أرشيف الهباء

09 يونيو 2026

(Getty)

لست أدري لماذا أتمسّك بنشر ما أكتب وما يُكتب عن كتبي في صفحات "فيسبوك" و"إكس" و"إنستغرام"... مع أنّي لست من نجوم السوشيال ميديا، ولا أملك جيوشاً من المتابعين، بل إنّ أكثر منشوراتي نجاحاً لا يحظى بأكثر من عشرات الإعجابات، في أفضل الأحوال. ولو أردت أن أذهب في الصراحة إلى حدّ أقصى، لقلت إنّ ما يحدوني إلى فعل هذا، وإلى الاستمرار في فعله، برغم فشلي في لمس "الجماهير" والتأثير فيهم، هو في الواقع دافع أناني، "مصلحجي"، كما نقول في العاميّة، لأنّني من خلال تلك الوسائل، أحفظ أرشيفي في الفضاء الافتراضي، آملةً أن يبقى مهما اضطربت أيّامي أو ظروفي، لإيماني بأنّه لن يتعرّض للقصف، أو يُحرق أو يغرق أو يضيع، كما يحصل لكثيرين من حولي من أهالي البلدان التي أنعم عليها الربّ بظروف "استثنائية"، لا تشي أوضاعها بفرج قريب.
والحقّ يُقال، إن أرشيفاً ورقياً قديماً كان من سوء حظّه أنّه سبق شيوع الشبكة العنكبوتية، ضاع بين تنقّلات وقلّة اهتمام وأزمات متعدّدة الأنواع، دفعني إلى اعتماد الأدراج الافتراضية مكاناً للأرشفة والحفظ من غدر المزاج والأيّام. ولا بدّ من الاعتراف، بصدق، أنّ زاويةً ما في الدماغ تفترض أنّ هذا الأرشيف سيحيا من بعدي، وأنّ ثمّة من سيبقى يطلّ عليه بين حين وحين، كما أفعل أنا مع صفحات وأرشيف الأصدقاء الذين رحلوا وما زالت منشوراتهم موجودةً وقابلةً للزيارة في أيّ لحظة.
والحقيقة، لقد شغلتني فكرة مصير تلك الصفحات كلّها التي يرحل أصحابها، كما كانت تشغلني فكرة مقدرة السماء على احتواء أرواح الراحلين من البشر، منذ بدء الخليقة وحتّى انتهائها، وتحيّرني مقدرة الإله على الاستجابة لصلوات المليارات من العباد. ويحلو لي أن أتخيّل أن هذه الصفحات قد تربط الراحلين بالأرض، فيعودون ليطلّوا عليها، وليروا إن كان ثمّة من يتذكّرهم بعد رحيلهم. فإن وجدوا، حزنوا لفراق من يحبّون، وإن لم يجدوا، أُحبطوا لأنّهم طُووا في النسيان. وبين الحزن والإحباط، لا أدري أيّ المصيرَين أرحم.
الحاصل، أحفظ أخباري في الصفحات، ويفاجئني أن تُعجب أحداً أو أن تبلغ أكثر من عشرات، وهو ما يجعلني أتأكّد، يوماً بعد يوم، أنّ كتاباتي لا تهمّ كثيرين، وإن فاجأني بعضهم بطلبات متابعة بلغ عددها نحو عشرة آلاف (في "فيسبوك")، إلا أنّ أغلبها يبقى غير فاعل أو ظاهر الأثر في الصفحة.
ولا بدّ من أن أعترف لذاتي، مرغمةً، أنّ معظم ما أكتبه خارج كتبي، ليس ذا فائدة حقيقية، وأنّ هذه الكتابة "الزائدة"، مثل زائدة دودية، لا توافقني. وحتّى إن كنت أمارسها باحترام وجدّية، فهذا لا يعني أنّها ضرورة أو ذات فائدة. ومع هذا، أرى ما هو أقلّ بكثير في باب المقالات والتعليقات والأفكار، وأراه يحظى بمئات اللايكات والتعليقات، كأنّ صاحب (أو صاحبة) المقال قد اكتشف الذرّة، فيما هو لم يفعل ما يستحقّ "التلييك" أو التعليق، حتّى لأشكّ في ذاتي وموضوعيتي، فأعاود القراءة لأُصاب بانتكاسة لا تدوم أكثر من لحظات، قبل انتقالي إلى ما ينسيني الموضوع، وانشغالي بما يستحقّ فعلاً الاهتمام. ثمّة من سيقول إنّه عصر التفاهة، وإنّ وسائل التواصل باتت مكبّ نفايات، فهذا لن يمنعني من الردّ بأنّني أستخدمها للاطلاع على كتابات بعض الأسماء التي تجمع الجدّية بالشيوع والانتشار، للاطلاع على الجاري من الأحداث.
والخلاصة؟ أسأل نفسي، فأجيب: لا خلاصة. وإذ أفكّر في أنّ العالم كلّه مقبل على فناء، وأنّ ثمّة من يبشّرنا بأنّ الشمس ستنطفئ ذات مستقبل، أجد أن الأمر برمّته مجرّد هباء، وأنّنا آيلون إلى عدم ومندثرون حتماً، لذا ائذنوا لي، يا متابعيَّ غير الموجودين، أن أختم كلامي هنا، وأنهض لأنام.

نجوى بركات
نجوى بركات
كاتبة وروائية لبنانية ومؤسسة محترف "كيف تكتب رواية"