عجز القضاء الفرنسي... إخفاق قانوني وسياسي في حماية الأطفال من العنف الجنسي

31 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 14:06 (توقيت القدس)
تظاهرة في باريس احتجاجاً على العنف الجنسي ضد الأطفال، 24 مايو 2025 (فينسنت كوبيل/Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يواجه القضاء الفرنسي أزمة في حماية الأطفال من العنف الجنسي، حيث فشلت الإصلاحات في توفير حماية قانونية شاملة، واستغل السياسيون القضية للتنصل من مسؤولياتهم. القاضية ماري-بيار بورشي أشارت إلى التركيز على الرعاية الاجتماعية بدلاً من الملاحقة الجنائية.

- قضية ليانا رامو برنارد كشفت عن خلل بنيوي وأخطاء فردية في النظام القضائي، حيث أدانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان فرنسا بسبب قصور قوانينها في حماية الأطفال.

- تقرير اللجنة المستقلة قدم 82 توصية لإصلاح النظام القضائي، لكن لم يُنفذ سوى 28% منها. القاضية بورشي اقترحت استحداث وزارة خاصة بشؤون الأطفال واستخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين الحماية.

أزمة بنيوية تواجه القضاء الفرنسي، أدت إلى عجزه عن حماية الأطفال من العنف الجنسي، نظراً إلى فشل إصلاح السياسات العامة وتوظيف القضية من قبل السياسيين للتنصل من مسؤولياتهم في إقرار قوانين فعالة لمواجهة الظاهرة.

- في سياق تطرقها إلى ملف فعالية القضاء الفرنسي في حماية الأطفال من العنف الجنسي، تتوقف القاضية ماري-بيار بورشي عند الإصلاحات التي شهدتها البلاد، ففي بداية الثمانينيات، كان اهتمام القضاة منصباً على توفير الرعاية الاجتماعية لضحايا سفاح القربى من الأطفال على حساب الملاحقة الجنائية، كما تقول، مشيرة إلى أن اهتمامها بالظاهرة، ترافق مع مسيرتها المهنية التي بدأت عام 1984 قاضية في محكمة للأحداث بمحافظة "أوت-دو-فرانس" ثم تدرجت في المناصب قبل تقاعدها عام 2019، وخلال هذه الفترة خاضت العديد من المعارك الداخلية لإصلاح ما أمكن.

وحتى بعد تقاعدها ظلت مواظبة على هذا النهج من خلال المطالعات القانونية والمشاركة في صياغة القوانين إلى جانب نشر كتابين، هما "الرضا الجنسي: حقائق تكشفها قاضية" و"صمت القانون: قاضية في مواجهة سفاح القربى"، موضحة لـ"العربي الجديد" أن أبرز معاركها تمثلت في تصديها لما تصفه بالفضيحة: "فحتى عام 2021 كان القضاة والمدعون العامون ملزمين بالتحقق مما إذا كان الطفل راضياً عن إقامة علاقة جنسية مع شخص راشد. وهي ذريعة كان يتلطى خلفها المعتدي مدعياً أن الطفل أغواه، إلا أنه إجراء لم يعد معمولاً به بعد صدور القانون رقم 478-2021".

مأساة ليانا رامو برنارد

لم تترجم الإصلاحات التي أشارت إليها بورشي على شكل حماية قانونية وقضائية شاملة من العنف الجنسي لأطفال فرنسا، ولا سيما سفاح القربى، بدليل ما جرى مؤخراً مع الطفلة ليانا رامو برنارد، فاستناداً إلى التقريرين غير النهائيين الصادرين عن لجنة التحقيق الوزارية المشتركة، عُثِرَ على جثة ليانا البالغة 11 عاماً في 4 يونيو/حزيران 2026 بعد ستة أيام من اختفائها، وعقب التحقيقات جرى توقيف شخص يدعى جيروم باريلا لديه ثلاث سوابق عنف جنسي ضد الأطفال.

بسبب بشاعة القضية وتصاعد الضغط الإعلامي، شكل وزراء العدل والداخلية والتربية لجنة التحقيق المذكورة آنفاً لتبيان أسباب التقصير في ملاحقة المعتدي، بعدئذ أصدرت اللجنة تقريرين غير نهائيين في 19 يونيو و10 يوليو/تموز الماضي أشارا إلى خلل بنيوي وأخطاء فردية في التعامل مع البلاغات والشكاوى بحق جيروم باريلا.

لكن وزير العدل جيرالد دارمانان أشعل جدلاً سياسياً وقضائياً، بحصره الأسباب في الأخطاء الفردية. وبعد يوم من العثور على جثتها، أبدى دارمانان استغرابه من "عدم توقيف المشتبه به على خلفية الشكوى التي قدمتها إحدى ضحاياه في أغسطس/آب 2025 رغم تعليماته للقضاة والمدعين العامين". وعقب نشر التقرير الأول للجنة التحقيق، سلط دارمانان الضوء على الأخطاء الفردية للقضاة وعناصر الدرك مستبعداً فرضية نقص الموارد. كما جاء موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مشابهاً، ليصف ما جرى بـ"غير المقبول" رافضاً "أي حديث عن قلة الموارد".

إدانة المحكمة الأوروبية لفرنسا

"دارمانان وماكرون يسخران من الفرنسيين"، بهذه الكلمات علّق الناشط الفرنسي في مجال مناهضة العنف الجنسي ضد الأطفال، آرنو غاليه على ما صدر عن رئيس الجمهورية ووزير العدل خلال حديثه إلى "العربي الجديد".

ويرأس غاليه جمعية Mouv’Enfants (التحرك من أجل الأطفال)، كما يقول، "يوحي ماكرون ودارمانان بأنهما يكتشفان لتوهما واقع العنف الجنسي ضد الأطفال، لكن ما جرى مع ليانا لم يأت من فراغ بدليل إدانة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لفرنسا في 24 إبريل/نيسان 2025، بسبب قصور قوانينها وممارساتها في توفير حماية فعالة للقُصَّر وضمان سلامتهم، إلى جانب تقارير برلمانية وحقوقية سابقة تحذر من الظاهرة، ويعود بعضها إلى 10 أعوام".

توقف غاليه مطولاً عند تقرير "اللجنة المستقلة المعنية بسفاح القربى والعنف الجنسي ضد الأطفال"، الذي شارك في إعداده بصفته عضواً في اللجنة المذكورة بين عامي 2021 و2023. ووفقاً لموقعها الإلكتروني، تأسست اللجنة في العام 2020 بمبادرة حكومية لبلورة توصيات تهدف إلى إصلاح السياسات العامة الخاصة بحماية الأطفال من سفاح القربى والعنف الجنسي، وعرفت اللجنة التي بدأت عملها عام 2021 الطفل بـ"كل إنسان لم يبلغ الـ 18 من عمره"، وفيما بعد أصدرت في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 تقريرها الشهير بعنوان "العنف الجنسي على الأطفال: نصدقكم". واستناداً إلى مضمونه، يتعرض 160 ألف طفل في فرنسا للعنف الجنسي سنوياً. يشكل الذكور 97% من المعتدين، بينما تبلغ نسبة الراشدين 81% من إجمالي المعتدين.

وتبين بموجب التقرير أن المعتدي في 81% من الحالات يكون أحد أقارب الضحية. أما خارج الإطار العائلي، فيكون المعتدي رجل دين في 25% من الحالات، أو شخصاً ذا صفة تربوية بنسبة 19%، أو صديقاً للضحية بنسبة 17% أو مدرباً رياضياً بنسبة 8%.

وبخصوص سن الاعتداء، كان متوسط عمر الضحايا ثمانية أعوام ونصف عام، في حين بلغ متوسط سن ضحايا سفاح القربى سبعة أعوام ونصف عام. وأفاد التقرير بأن 86% من الضحايا تعرضوا للاغتصاب والعنف الجنسي بصورة متكررة ولمدة راوحت بين عام و10 أعوام. وتوقف التقرير أيضاً عند المعطيات الدالة على ضعف الحماية المجتمعية والقضائية للضحايا مشيراً إلى أنه: "كلما كان المعتدي قريباً من الضحية، تأخر الإفصاح عن الاعتداء".

لماذا لا يدان المعتدون؟

أشار التقرير إلى أن 13% فقط من الضحايا يفصحون عن الاعتداء فور وقوعه، وتنخفض هذه النسبة إلى 9% في حالات سفاح القربى، كما أن الإفصاح لا يفضي بالضرورة إلى وضع الأمور على المسار الصحيح، فمعظم الأطفال يلجؤون إلى أحد أفراد الأسرة، وصحيح أن رواية غالبية الضحايا تحظى بالتصديق (7 من أصل 10 حالات) لكن الشخص الذي يُفصح له لا يتخذ في 50% من الحالات، أي خطوة لحماية الضحية، بل يطلب منه الصمت في 27% من الحالات، كما يُلام الطفل في 22% من الحالات وهو ما يوصف بسياسة : "فرض الصمت الذي يعزز إفلات المعتدين من العقاب". وحتى عندما يلجأ الطفل إلى أحد الاختصاصيين طلباً للمساعدة بنسبة 15%، لا يلقى بالضرورة الحماية المطلوبة، إذ لا تُتخذ الإجراءات لحمايته في 58% من الحالات.

وخلص التقرير إلى أن الضحايا الذين يتقدمون بشكاوى يمثلون 19% من إجمالي من يتعرضون للاعتداءات سنوياً، كما أن 3% فقط من المعتدين تصدر بحقهم أحكام قضائية بالإدانة، لتنخفض هذه النسبة إلى 1% في حالات سفاح القربى.

و"من شاينا هانسي التي تعرضت للاغتصاب طوال عامين قبل إحراقها حية بعمر 15 عاماً رغم تقدمها بشكوى، إلى يانيس الإدريسي الذي انتحر بعمر 17 عاماً بعد الإفراج عن مغتصبه الذي يقطن بالقرب منه، تخفي هذه الأرقام خلفها آلافاً من الضحايا بمعاناتهم المزدوجة: مما تعرضوا له أولاً، ومن فرنسا التي فشلت في حمايتهم سبب الخلل البنيوي في منظومتها القانونية والقضائية"، وفقاً لغاليه الذي صنف موقف ماكرون ودارمانان في خانة التهرب من مسؤوليتهما عن التقصير في توفير الموارد المالية والبشرية والتقنية اللازمة لجمع الأدلة بما يسمح بإدانة عدد أكبر من المعتدين.

رفض كبش الفداء

أثارت مواقف وزير العدل استياء الجسم القضائي الفرنسي، إذ عدد بيان نقابة القضاة الصادر في 23 يونيو الماضي أوجه الخلل البنيوي، ومما جاء فيه أن تقارير لجنة التحقيق المشتركة ليست مفاجئة لأي قاض وعلى وجه التحديد أولئك العاملين في محاكم الأحداث.

وبحسب بيان النقابة، فإن التأخير في معالجة الملفات سببه الموارد البشرية المحدودة: "النيابة العامة في إقليم أوش (التي نظرت في إحدى الشكاوى المقدمة بحق جيروم باريلا) تضم أربعة قضاة فيما المعدلات الأوروبية تفرض وجود 23 قاضياً"، يضاف إلى ذلك "نقص المحققين والاختصاصيين التربويين والنفسيين والكوادر الطبية وسواهم من المتخصصين المؤهلين للتعامل مع هذه الحالات".

وتطرق البيان إلى تراكم الملفات بما يعيق رصد الحالات الطارئة، ولا سيما العنف الجنسي ضد الأطفال. وتحت عنوان "رفض كبش الفداء"، أصدر الاتحاد النقابي للقضاة بياناً في 8 يونيو الماضي، استنكر فيه "العدالة السريعة والمعادية للقضاء التي تمليها الأجندة الإعلامية". كما رد الاتحاد على تصريحات دارمانان المتعلقة بالتعليمات والأولويات الصادرة عنه معتبراً أن "كثرة الأولويات تقتل فعلاً الأولوية".

الصورة
يتعرض 160 ألف طفل فرنسي للعنف الجنسي سنوياً، باريس، 23 نوفمبر 2024
يتعرض 160 ألف طفل فرنسي للعنف الجنسي سنوياً، باريس، 23 نوفمبر 2024 (Getty)

خلل بنيوي

في حديث إلى "العربي الجديد" توسعت ناتاشا أوبينو، العضو المنتخبة في المكتب الوطني للاتحاد النقابي للقضاة، في عرض ما يواجهه القطاع من تحديات: "أبسطها أن البرمجيات التي نعمل عليها أشبه بالكابوس اليومي بسبب مشكلاتها التقنية الدائمة ولكونها غير معدة للتواصل مع الخبراء من خارج الجسم القضائي".

وتوسعت أوبينو في حديثها متناولة نقص الموارد البشرية: "كل مدع عام فرنسي يُكلف سنوياً بألفي ملف، بينما يبلغ المعدل الأوروبي مئتي ملف. على سبيل التشبيه، لو طُلب من أحد الأطباء القيام بعشرين عملية جراحية يومياً، فيما يجري زميله خمس عمليات فقط، فأيهما سيكون أكثر عرضة لارتكاب الأخطاء؟ رغم ذلك ننجح في إنقاذ العديد من الأرواح، لكن حجم الالتزامات يؤدي إلى إفلات بعض الملفات من أيدينا وما تعرضت له الطفلة ليانا هو أحد الأمثلة، فلو توفرت موارد إضافية ربما كنا سننجح في تجنب الحادث المأساوي". 

كل مدع عام فرنسي يُكلف سنوياً بألفي ملف، بينما يبلغ المعدل الأوروبي مئتي ملف

يتفق غاليه مع ما ورد على لسان أوبينو، معتبراً أن "كل خلل بنيوي سينتج عنه بطبيعة الحال أخطاء فردية بسبب الضغط الذي يجبر القضاة على الإسراع في إنجاز مهامهم".

وفقاً للاتحاد، تتجاهل الحكومة قلة الموارد: "عندما يبلغ معدل المدعين العامين ثلاثة لكل 100 ألف شخص، لسنا أمام فشل في رصد الأولويات، بل إزاء نقص صارخ في القوى العاملة اللازمة لاستيعاب ملايين الشكاوى".

الرقم الذي أشار إليه بيان الاتحاد النقابي للقضاة ورد في دراسة صادرة عن المفوضية الأوروبية لكفاءة العدالة بتاريخ 17 فبراير/شباط 2026، حملت عنوان "دراسة حول عمل الأنظمة القضائية في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي". وتحتل فرنسا بحسب الدراسة، المركز الـ 23 (من أصل 27 دولة عضواً في الاتحاد) لجهة عدد القضاة (11.6 قاضياً لكل 100 ألف شخص). وعلى صعيد المدعين العامين، احتلت فرنسا المركز ما قبل الأخير بـ 3.2 مدعين لكل 100 ألف شخص.

لكن ماري – بيار بورشي اتخذت موقفاً وسطياً: لم تنكر نقص الموارد التي وضعتها في خانة "الإهمال السياسي المتراكم لحكومات اليمين واليسار" ومؤكدة أيضاً كلام أوبينو لجهة المشاكل في البرمجيات المستخدمة. بالمقابل، لم يكن بوسعها التغاضي عن الأخطاء الفردية: "سجل المعتدي على ليانا كان متاحاً وبالإمكان تصفحه لاتخاذ ما يلزم من إجراءات خلال نصف يوم، خطوة كانت ستحمي ليانا".

نقص حاد في عدد القضاة

انطلاقاً من كلام بورشي، يمكن العودة إلى التقرير غير النهائي الصادر عن لجنة التحقيق المشتركة في 19 يونيو 2026، وتمحور حول أوجه القصور في المسار الإجرائي الخاص بشكوى مقدمة بحق جيروم باريلا بتاريخ 18 أغسطس 2025 بتهمة الاعتداء المتكرر على فتاة تبلغ 15 عاماً.

التقرير أشار إلى مزيج من الأخطاء الفردية المتراكمة والخلل البنيوي. فالتحقيق انطلق على يد العناصر الأمنية والقضائية التابعة لإقليم تولوز، حيث خضعت الضحية للفحص الطبي الأولي، ليُنقل الملف إلى النيابة العامة لإقليم أوش، مكان وقوع الاعتداء.

نَقلُ الملف تم عبر البريد لا إلكترونياً، ليصل إلى أوش بعد 18 يوماً ودون أي إشارة على النظر فيه على نحو طارئ، فضلا عن أن هدر الوقت لم يتوقف عند هذا الحد: بسبب الإهمال في فرز البريد، لم تنظر نيابة أوش في الملف إلا بعد 22 يوماً وعقب اتصال من والدة الضحية، ليُحوّل إلى قاضية مع إدراجه ضمن الحالات الطارئة.

لكن الأخيرة لم تبدأ بدراسته إلا بعد شهر، لتطلب الاستماع إلى باريلا وتوقيفه وخضوعه لفحص نفسي. لكنها ارتكبت ثلاثة أخطاء: لم تشر إلى أن الملف حالة طارئة، لم تحدد المدة الزمنية القصوى لتنفيذ الإجراءات، أرسلت الطلب إلى قسم الشرطة التابع لإقليم تولوز عن طريق الخطأ.

رغم تصحيح الخطأ بعد 13 يوماً، لكن القاضية طلبت التوسع في الأدلة لجعلها أكثر "متانة" وهو ما وافق عليه عنصر الشرطة القضائية الذي لم يدرك حساسية الملف. بحسب التقرير، فإن انتقال عائلة الضحية إلى عنوان آخر بعيداً عن مسكن المعتدي دفع بالعنصر إلى التراخي رغم اتخاذه علماً أن باريلا صاحب سوابق.

علاوة على ذلك، لم تخضع التحقيقات لأي متابعة من القاضية بسبب جدول عملها المزدحم، ما منعها حتى من مراجعة سجل باريلا إلكترونيا. في هذا السياق، أشار التقرير إلى النقص الحاد في عدد القضاة في أوش رغم ارتفاع الشكاوى الخاصة بالعنف الجنسي على الأطفال في هذا الإقليم (167 شكوى عام 2025) مقارنة بالمعدل الوطني في العام نفسه (107 شكاوى). كما أدى نقص عديد العناصر الأمنيين إلى إيكال الملف لأفراد يفتقرون إلى التأهيل المطلوب.

التقرير الثاني غير النهائي الصادر عن اللجنة بتاريخ 7 يوليو 2026 تناول شكوى أخرى قُدمت بحق باريلا في أكتوبر/تشرين الأول 2022 لاعتدائه على فتاة تبلغ 15 عاماً. بداية الشكوى كانت في النيابة العامة لإقليم بيتون لتبدأ الأخطاء بالتراكم: بسبب النقص في الأخصائيين، أوكل التشخيص النفسي إلى "أخصائية غير مؤهلة لمقابلة ضحايا العنف الجنسي على الأطفال".

تقرير لجنة التحقيق أشار إلى افتقار تشخيصها إلى المهنية المطلوبة بعدما انصب اهتمامها على التأكد من مصداقية الضحية، ليتمحور تقريرها الرسمي حول التناقضات في إفادتها، ما أضعف موقف الفتاة. بعد نقل الملف إلى إقليم أوش، مكان وقوع الاعتداء، أوكل بطبيعة الحال إلى أحد القضاة. لكن عدم الالتزام بالإجراءات الإدارية وازدحام جدول أعماله دفعاه إلى إعادة الملف إلى إقليم بيتون ظناً منه أنه وصل إليه عن طريق الخطأ، ليعود التحقيق ويسلك مساره بعد 10 أشهر من التأخير وينتهي بإغلاق الملف لعدم كفاية الأدلة.

برأي بورشي، التعامل مع الشكاوى السابقة بحق جيروم باريلا تدل على مزيج من انعدام الكفاءة من جهة، وضغط العمل الذي يدفع إلى الخفة في دراسة الملفات. حتى عندما تصل الملفات إلى المحاكم، يبقى التوجس قائماً.

مزاحمة السياسيين على صلاحياتهم

تقرير لجنة التحقيق البرلمانية الخاصة بـ"تقييم الآليات القضائية في قضايا سفاح القربى ضد الأطفال"، الصادر عن الجمعية الوطنية في 1 يوليو 2026، توقف في مقدمته عند شهادة لإحدى الفرنسيات تعرضت بناتها للعنف الجنسي على يد والدهم: "قاضية الأحداث لم تمنحني الوقت الكافي للحديث". وفقاً لشهادتها أمام اللجنة البرلمانية، شككت القاضية بالوقائع محملة إياها مسؤولية ما أدلت به بناتها: "قالت لي، سيدتي، استناداً إلى خبرتي وحدسي سأضع بناتك في عهدة جلادهم".

برأي اللجنة البرلمانية، الأخطاء الفردية والمشاكل البنيوية التي تواجه قضايا سفاح القربى لم تعد استثنائية بل أصبحت جزءاً من عمل المنظومة القضائية. بحسب التقرير: "فرنسا لا تحب أبنائها". وعلى صعيد آخر، أثار بيان الاتحاد النقابي للقضاة مسألة أخرى: "نشهد منذ أيام تطويعاً سياسياً غير مقبول من جانب السلطة التنفيذية". تعتبر أوبينو أن مبادرة السياسيين إلى اقتراح قوانين برؤية إصلاحية أمر طبيعي، شرط عدم التعرض لدولة القانون.

توضح أوبينو الخلفيات التي دفعت نقابتها إلى تصدير هذه المسألة في بيانها: "هناك مزاج عالمي يتهم القضاة بمزاحمة السياسيين على صلاحياتهم لمجرد تطبيقهم القانون، لتتحول بذلك قضية الطفلة ليانا إلى محاكمة غير محقة للجسم القضائي بغية إحكام السيطرة عليه". لا تنفي أوبينو الأخطاء الفردية، لكن ما يجري بنظرها هو استغلال القضية للحد من استقلالية القضاء.

بعيداً عن موقف وزارة العدل التي لم ترد على طلب المقابلة لمنحها حق الرد، لم تحظ هذه المقاربة بقبول ماري – بيار بورشي، إذ لم تجد في المواقف السياسية أي محاولة لتطويع القضاء، بل اعتبرتها دليل عافية لتفاعل السياسيين مع قضايا المجتمع وإصلاح ما يلزم.

برأيها، اقتراب الاستحقاق الرئاسي يدفع القوى السياسية إلى مضاعفة إصغائها لمطالب الشارع: "أيا يكن الرئيس المقبل، سيتوجب عليه القيام بإصلاحات في هذا المجال وإلا فسيواجه بغضب شعبي". التصريحات والمواقف السياسية لم تزعج آرنو غاليه "إن كانت ستؤدي إلى نتائج ملموسة".

مراجعة شاملة للمنظومة القضائية

بالحديث عن الإصلاحات، تضمن تقرير "اللجنة المستقلة المعنية بسفاح القربى والعنف الجنسي ضد الأطفال" 82 توصية توزعت على أربعة محاور: المحور الأول خُصص لتعزيز آلية رصد الضحايا عبر 19 توصية تمحورت حول وجوب التوسع في مقاربة الحالة الصحية والنفسية للطفل والتي يمكن أن تدل على تعرضه لعنف جنسي (حالات الإجهاض، التدقيق في البطاقة الصحية، محاولات الانتحار...).

ونصت التوصيات أيضاً على التأهيل الإداري للأطباء والمختصين المعنيين بالإبلاغ عن حالات العنف الجنسي على الأطفال، بعد رصد عقبات تحول دون إتمام الإجراءات على النحو المطلوب (توضيح الهرمية الإدارية للجهات المعنية بالبلاغات، توضيح الفارق بين الحالات التي تستوجب تصنيفها حالة عنف جنسي وتلك التي تعد في خانة الإنذار...).

"حصة الأسد" من التوصيات كانت من نصيب المحور الخاص بالمسار القضائي الذي تضمن 41 توصية ركزت بشكل رئيسي على ضحايا سفاح القربى، لا سيما تعديل وإصلاح مواد في القانون الجنائي تتيح تجريماً أوضح للمعتدين.

كما نصت التوصيات على وجوب توفير حماية مضاعفة لولي الأمر الذي يتعرض طفله لعنف جنسي على يد ولي الأمر الآخر والبت السريع في تحديد الوصي على الطفل الذي يقع ضحية سفاح القربى قبل المضي في الإجراءات، بالإضافة إلى توعية الضحية وعائلتها قانونياً. وشملت التوصيات فرض ضوابط على التغطية الإعلامية منعاً لتحولها إلى منبر يتخذه المعتدي لاستمالة الرأي العام.

في ما يتعلق بالمتابعة الصحية للأطفال، نصت التوصيات التسعة على إزالة الشوائب التي تمنع توفير العلاج الصحي والنفسي الملائم مع التشديد على مجانيته. بعبارة أخرى، المطالبة بمنح استثناء للأطفال الضحايا من تسديد العلاجات غير المجانية.

أما التوصيات الـ13 المتبقية، فتمحورت حول التدابير الوقائية، من خلال تعزيز موارد الأجهزة المعنية، ومنع المعتدين (كما المشتبه بهم) من ممارسة أي نشاط مهني يتطلب احتكاكاً بالأطفال ورفع التوعية الجنسية في المدارس.

في إبريل 2024، نشرت اللجنة أول تقرير متابعة في 15 يونيو 2026. التقرير الذي نوه بالإرادة الحكومية، توقف بالمقابل عند عدد من النقاط الدالة على الجهود المنقوصة. فخلال عامين، دخلت حيز التطبيق الفعلي 23 توصية من أصل التوصيات الـ82، بما يمثل نسبة 28%. حتى إنه من أصل التوصيات الـ17 الأكثر إلحاحاً، جرى تفعيل ثلاث توصيات فقط.

وأوضح تقرير المتابعة أن جهود الدولة انصبت على التوصيات الخاصة بالرصد والوقاية (90% من إجمالي التوصيات التي دخلت حيز التطبيق) على حساب التوصيات الخاصة بالحماية القضائية، بدليل أن نسب إدانة المعتدين (المذكورة أعلاه) لا تزال على حالها. كما ركز التقرير على التقصير في الإصلاحات المرتبطة بسفاح القربى.

على ضوء الوضع السابق واستناداً إلى خبرتها المهنية، اعتبرت ماري-بيار بورشي أن المدخل للخروج من هذه الأزمة، هو استحداث وزارة خاصة في شؤون الأطفال بخلاف الوضع المعمول به، إذ أوكلت هذه المهام إلى وزارة المساواة الجندرية ومن هنا فإن هذه الخطوة من شأنها تعبيد الطريق أمام مراجعة شاملة للمنظومة القضائية، وفي توصية تراها شديدة الأهمية وإن كان لم يذكرها التقرير أكدت على ضرورة: "الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في مسار التقييم، لا سيما أن هذا النوع من الملفات يستوجب دراسة متعددة الأبعاد (قضائي، طبي، نفسي...)".