادتها، ولاجئين ينبغي إنصافهم... هل ذلك كلّه كافٍ لتكون مع فلسطين؟
لكي تكون مع فلسطين لا يعني أن ترفع مأساتها فوق مآسي الآخرين، ولا أن تمنح أي فلسطيني (فرداً أو كياناً) أي حصانة من النقد. ولستَ مطالباً بجعل فلسطين القضية الوحيدة التي تستحقّ الغضب، لكن عليك أن تسلّم بأنّ فلسطين لم تكن يوماً شأناً فلسطينياً فقط، بل ارتبطت دائماً بالصراع الدولي على المنطقة وبمستقبلها. فمنذ أكثر من قرن يقف الفلسطيني في مواجهة مشروع استيطاني لا ينظر إلى الجغرافيا بوصفها حدوداً نهائية، وليس لكيانه السياسي الذي تجسّد فيه (إسرائيل) دستور يعيّن حدوداً، وإنّما يعاد تشكيل الحدود في كلّ مرّة بموجب موازين القوّة. كان الفلسطينيون هم ضحايا هذا المشروع وأوّل من دفع ثمن اصطدامه بالأرض والسكّان والتاريخ، في آن معاً. فقد تشكّلت إسرائيل في قلب المسألة الاستعمارية، وتمدّدت بالحرب، وفي كلّ مرّة تحوّل الأمر الجغرافي الواقع إلى نقطة انطلاق لمطالبة سياسية جديدة، من فلسطين إلى الجولان ومن سيناء (سابقاً) إلى جنوبي لبنان، فظلّت الجغرافيا خاضعة لمنطق القوّة لا لمنطق الحدود النهائية. وحين تكون مع فلسطين فأنت ترفض تلك الحدود التي تفرضها الدبابات، وترفض أن يتحوّل الاحتلال الطويل إلى "سيادة"، سواء في سورية أو في لبنان، وربّما في أماكن أخرى مستقبلاً، إضافة إلى فلسطين. ترفض أن يتحوّل الاستيطان إلى ملكية مشروعة بمرور الزمن، وترفض أن يكون تهجير السكّان مقبولاً، حتى لو نسيت أجيال بيوتها الأولى. هي قواعد أدركها الفلسطيني قبل غيره، لكنّها قواعد تهمّ جميع من يريدون للجغرافيا أن تقوم على التقاعد لا على الغنيمة.
لم نتخيّل أن يأتي يوم نعرف فيه ضيقاً متزايداً في مجتمعات عربية من أنّ فلسطين حصلت على تعاطف أكثر ممّا تستحق. ذلك أنّ العدالة في نهاية المطاف ليست كمّية محدّدة ولا محدودة توزّع بين الضحايا. فلن يكون السوداني، مثلاً، أكثر إنصافاً إن صارت فلسطين أكثر نسياناً، ولن يحصل السوري على حقوقه حين يقول: "فلسطين ليست قضيتي". فمركزية القضية الفلسطينية لم تنشأ لأنّ حياة الفلسطيني أكثر قيمة من حياة الآخرين، وإنّما أصبحت مركزية لأنّ إسرائيل نفسها كانت في قلب المشروع الاستعماري، ولا تزال امتداداً له، وفيها تفاعلت عناصر تاريخية شديدة الكثافة، أثارت قضايا حقوقية وقانونية مسّت جميع شعوب الأرض، وقرأتها شعوب العالم بمختلف اللغات، فلم يحتج من هو في جنوب أفريقيا أو أيرلندا أو في أميركا اللاتينية لأنّ يكون عربياً أو مسلماً كي يفهم أسبابها. تسرّبت فلسطين بيسر إلى وعي هؤلاء حين لم تكن ذاكرتهم الجمعية قد نسيت بعد عقوداً من الاستعمار والنضال في سبيل حقّ تقرير المصير. هنا قوّة فلسطين عالمياً، ولم تكن قضيتها نزاعاً على أرض في الشرق الأوسط، بل سؤالاً من أسئلة العصر الاستعماري بعد أن طوت آخر الإمبراطوريات صحائفها، قبل أن تصبح قضية شعوب ثُقّفت وثقّفت نفسها كفاية بحقوق الإنسان احتشدت في الشوارع نصرة لها.
لا تحتاج فلسطين إلى مزايدات إضافية، جلّ ما تحتاجه أن تكون امتحاناً للضمير. وأن تكون مع فلسطين لا يعني أن تكون مع ما فعلته أنظمة وكيانات لا دولتية باسمها، عليك فقط أن تفهم طبيعة ومعنى النضال فوق أرضها وفي سبيلها، وأن تنفذ بصيرتُك خلف الأخبار اليومية إلى البنية الأعمق: الشعب الذي يقاوم زواله السياسي والديمغرافي. وإن نزعنا من المسألة كلّ عاطفة وشعار، فإنّ الوقوف مع فلسطين مصلحة أيضاً لا مروءة فقط. فإن بدأت قضية فلسطين من العاطفة والأخلاق، فإنّها لا تنتهي هنا، فأن تكون مع فلسطين يعني أنّك تدافع عن وجودك قبل أن تفرض القوّة نفسها، ونهائياً، سند ملكية للحدود والأرض.