أبعاد السياسة المصرية والحرب الإسرائيلية على إيران...

23 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 04:14 (توقيت القدس)

بدر عبد العاطي (يمين) وعباس عراقجي في مؤتمر صحافي بالقاهرة (2/6/2025 فرانس برس)

+ الخط -

مع اندلاع الهجوم الإسرائيلي على إيران في 13 يونيو/ حزيران 2025، واجهت مصر تحدّي الاستجابة لتهديد الأمن الإقليمي، إذ إن الحديث عن تغيير النظام الإيراني ضمن أهداف حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خطوة رئيسة في الإخلال بمعادلة الأمن، تترتب عليها حالة فوضى. وهنا، يساعد تحليل السياسة المصرية في فهم عوامل التأثير والسياسات الجماعية. وعلى هذا الأساس، ترسم قراءة الحراك الدبلوماسي خريطة السياسة الخارجية وملامحها ودورها في منع تحوّل الحرب مسألةً إيرانيةً تتجاوز تداعياتها نطاق الشرق الأوسط.
مع اندلاع الهجوم، مدّت مصر خطوط الاتصال مع شرائح عديدة مختلفة من الدول، كان أهمها توسيع التواصل مع إيران وسلطنة عُمان ووسط آسيا وأفريقيا، بالإضافة إلى روسيا والصين والدول الأوروبية، لتبدو الخريطة أقرب إلى محاولة إحياء الكُتلة المحايدة في العلاقات الدولية. وقد اتجهت الدبلوماسية المصرية لتوسيع نطاق التعامل على العدوان الإسرائيلي على إيران باتباع دبلوماسية متوازية على ثلاثة مستويات: كان الأول على مستوى الدائرة العربية ـ الإسلامية. على هذا المستوى، اتسم التحرّك الدبلوماسي بالجمع ما بين مسارَي تكثيف الاتصال مع دول المشرق العربي وتركيا، وتحييد رواسب الماضي في العلاقة مع إيران. وعلى الرغم من انقطاع العلاقات الدبلوماسية، وضعت السياسة الخارجية الاتصالات مع إيران ضمن المسارَين، الثنائي وفي إطار ثلاثي مع الولايات المتحدة أيضاً. بدا التنسيق واضحاً بين الوزيرَين في استعراض حصيلة الدبلوماسية العربية والإسلامية، ليعكس اتساع التشاور اللازم لبناء خريطة بدائل للتعامل مع الهجوم الإسرائيلي.

جمعت الدبلوماسية المصرية مسارَي تكثيف الاتصال مع المشرق العربي وتركيا، وتحييد رواسب الماضي في العلاقة بإيران

هيكلة الحراك الدبلوماسي
منذ اليوم الأول، شكّلت الاتصالات المصرية ـ الإيرانية حدثاً يومياً على مستويَي الرئاسة ووزارة الخارجية. وبدأت من دعم إيران ضدّ الهجوم الإسرائيلي وانتهت برفض الهجوم الصاروخي الإيراني على قطر. وعلى مدار أيام الحرب، اهتمت مصر بنقل ملفّ الحرب ليكون ضمن اهتمامات الأمن الأوروبي في المحادثات مع وزراء الترويكا الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا)، ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، وذلك في مسعى إلى بناء هيكل علاقات حول التوصّل إلى اتفاق مستدامٍ بشأن البرنامج النووي الإيراني، وتحييد احتمالات تأجيج الوضع الإقليمي.
على المستوى العربي، شكلت الاتصالات اليومية أرضية لجمع الموقف العربي ـ الإسلامي على الحياد الإيجابي ومنع انتشار الحرب، فقد اتصلت الخارجية مع 23 دولة عربية وإسلامية لاتخاذ موقف مشترك والتشاور حول عقد اجتماع لمنظمّة التعاون الإسلامي، وعقد اجتماع مماثل لوزراء الخارجية العرب، لبدء عملية ديبلوماسية جماعية للمساهمة في منع تكرار تشكيل تحالف للتدخّل العسكري على غرار ما حدث في حرب الخليج الثانية (1990). وفي هذا السياق، يعكس انعقاد اجتماع منظّمة التعاون الإسلامي بعد ثلاثة أيام من العدوان سرعة الاستجابة للأزمات الإقليمية، ما يؤسّس لرافعة سياسية في التعامل مع أزمات مماثلة.
أمّا المسار الثاني، فقد سعت سياسة مصر الأوروبية إلى تغطية أوروبا، فقد اتّسع التحرّك السياسي ليشمل كلّ شرائح الدول؛ المؤثّرة ومتوسّطة التأثير، بالإضافة إلى ممثلي الاتحاد الأوروبي. كان التواصل مع وزراء الترويكا ووزراء آخرين عاملاً مهماً في إيضاح ترابط ملفّات الصراع، فظهر تقاطع قضايا الحرب على مستوى الشرق الأوسط. وعلى أيّ حال، شكّلت الاتصالات مع الدول الأوربية عاملاً مهماً في فتح النقاش حول وقف الحرب ضدّ إيران وقطاع غزّة، فقد حاولت مصر بناء دائرة حراك ديبلوماسي لزيادة التأثير النسبي للجماعة الأوروبية. وفيما يشبه الخطّ الساخن، تتابعت الاتصالات مع وزراء فرنسا وبريطانيا وإسبانيا، لبلورة المصالح الأمنية على أساس المُدركات الأوروبية لتداعي الأزمات في الشرق الأوسط، وخصوصاً ما يتعلق بالملفّ النووي الإيراني، وتحرّي العدالة في تسوية القضية الفلسطينية. أمّا الثالث، فاستكملت الدبلوماسية المصرية بناء دائرة التفاوض الضيّقة، فظهر الاتصال الثلاثي؛ مصر وإيران والولايات المتحدة، قناةً سياسية للتداول حول تطوّرات الحرب. وقد بدت دائرة الاتصال من وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، مع المبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف، والوزير الإيراني، عباس عراقجي، عملية وساطة لأجل الوقف الفوري للحرب، وخفض التصعيد، وتثبيت وقف إطلاق النار.
ومع بلوغ هذه الدائرة عدد ثماني اتصالات حتى نهاية الشهر الماضي (يونيو/ حزيران)، انتقل التفاوض من وقف الحرب إلى ضمان خفض التصعيد، لتكون الأكثر كثافةً دولياً في التعامل على أزمة الهجوم الإسرائيلي، وذلك رغم حداثة عهد مراجعة العلاقات مع إيران وتوتّر العلاقات مع الولايات المتحدة. في 19 يونيو، كان تتابع اتصالَي الخارجية مع المبعوث الأميركي للشرق الأوسط، ثمّ مع وزير الخارجية الإيراني، لتهيئة المناخ للمسار الديبلوماسي، ولتحييد مخاطر الحرب والفوضى، ليتمّ الاتفاق مع وزير الخارجية البريطانية، في اليوم التالي، على مواصلة المشاورات والتنسيق.
في هذا السياق، عملت السياسة المصرية لدعم حراك الدول الإسلامية نحو تكوين كتلة سياسية للحدّ من تطلّعات الولايات المتحدة إلى تغيير النظام الإيراني. ولهذا، اتبعت السياسة الخارجية خريطةً لتغطية دول العالم الإسلامي وأوروبا، بالإضافة إلى الصين وروسيا، نتج منها دعم الخارجية الروسية (17 يونيو) مطالب البيان المشترك لوزراء خارجية 22 دولة بالوقف الفوري لإطلاق النار.

 نقلت مصر ملفّ الحرب على إيران ليكون ضمن اهتمامات الأمن الأوروبي، للتوصّل إلى اتفاق مستدامٍ بشأن النووي الإيراني

حفظ التوازن وتعدّد القوى الإقليمية
وبمراجعة خريطة الحراك الدبلوماسي، تتضح أبعاد السياسة المصرية في الترابط بين تعدّدية الفاعلين الإقليميين والأمن في الشرق الأوسط. فمن وجهة أساسية، فإنه على الرغم من انقطاع العلاقات المصرية مع إيران، انشغلت مصر بمُعامل الأمن الإقليمي أولويةً في التعامل مع يوميات الحرب.
كانت الوجهة الأساسية حفظ التوازن الإقليمي، فمع تصاعد الهجوم الإسرائيلي، اتجهت السياسة المصرية إلى تطويق احتمالية تغيير النظام الإيراني من طريق التدخّل العسكري للتحالف الأميركي ـ الإسرائيلي، باعتباره خطّ الدفاع الأمامي لمنع التدخّل في حالات أخرى. على مدى أسبوعِي الحرب، تبلورت السياسة في أهمية منع إطاحة أيّ نظام حُكم من طريق التدخّل العسكري، إذ اعتبرت أنه "لا حلّ عسكرياً للأزمة" (كلمة وزير الخارجية في مؤتمر منظّمة التعاون). اعتبرت مصر أن تقويض إيران أو إخراجها من معادلة التوازن الثلاثية، التي تضمّ أيضاً تركيا، سيزيد من الفجوة الأمنية والعسكرية، بشكل يُغري ببدء مسار الفوضى والتدخّل الخارجي.
تشكّلت ملامح هذه السياسة بعد سقوط نظام حزب البعث في سورية، فيترتب على سقوط إيران في الفوضى وجود مساحة جغرافية متصلة من ساحل بحر الشام حتى أفغانستان، سوف يتحرّك فيها فائض العنف بحرية نسبية، بشكلٍ يلقى أعباءً متزايدة على الأمن الخارجي. في هذه الجزئية، قامت المقاربة المصرية على أولوية منع تمدّد الفوضى على الخلاف السياسي مع إيران، ورغم وضوح هذا الجانب، التقط عبّاس عراقجي تحرّك مصر وفق أولوية لم تنتظر استئناف العلاقات الدبلوماسية.
على أيّ حال، لم يكن الدعم المصري لإيران على إطلاقه، فرغم الطابع التوافقي على تجاوز الهجوم على قاعدة العيديد في قطر، تُرسي إدانة مصر، وبعض دول الخليج قيام الأمن الإقليمي على احترام السيادة الوطنية. وقد ساعد الاعتذار الإيراني على اكتمال التطمينات اللازمة لفتح تفاهمات على الدفاع والأمن حول منطقة الخليج. يندرج هذا السلوك ضمن سياسة محاولات التوافق على الأمن الجماعي تحت إكراهات التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي في جانبي التلويح باستئناف الحرب، أو استغلال المناطق الرخوة لفرض السلام بالقوة.
من خفض التصعيد إلى وقف الحرب
على مستوى التحرّك السياسي، دارت اهتمامات السياسة الخارجية حول محورين أساسيين؛ كان الأول، المساهمة في تشكيل موقف مشترك لوقف إطلاق النار، وهنا، ظلّت فكرة الشركاء الدوليين والإقليميين حاضرةً في مشهد الاتصالات اليومية، وقد عكست استجابة منظمة التعاون الإسلامي إدراكاً مناسباً لتحدّيات الحرب وتداعياتها المحتملة على الفوضى الإقليمية، وهو ما يمكن أن يتطوّر آليةً مستمرّةً في التعامل مع الأزمات الإقليمية. وفي هذا السياق، يكشف اعتذار إيران لدول الخليج عن مرونة الموقف السياسي، والرغبة في ضبط علاقات الجوار، بحيث لا تكون عامل تهديد.
كانت نتائج اجتماع منظمة التعاون الإسلامي امتداداً لمواقف المشاركين في بيان الدول الإسلامية (16 يونيو)، إذ ركّزت في تصنيف الهجوم الإسرائيلي خرقاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والسيادة الوطنية. لوقف الاعتداء، ركّز البيان الختامي في عملية تدرّجية، تبدأ بخفض التوتّر وتنتهي بهدنة شاملة لا تكون بمعزل عن الحياد في تطبيق اتفاقية منع الانتشار النووي في منطقة الشرق الأوسط.

وقفت السياسة المصرية في مساحة ما بين تحفيز الدبلوماسية المشتركة، والبقاء ضمن الشركاء الأساسيين في صناعة الأمن الإقليمي

فيما كان الثاني ماثلاً في أنه خلال مرحلة دوران آلة الحرب، سعت مصر إلى بناء تصوّر لوقف إطلاق النار في الشرق الأوسط، قام على ربط التفاوض حول البرنامج النووي الإيراني باتفاقية حظر الانتشار النووي واستئناف وقف إطلاق النار على جهتي إيران والأراضي الفلسطينية. وبعد الموجة الأولى من حديث الديبلوماسية عن الهجوم الإسرائيلي، شاع استخدام مصطلح "خفض التصعيد"، على نطاق التواصل مع الأوروبيين، توجهاً لاحتواء الحرب ومنع انتشارها.
وعلى الرغم من هشاشته، شكّلت لحظة الإعلان عن وقف إطلاق النار إدراكاً لأهمية وقف التصعيد، فخلال فترة وجيزة، لقي ترحيب العديد من الدول، غير أن تثبيته يرتبط بتطوير شبكة التضامن فيما بين دول المجموعة الإسلامية، وإبقاء تعددية الأطراف الإقليمية، بحيث تكون العلاقة بين الأطراف الفاعلة في منظمة التعاون رافعةً لامتصاص التمادي الأميركي في فرض الهيمنة والحلّ الأُحادي.
وفق التقييمات المرحلية، لا تُعطي نتائج الحرب دليلاً حاسماً على الانتصار، غير أن قصور إسرائيل/ الولايات المتحدة عن تحقيق أهدافها المُعلَنة يُبقي على نتيجتَين. الأولى استمرار إيران واحداً من الفاعلين الإقليميين، ومع تصحيح علاقاتها مع الخليج ومصر وتركيا، يمكن أن تتشكّل خريطة جديدة مؤثّرة في تحييد أعباء الضغوط الدولية. أمّا الثانية، فقد اتضحت في عولمة الاعتداء الإسرائيلي وفرض قيد على التدخل الأميركي، وذلك بالتضافر ما بين التحرّك الإقليمي والإسناد الصيني والروسي، فعلى الرغم من هدوء تعليقاتها، شكّلت روسيا والصين ظهيراً للأدوار الإقليمية في ضبط التدخّل الأميركي في الحرب.
ووفق هذه النتائج، المرحلية، يمكن قراءة السياسة المصرية في مساحة ما بين تحفيز الديبلوماسية المشتركة والبقاء ضمن الشركاء الأساسيين في احتواء الحرب وصناعة الأمن الإقليمي، وهي سياسة تتسم بمرونة ترتيب الأولويات وفقاً لتغيّر الوضع السياسي. وقد ساعدت هذه الصيغة في بقاء كلّ القنوات الدبلوماسية مفتوحةً على تداول البدائل السياسية والأمنية.

5DF040BC-1DB4-4A19-BAE0-BB5A6E4C1C83
خيري عمر

استاذ العلوم السياسية في جامعة صقريا، حصل على الدكتوراة والماجستير في العلوم السياسية من جامعة القاهرة، وعمل باحثاً في عدة مراكز بحثية. ونشر مقالات وبحوثاً عديدة عن السياسية في أفريقيا ومصر والشرق الأوسط .