ضريبة التضامن مع غزة... إسكات أصوات الأطباء في بريطانيا
- شهدت السنوات الأخيرة زيادة في الشكاوى ضد الأطباء بسبب آرائهم السياسية، حيث سجل المجلس الطبي العام 340 شكوى في العام الماضي، مما يبرز تأثير جماعات الضغط الصهيونية.
- تعكس هذه الإجراءات استخدامًا غير متناسب للأدوات التنظيمية لتقييد حرية التعبير، حيث يشعر 93% من العاملين في الرعاية الصحية بقيود على حرية التعبير، مما يبرز الحاجة لحماية حقوق الأطباء.
ما بين الوقف عن العمل والشطب النهائي تحاصر الجهات التنظيمية البريطانية أطباء يعبرون عن آرائهم في حرب الإبادة على غزة، اعتمادا على بند "اللياقة لمزاولة المهنة" ما أسفر عن تصاعد في مناخ الإسلاموفوبيا وتبعاته.
- بمزيج من مشاعر الغضب والاستهجان استقبلت طبيبة الأعصاب في مستشفى ساوث تاينسايد وسندرلاند بنيوكاسل، ريحانة علي، قرار خدمة محكمة الممارسين الطبيين Medical Practitioners Tribunal Service (هيئة مستقلة)، منعها من ممارسة الطب في بريطانيا لمدة 18 شهرا، والسبب سلسلة شكاوى تلقاها المجلس الطبي العام GMC (الهيئة التنظيمية المستقلة للأطباء) من منظمة "محامون بريطانيون من أجل إسرائيل" التي تأسست في عام 2011 على يد مجموعة صغيرة من القانونيين.
"لم أرتكب أي خطأ، فقط عبرت عن رأيي في سلسلة منشورات على منصة إكس" تقول ريحانة البريطانية من أصل فلسطيني لـ"العربي الجديد"، :"وهل يعد انتقاد اللوبيات الإسرائيلية في بريطانيا وجرائم الحرب التي ترتكبها دولة الاحتلال في غزة أمرا مشينا!"، ثم تتابع: إنها شكاوى كيدية على خلفية سياسية، وما جرى يقوض حقوقي في حرية الرأي والتعبير.
ويدخل ما وقع لريحانة في نطاق ظاهرة تمس أطباء آخرين، تحديدا منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، إذ سجل المجلس الطبي العام 280 شكوى ضد ممارسين صحيين بين أكتوبر/تشرين الأول وحتى ديسمبر/كانون الأول 2023، وبعدها بلغ العدد 159 شكوى في عام 2024، قبل أن يرتفع بشكل ملحوظ في العام الماضي، ويصل إلى 340 شكوى، فيما أسفر الفرز الأولي عن استبعاد 696 شكوى بسبب تكرار بعضها استهدافًا لطبيب واحد وتشابه محتواها، ليتم الإبقاء على واحدة فقط، كما تقول لـ"العربي الجديد" هيلين أولالي Helen Olaleye مسؤولة الوصول إلى المعلومات بالمجلس Information Access Officer، مشيرة إلى وجود 31 قضية منظورة في الوقت الراهن أمام المجلس.
شطب نهائي
فاقت العقوبة التي تعرض لها الطبيب البريطاني من أصل هندي مانوج سين Manoj SEN ومواطنه من أصل باكستاني محمد آصف مناف ما جرى مع ريجانة، إذ أوقفا عن العمل بصورة نهائية وشطب اسماهما من سجلات الأطباء وفق قراري محكمة الممارسين الطبيين اللذين حصل عليهما "العربي الجديد" وصدرا على التوالي في 25 سبتمبر/أيلول 2025، و14 يناير/ كانون الثاني 2026، بعدما اعتبرت المحكمة أن "تعليقات الطبيب مانوج سين معادية للسامية".
بينما جاء في منطوق الحكم بقضية الطبيب مناف أن "حرية التعبير ليست حقًا مطلقًا، وقد تخضع لقيود ضرورية في مجتمع ديمقراطي لحماية سمعة الآخرين وحقوقهم".
يرجع كل ما سبق من إجراءات متصاعدة خلال العامين الماضيين، إلى حملات لوبيات الضغط الصهيونية التي تراقب حسابات الأطباء على مواقع التواصل الاجتماعي وترفع قضايا ضدهم ضاغطة على إدارات المستشفيات، بزعم أنهم معادًون للسامية، كما يوضح الطبيب البريطاني من أصل أردني نديم حدادين، الذي أوقف عن العمل كذلك في 14 أغسطس/آب 2024.
إيقاف حدادين أثناء مناوبته في قسم الطوارئ بمستشفى رويال فري الحكومي شمال لندن، جاء بناء على عدة شكاوى مجهولة المصدر تلقتها إدارة المشفى بسبب منشوراته على "إكس" تعليقا على حرب غزة، ما دفعه للاستقالة والتوجه إلى محكمة العمل البريطانية مقيما دعوى قانونية ضد إدارة عمله السابق ليجري قبولها في يونيو/حزيران 2025، شاكيا فيها من استهدافه مهنيا على أساس آرائه، كما يقول: "أنتظر الفصل في القضية شهر يونيو المقبل".
340 شكوى ضد أطباء عبروا عن آرائهم في حرب غزة
للسبب نفسه، جرى التضييق على الطبيبة رحمة العدوان، على خلفيه تغريداتها المناهضة للحرب على غزة، كما تقول، مضيفة لـ"العربي الجديد": "تجري عملية رقابة مكثفة ومنظمة وتليها إجراءات تقديم بلاغات قانونية تستهدف الأطباء ليس فقط استناداً إلى منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، بل وحتى أحياناً لدى استراق السمع إلى أحاديثهم خلال استراحة الغداء وفي مواقع العمل، أو محادثات على مجموعة واتساب، وهو ما ولد مخاوف حقيقة بين أوساط الأطباء من مجرد الحديث عن غزة خوفاً من إبلاغ زملائهم عنهم".
جاء ذلك بعد ايقافها عن العمل في مستشفى رويال فري، وتعليق ترخيص مزاولة المهنة مدة 15 شهراً عقب شكوى تقدمت بها منظمة محامون بريطانيون من أجل إسرائيل، وفق قولها، موضحة أن الممارسات القمعية التي يتعرض لها الأطباء تمثل مفارقة صارخة من حيث انسجامها مع قيم الديمقراطية الحديثة.
علاوة على ما سبق، أحيلت رحمة، الطبيبة البريطانية من أصل أردني، إلى محكمة الجنايات المركزية "أولد بيلي" في لندن (تنظر عادة في ما يوصف بالقضايا الجنائية الكبرى) لمحاكمتها بتهم تتعلق بدعم حركة "حماس". وجاء القرار بعد جلسة استماع قصيرة في محكمة ويستمنستر الجزئية في 27 مارس الماضي. وقد قرر القاضي إطلاق سراح رحمة بكفالة على ذمة القضية. ومن المقرر أن تبدأ محاكمتها جنائياً يوم 26 إبريل/نيسان الجاري.
ولم تستثن إجراءات التنكيل أحدا، فلا تقتصر على الأطباء من أصول مهاجرة، إذ علقت محكمة الممارسيين الطبيين في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ترخيص عمل الطبيبة البريطانية ألبرتا كريسلس Alberta Kriesels، استشارية طب الأطفال بمستشفى ويتينغتون الحكومي شمال لندن، لمدة 9 أشهر، على خلفية نشرها لصور مشاركتها في تظاهرة مؤيدة لفلسطين على حسابها بـ "إكس"، ليعتبر القرار أن استمرارها في العمل خلال التحقيق في الشكاوى المقدمة ضدها، قد يثير مخاوف تتعلق بثقة الجمهور في المهنة والمصلحة العامة.
التلاعب بقانون مزاولة المهنة
تترافع المحامية ياسمين علي في قضية الدكتورة ريحانة علي، ومن واقع التجربة دخل إلى يقينها أن مؤسسات هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS) أو المجلس الطبي العام، تعتمد على معيار "اللياقة لمزاولة المهنة" المنصوص عليه في قانون المهن الطبية لعام 1983، إلى جانب دليل "الممارسة الطبية الجيدة"، لتبرير القضايا المرفوعة ضد الأطباء، قائلة لـ"العربي الجديد"، إن البند هذا صمم أساسًا لحماية المرضى وضمان الكفاءة المهنية، لا لمراقبة التعبير السياسي خارج سياق العمل السريري، واستخدامه أداةً تأديبية لردع مواقف سياسية غير مرغوب فيها.
وضع هذا الإطار التنظيمي أساساً لمعالجة القضايا السريرية المرتبطة بسلامة المرضى والمعايير المهنية، لا لمحاسبة الأطباء على آرائهم أو مواقفهم الإنسانية خارج نطاق الممارسة الطبية، واستخدامه في هذا السياق يمثل انحرافاً عن غايته الأصلية وتوظيفاً غير متناسب للأدوات التنظيمية، ما يؤدي عملياً إلى تقييد حرية التعبير وتقويض التنوع الفكري داخل قطاع الصحة، ناهيك عن تعارضه مع قانون حقوق الإنسان البريطاني لعام 1998 الذي يكفل حرية التعبير. و"آراء العاملين الصحيين وإن كانت مناهضة للصهيونية، فهي محمية بموجب قانون حقوق الإنسان، وقانون المساواة البريطاني لعام 2010 الذي يهدف إلى حماية الأفراد من التمييز والتحرش والمظالم في مكان العمل والمجتمع"، تقول القانونية ياسمين.
يستخدم معيار "اللياقة لمزاولة المهنة" للتنكيل بالأطباء
أسفر ما سبق عن شعور 93% من العاملين في مجالات الرعاية الصحية بالمعاناة من قيود واسعة على حرية التعبير عن آرائهم المشروعة بسبب مخاوفهم من التداعيات المهنية السلبية، بحسب نتائج دراسة علمية نشرتها في 22 سبتمبر 2025 الجمعية الطبية الإسلامية البريطانية (BIMA تجمع مهني للعاملين في المجال الصحي).
الدراسة التي شارك فيها 651 من الأطباء والمهنيين الصحيين وطلاب الطب بين 1 نوفمبر و5 ديسمبر 2023، خلصت إلى أن 69% من المشاركين عانوا من تبعات تصاعد الإسلاموفوبيا في بيئة العمل بنسبة 37% ووصل الأمر إلى الإساءة اللفظية والجسدية. بينما عانى 97% من تأثر سلامتهم النفسية سلبًا، ولم يشعر سوى 12% من المشاركين بأن مؤسساتهم قدمت لهم دعمًا مراعيًا للخصوصية الثقافية.
والنتائج السابقة تراها الدكتورة نعومي غرين Naomi Green، مسؤولة السياسات في الجمعية الطبية الإسلامية البريطانية، علامة على الخلط بين انتقاد إسرائيل الذي يندرج ضمن حرية الرأي ومحاولة جماعات الضغط توصيف الأمر باعتباره معاداة للسامية، فيما المسؤولية الأساسية تقع على المجلس الطبي العام المناط به تمثيل جميع الأطباء وحماية حقوقهم وحرياتهم، بينما على أرض الواقع فإن عملية استهداف الأطباء المشار إليهم، لم تكن في نطاق بدء تحقيق لشبهة ارتكاب أعمال غير قانونية، تسيء إلى سمعة المهنة أو لا تخدم المصلحة العامة، وإنما آلية تلاعب بالإطار التنظيمي للمهنة واستخدامه أداة ضغط.
"إنها حملة منسقة، خلقت مناخا من الترهيب داخل المؤسسات الصحية"، كما يصفها الدليل الشامل الموجه للعاملين في القطاع الصحي بالمملكة المتحدة والصادر عن الجمعية الطبية الإسلامية البريطانية أواخر العام الماضي، موثقا إجراءات عقابية تنوعت بين: التمييز المهني، والتعليق عن العمل، وحتى الفصل الفعلي، بالإضافة إلى إجبار الموظفين على إزالة الشارات والرموز التضامنية مع قضية إنسانية وقبلها حذف منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، تحت تهديد الملاحقة التأديبية.
كل ذلك، دفع الجمعية الطبية الإسلامية البريطانية لتوجيه رسائل إلى المجلس الطبي العام، ووزير الصحة البريطاني ويس ستريتنغ، لحثهما على اتخاذ إجراءات بشأن الإسلاموفوبيا، والمخاطر المرتبطة بإدخال تعريف لمعاداة السامية ومعالجة هذه القضايا، حسب الدكتورة سهيرة دار، رئيسة الجمعية، معتبرة أن الدعوة إلى حماية المدنيين والبنية التحتية الطبية، أو معارضة الإبادة الجماعية، يجب ألا تُحرّف وتُعتبر معاداة للسامية. فجميع أشكال التمييز، بما في ذلك معاداة السامية، والإسلاموفوبيا، والعنصرية المعادية للفلسطينيين، هي أمور خاطئة ويجب التصدي لها بشكل متسق وعادل ودون تأثير سياسي، كما تقول لـ"العربي الجديد".
استهداف أبو ستة وحق الرد
بالعودة إلى المجلس الطبي العام للاستفسار عن الإجراءات المتخذة ضد الأطباء المؤيدين لفلسطين، أشار في رده المكتوب المرسل إلى "العربي الجديد" أنه يتخذ قراراته بناءً على وقائع محددة في كل حالة على حدة، إذ يتم إحالة القضايا التي يتقرر قبولها إلى خدمة محكمة الممارسين الطبيين، التي بدورها تعقد جلسات استماع وتتخذ قراراتها بشكل مستقل.
ورغم تأكيد المجلس أنه يحقق فقط في "المخاوف الجدية" التي تشير إلى أن سلامة المرضى قد تكون في خطر أو أن هناك ما يمس بثقة الجمهور في الأطباء، إلا أن هذا الطرح يتناقض مثلا مع ما توصلت إليه أخيرا محكمة الممارسين الطبيين التي قضت ببراءة الدكتورة ريحانة وإعادة تصريح عملها الذي سبق للمجلس الطبي إيقافه. كما أن إجراءات المجلس لم تتوقف عند إحالة القضايا إلى محكمة الممارسين الطبيين، إذ أعلن في يناير الماضي، الطعن أمام المحكمة العليا ضد قرار محكمة الممارسين الطبيين، بتبرئة الطبيب البريطاني من أصل فلسطيني غسان أبو ستة، رئيس جامعة غلاسكو، من تهم سوء السلوك المهني على خلفية نشاطه المناهض لحرب غزة، وإنهاء إجراءات القضية التي بُنيت على شكوى تقدمت بها منظمة "محامون بريطانيون من أجل إسرائيل"، واستمرت على مدى عامين كاملين، بعدما بات المجلس في ظل قيادته الحالية يُستخدم أداةً للقمع السياسي بهدف استغلال العمليات التنظيمية لترهيب من يناهضون الظلم في فلسطين وإسكاتهم وإرهاقهم، بحسب إفادة أبو ستة.
يؤكد ما سبق أن قرار المحكمة الذي حصل "العربي الجديد" على نسخة منه، خلص إلى أن الوقائع التي اتهم بها أبو ستة لم تثبت، ولم تجد المحكمة أي دليل على دعم العنف أو الإرهاب أو معاداة السامية تضمنه مقال نشره في صحيفة "الأخبار اللبنانية" قبل أن يعيد نشره على منصة "إكس" واستندت إليه منظمة محامون بريطانيون من أجل إسرائيل والمجلس الطبي العام في الدعوى المقامة ضده.
"لذلك ما جرى غير مبرر تماما"، وفق تقييم المحامي البريطاني طياب علي، رئيس قسم القانون الدولي في شركة المحاماة "بيندمانز"، التي ترافعت في قضية أبو ستة، قائلا لـ"العربي الجديد": "الدعوى لم يكن ينبغي أن تصل إلى محكمة لم تجد فيها أي دليل على سوء السلوك"، خاصة أنه لا يوجد على الإطلاق ما يدعم الادعاءات الخطيرة الموجهة ضد أبو ستة من قبل جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في حملة منسقة من المضايقات، بما في ذلك التقدم بشكاوى إلى الشرطة، وإطلاق حملات كاذبة بأنه طبيب غير مؤهل، فضلا عن تقييد حرية حركته من خلال محاولات حظر السفر، ناهيك عن إساءة استخدام الإجراءات التنظيمية والقانونية، للإضرار بسمعة طبيب تميزت مسيرته المهنية بخدمة الآخرين والدفاع عن مجتمعه.