أزمة الثقة والنظام بين الشمال والجنوب عشية "كوب 30"

17 سبتمبر 2025

من الجلسة الختامية لمؤتمر "كوب 29" في باكو (24/11/2024 Getty)

+ الخط -

مع اقتراب مؤتمر الأطراف الثلاثي "كوب 30" في بيليم بالبرازيل (نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل)، يزداد الشعور بأن النظام المناخي العالمي عالقٌ في مفارقة بنيوية: عالم الشمال الذي يملك الموارد، لكنّه (لأسباب سياسية واقتصادية) يبدو متخبطاً في فجوة واضحة بين الأهداف المُعلَنة والسياسات الفعلية، تتجلّى مثلاً في الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن هدف خفض الانبعاثات لعام 2035، والضغوط المتزايدة من الصناعة وبعض الحكومات لتخفيف المعايير أو تأجيل تطبيقها. وهي فجوةٌ تتّسع تباعاً مع صعود الاعتبارات الأمنية والعسكرية، خصوصاً بعد الحرب الروسية - الأوكرانية التي دفعت دولاً أوروبية عدة إلى إعادة ترتيب أولوياتها في مجالي الطاقة والدفاع، وتعاظم حضور التيارات اليمينية، ما يفاقم حالة التردّد والتباطؤ في الالتزامات المناخية. وهناك عالم الجنوب الذي يدفع الثمن الأكبر لأزمةٍ لم يتسبب بها، لكنّه يُترك بلا تمويل أو دعم كافٍ.

وقد أظهر الجرد العالمي الأول (Global Stocktake) الذي أُطلق في "كوب 28" في دبي أن التقدّم المُحرَز لا يزال بعيداً جدّاً عن المسار المطلوب، ما يجعل قمّة بيليم اختباراً حاسماً لجدّية الالتزامات الدولية، وفرصةً أخيرةً لتجسير فجوة الطموح والتمويل بين العالمَين. هذه الثنائية لم تعد مجرّد شعار سياسي، بل هي امتداد لعلاقة تاريخية شائكة بين العالمَين، في الطرف الآخر منها يقف "معذّبو الأرض"، على حدّ وصف فرانز فانون في رائعته مصوراً شعوب الجنوب التي عانت ودفعت ثمن الاستعمار ولم تزل، إذ تحوّلت سياسات الشمال المتعثرة إلى واقع يهدد بقاء هدف 1.5 درجة مئوية ذاته هدفاً واقعياً (الحدّ من ارتفاع متوسّط حرارة سطح الأرض بمقدار 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهو معدّل الضرورة لتجنّب سيناريوهات التدهور المناخي). وشكّلت قمّة المناخ الأفريقية أخيراً في أديس أبابا هذا الشهر (8 - 10 سبتمبر/ أيلول) إنذار مبكّر يسبق قمّة بيليم، إذ أعادت التذكير بمصير إعلان نيروبي (2023)، الذي دعا إلى زيادة التمويل وتعبئة الاستثمارات في الطاقة المتجدّدة، لكن شيئاً لم يتغيّر، لتبقى الفجوة بين التعهدات والواقع قائمة.

انقسامات الشمال... والجنوب الأقل إسهاماً والأكثر تضرّراً

لا تزال المفاوضات داخل الاتحاد الأوروبي متعثّرةً، رغم أن الهدف المُعلَن يقضي بخفض الانبعاثات بنسبة 55% بحلول 2030 مقارنةً بعام 1990، مع ضرورة أن يتراوح خفض الانبعاثات بحلول 2035 بين 74% و78% كي يبقى الاتحاد في المسار المؤدّي إلى تصفير الانبعاثات عام 2050. وقد كشفت صحيفة الغارديان (8/9/2025) مسوّدةً مسرّبةً تُظهر استمرار الخلافات بين المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء بشأن أهداف ما بعد 2030، إذ خلا النصّ التفاوضي من أيّ أرقام محدّدة، ما اعتبره خبراء إشارة سلبية في هذه المرحلة المتأخّرة. ويأتي هذا التعثر في وقت لم تتجاوز نسبة الدول التي قدّمت مساهماتٍ وطنية جديدة سوى نحو 30 دولة فقط من أصل 196 (راجع مقال الكاتب: "جمود سلبي في مواجهة الاحترار... فجوة الطموح المناخي"، "العربي الجديد"، 8/9/2025)، الأمر الذي يعكس حالة عالمية من المماطلة والتأخير تُضعف الزخم اللازم قبيل قمة بيليم.

وتزداد صورة الجمود تعقيداً مع أزمة التمويل العالمي. فعلى الرغم من إقرار خريطة طريق باكو– بيليم (Baku to Belém Roadmap) خلال مؤتمر "COP29"، آلية رئيسة لتعبئة ما لا يقل عن 1.3 تريليون دولار سنوياً بحلول 2035 لدعم العمل المناخي في الدول النامية، لم تتجاوز التعهّدات الفعلية للدول المتقدّمة 300 مليار دولار سنوياً في إطار الهدف الكمّي الجماعي الجديد (NCQG)، أي أقلّ من ربع المستوى المطلوب، وهو ما أثار استياءً، ورسّخ فجوة التمويل بين الشمال والجنوب، في وقت تتزايد الحاجة إلى تمويل عاجل للتخفيف والتكيّف.

يزداد المشهد تناقضاً حين نلحظ أنّ تمويل الشمال يتدفّق بسخاء نحو مشاريع الوقود الأحفوري في القارة بدلاً من دعم مسارات التكيّف والطاقة المتجدّدة

يجعل هذا العجز المالي الخطط والمساهمات الوطنية في عالم الجنوب أكثر صعوبةً في التنفيذ والتحقّق، كما أظهرت بوضوح مداولات قمّة أديس أبابا، إذ شدّد القادة الأفارقة على أن غياب التمويل الكافي يهدّد إمكانية تفعيل الخطط الوطنية وتحويل الطموحات المناخية واقعاً ملموساً. وللتذكير، هي المطالب نفسها التي أكّدها إعلان نيروبي لعام 2023، كما سبقت الإشارة.

في المقلب الآخر، جاءت قمّة المناخ الأفريقية في أديس أبابا لتكشف حجم الإحباط المتراكم. ففي ختامها، وصف الرئيس الكيني وليام روتو فشل الدول الغربية في الوفاء بوعود تمويل التكيّف المناخي بأنه "انتهاك لاتفاق دموي". ولم تكن العبارة مجازيةً بالكامل، بل تعكس حجمَ الشعور العميق بالخذلان في قارّة تُعاني من موجات جفاف وحرّ متطرّفة، وشهدت زيادة كبيرة في حجم النزوح المناخي فيما تظلّ وعود الدعم معلّقةً من دون تنفيذ.

ورغم أن القارّة السمراء لا تسهم سوى بـ4% من الانبعاثات العالمية، فإنها تأتي بعد آسيا من حيث المناطق الأكثر تضرّراً من الأزمة المناخية، إذ تتحمّل نصيباً غير متكافئ من الأعباء بالنظر إلى هشاشة بناها التحتية وضعف قدراتها على التكيّف. فبحسب المركز الدولي لرصد النزوح الداخلي (IDMC 2024)، شهدت أفريقيا نحو 6.3 ملايين حالة نزوح داخلي بسبب الكوارث المناخية في 2023، أكثر من ثلاثة أرباعها نتيجة الفيضانات، فيما تسبّب الجفاف في 2.1 مليون نزوح عام 2022 وحده في القرن الأفريقي. هذه الأرقام تؤكّد أن النزوح المناخي بات من أبرز ملامح هشاشة القارة في العقد ونصف العقد الماضيين وبوتيرة متسارعة، فارتفع من نحو 1.1 مليون حالة نزوح سنوياً عام 2009 إلى 6.3 ملايين حالة عام 2023.

يرمز هذا "الاتفاق الدموي"، في حقيقة الأمر، إلى اختلال ميزان العدالة المناخية. ففي حين يتطلّب التكيّف تمويلاً عاجلاً لحماية المجتمعات المحلّية الضعيفة والأكثر عرضةً للضغوطات المناخية وكذلك لحماية النظم البيئية المعرضة، يواصل الشمال التراجع عن التزاماته. وتشير بيانات برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP 2023) إلى أن أفريقيا تحتاج إلى نحو 50 مليار دولار سنوياً حتى عام 2030 للتكيّف، فيما لا تتجاوز التدفّقات الفعلية إليها 11.4 مليار دولار، أيّ أقل من ربع الاحتياجات. أمّا عالمياً، فتُقدَّر فجوة التمويل بين 194 و366 مليار دولار سنوياً، أي ما يعادل 10 إلى 18 مرّة حجم التدفّقات الحالية.

تتحمل المجتمعات المهمّشة، وغالباً الجنوب، العبء الأكبر رغم مسؤوليتها الضئيلة عن الانبعاثات

ويزداد المشهد تناقضاً حين نلحظ أنّ تمويل الشمال يتدفّق بسخاء نحو مشاريع الوقود الأحفوري في القارة بدلاً من دعم مسارات التكيّف والطاقة المتجدّدة. فقد كشف تقرير Fossil Fuel Financing in Africa (مارس/آذار 2022) أنّه بين عامي 2016 و2021 جرى ضخّ نحو 132.3 مليار دولار في شركات ومشاريع الوقود الأحفوري بالقارة، منها 82.5 مليار دولار تمويلاً عام، و49.8 مليار دولار تمويلاً مباشراً للمشاريع. والأكثر دلالة أنّ مؤسّسات مالية في أميركا الشمالية وأوروبا وأستراليا وفّرت وحدها أكثر من 72.5 مليار دولار، أي أكثر من نصف المبلغ الكلّي، في وقت لم تتجاوز مساهمة البنوك الأفريقية 15.4 مليار دولار. كما يحذّر التقرير من أنّ مشاريع بقيمة 230 مليار دولار في قطاع الوقود الأحفوري مهدّدة بالتحوّل أصولاً عالقةً (Stranded Assets)، أي استثمارات قد تفقد قيمتها قبل استنفادها بفعل التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة وسياسات خفض الانبعاثات، وذلك في وقت تواصل الشركات التخطيط لاستخراج عشرات المليارات من براميل النفط ومليارات الأطنان من الفحم خلال العقود المقبلة.

وفي المقابل، يشير تقرير Landscape of Climate Finance in Africa 2024 (CPI / FSD Africa) إلى أن تدفقات التمويل المناخي إلى القارة ارتفعت بنسبة 48% لتصل إلى 44 مليار دولار في الفترة 2021 - 2022، مقارنة بـ30 مليار دولار في 2019-2020، مع تضاعف مساهمة القطاع الخاص إلى ثمانية مليارات دولار. ورغم هذه الزيادة، ما زالت التدفقات بعيدة جداً عن المستويات المطلوبة لتحقيق الأهداف الوطنية للتخفيف والتكيّف، ممّا يفاقم المخاطر الاجتماعية والاقتصادية ويجعل الطموحات الأفريقية رهينة وعود غير مُنجزة.

الخسائر والأضرار: عدالة منقوصة

على الرغم من أهمية إقرار إنشاء صندوق الاستجابة للخسائر والأضرار الناتجة عن تغير المناخ (Loss and Damage) في مؤتمر شرم الشيخ (COP27)، إذ عُدّ بمثابة اعترافٍ سياسي وأخلاقي، وإن كان غير مُلزِم، بمسؤولية دول الشمال التاريخية عن التداعيات التي يتأثر بها عالم الجنوب أكثر من غيره، ولكنّه بقي يمثّل مقاربةً جزئيةً للعدالة المناخية، إذ يركّز على التعويض عن الأضرار المناخية الاقتصادية المباشرة، بينما يُهمل الخسائر الأخرى المرتبطة بالانبعاثات المتراكمة منذ الثورة الصناعية أو الاستغلال الممنهج والمتواصل لموارد الجنوب.

وهذا ما ذهب إليه ماثيو لورنس ولوري ليبورن لانغتون في كتابهما "Planet on Fire... A Manifesto for the Age of Environmental Breakdown (2021)"، فإن الأزمة المناخية ليست مجرد خلل في السياسات البيئية، بل هي نتاج مباشر لبنية اقتصادية عالمية رأسمالية تقوم على التوسّع اللامحدود والاستخراج المفرط للموارد، على حساب المجتمعات الهشّة والبيئة معاً. ويشدّد المؤلفان على أن التغير المناخي لا يوزَّع تأثيره بالتساوي، بل يفاقم اللامساواة الاجتماعية، فتتحمل المجتمعات المهمّشة، وغالباً الجنوب، العبء الأكبر رغم مسؤوليتها الضئيلة عن الانبعاثات.

تشير الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، والجمود العالمي في تقديم المساهمات الوطنية، إلى فجوة متزايدة بين الطموحات المناخية والواقع السياسي

وإذا كان لورانس وليبورن لانغتون يربطان جذور الأزمة بالبنية الاقتصادية العالمية للرأسمالية، فإن كيسـتون بيري (2020) يذهب خطوة أبعد عبر اقتراح آليات مؤسّسية جديدة مقترحاً إنشاء صندوق عالمي للاستقرار المناخي (Global Climate Stabilization Fund) إلى جانب برنامج تمويل المرونة (Resilience Fund Programme)، بحيث يوجَّه التمويل بشكل مباشر إلى المجتمعات الهشّة والمتأثرة تاريخياً بالاستعمار. ويهدف هذا الطرح إلى تجاوز منطق التعويض الجزئي نحو مقاربة أوسع تضمن تمويلاً سريعاً للاستجابة للأزمات المناخية، ودعماً ماكرو اقتصادي للدول النامية، وبناء قدرات طويلة الأمد للتعافي والتكيّف.

تؤكّد هذه المقاربات أن العدالة المناخية لا يمكن أن تتحقّق عبر تعويضات محدودة، بل تتطلّب آليات مؤسّسية ومالية ملزمة تُعيد التوازن بين الشمال والجنوب وتوفّر أدوات الصمود المستدام والقدرة على التكيف.

منذ تعهّد كوبنهاغن (2009) بتوفير 100 مليار دولار سنوياً، مروراً بتأكيده في كانكون (2010) وعجز غلاسكو (2021) عن الوفاء به، ظلّت فجوة التمويل والعدالة المناخية العنوان الأبرز لأزمة الثقة بين الشمال والجنوب. وفي شرم الشيخ (2022) أُنشئ صندوق الخسائر والأضرار، بينما أظهر الجرد العالمي الأول في دبي (2023) رسمياً أن العالم لا يزال بعيداً جداً من مسار 1.5 درجة مئوية. ذلك كلّه يجعل من قمة بيليم (2025) اختباراً ربّما يمكن اعتباره حاسماً لمصداقية النظام المناخي العالمي، وربّما الفرصة الأخيرة قبل أن ينهار مسار 1.5 درجة مئوية تحت وطأة التسارع في بلوغ نقاط اللاعودة بوتيرة أسرع من الوفاء بالالتزامات.

المراجع:

-    African Development Bank (AfDB). (2022). Assessment of adaptation needs of African countries. Abidjan: AfDB.

-     Fiona Harvey. (2025, September 8). EU divisions threaten climate targets as Cop30 looms. The Guardian. London.

-    International Displacement Monitoring Centre (IDMC). (2024). Internal displacement in Africa 2023: Disaster- and climate-related displacements. Geneva: IDMC.

-     Lawrence, M., & Lyburn-Langton, L. (2021). Planet on fire: A manifesto for the age of environmental breakdown. London: Verso.

-     Perry, Keston K. (2020, March 1). Realising Climate Reparations: Towards a Global Climate Stabilization Fund and Resilience Fund Programme for Loss and Damage in Marginalised and Former Colonised Societies. SSRN

-   UNEP. (2023). Adaptation Gap Report 2023. Nairobi: United Nations Environment Programme.

-   Urgewald, Stop EACOP, Reclaim Finance, et al. (2022, March). Fossil fuel financing in Africa: The role of public and private financial institutions.

-      CPI & FSD Africa. (2024). Landscape of climate finance in Africa 2024. Climate Policy Initiative & FSD Africa.