ضحايا التزييف العميق... تقنيات تشوه سمعة المصريات وتضيع حقوقهن

15 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 19:16 (توقيت القدس)
يصعب التفريق بين الصور الحقيقية والمفبركة بتقنية التزييف العميق (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه المحامية هالة دومة تحديات كبيرة في قضايا العنف الرقمي ضد النساء، مع انتشار تقنيات التزييف العميق التي تعقد اكتشاف الحقيقة وحماية الضحايا، حيث تتجاهل جهات إنفاذ القانون الأدلة الرقمية.

- تجسد قصة ليلى علي معاناة النساء من التزييف العميق، حيث تعرضت للابتزاز رغم حصولها على حكم غيابي ضد المتهم، مما يبرز الفجوة القانونية في التعامل مع هذه الجرائم.

- تقنيات التزييف العميق أصبحت شائعة في مصر، مما يثير قلقًا حول الأمن والخصوصية، وتأخر تعديل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات يفاقم معاناة الضحايا.

"هل أهلي هيعرفوا؟"، هذا هو السؤال الأبرز الذي تواجهه المحامية المصرية هالة دومة، مديرة مراكز المساندة في مؤسسة المرأة الجديدة (أهلية حقوقية)، في كل مرة تتقدم ببلاغ في قضايا العنف الرقمي ضد النساء وبخاصة الابتزاز الإلكتروني، حتى لو كان ما تم بحق الضحية نجم عن صور وفيديوهات مزيفة، لتجد نفسها أمام معضلة متكررة في حماية سمعة المجني عليها أو التراجع عن الدعوى.

ولم يتوقف الخطر عند هذا الحد، فمع دخول تقنيات التزييف العميق إلى المشهد، بات رعب الضحايا مضاعفاً في ظل صعوبة اكتشاف الحقيقة، والمعضلة الأكبر تتعلق بكيفية التعامل مع الأدلة الرقمية التي جعلت اللجوء إلى العدالة رحلة مرهقة ومخيفة في ظل عدم اهتمام جهات إنفاذ القانون بهذه الأدوات، وحتى قد لا ترسل الصور والرسائل إلى الفحص الفني، وربما حتى يتأملها متلقي البلاغ بدافع الفضول، ثم يتيه ملف القضية بين مكاتب عدة قبل وصوله إلى النيابة بحسب ما تكرر أمام عينيها.

تجسد قصة العشرينية ليلى علي (اسم مستعار حفاظاً على خصوصيتها) ما روته دومة، فبعدما رفضت شاباً تقدم لخطبتها، لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد، بل سرعان ما بدأ يهددها بقوله "هسوّء سمعتك لو موافقتيش"، ولم يمض وقت طويل حتى حلّت الصدمة حين دخل عليها شقيقها يحمل هاتفه ويطالعه دون أن يقوى على الكلام، فقد كانت على شاشته صور إباحية لها مفبركة بدقة، أرسلها له الشاب ذاته مصحوبة بشتائم وتشكيك في سمعتها، فكان أن انقلبت حياتها رأساً على عقب.

ضحية صور مزيفة تروي قصتها

بشجاعة لا تتوفر للكثيرات، أصرت علي على مواجهة المبتز عبر القانون رغم اعتراض أسرتها، وخاضت رحلة شاقة بدأت في 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2022 وانتهت بحكم غيابي ضد المتهم في 19 مارس/ آذار 2024، يتضمن الحبس لمدة سنة مع الشغل وتغريمه 50 ألف جنيه (1040 دولاراً أميركياً)، بحسب ملف القضية (583 لعام 2024 جنح اقتصادية القاهرة)، التي اطلع عليها "العربي الجديد".

لكن حتى اليوم، لم يُقبض على الجاني بسبب هروبه من محل إقامته، لتبقى مخاوفها من احتمال تسريب الصور المفبركة على مواقع التواصل الاجتماعي قائمة. والمؤسف تكرار النموذج هذا في ظل فجوة قانونية كبيرة تجاه جرائم التزييف العميق، تقول دومة، والدليل على أن القوانين الحالية لا تردع الجناة بما يكفي، هو أن عدد الحالات المسجلة لدى مؤسسة المرأة الجديدة بلغ في العام الماضي 170 ضحية ابتزاز إلكتروني، 40% من بينها اعتمد الجناة فيها على برامج وأدوات التزييف العميق لتخليق الصور ومقاطع الفيديو المشوهة لهم.

 

صناعة الواقع المزيف

يصعب التفريق بين الصور المفبركة عبر تقنيات التزييف العميق باحترافية عالية وبين تلك الحقيقية بالعين المجردة، بحسب إفادة المهندس محمد سليمان، الذي يحمل درجة الماجستير في التسويق الرقمي القائم على توظيف أدوات الذكاء الصناعي (Digital Marketing & AI Tools)، ويعرف هذه التقنيات بأنها أدوات ذكاء صناعي متطورة قادرة على صناعة واقع مزيف، فتجعل شخصاً يبدو وكأنه قال أو فعل شيئاً لم يحدث أبداً، والأخطر أنها سهلة الوصول وبعضها برامج ومواقع وأدوات مجانية، كما توجد أخرى مدفوعة تعتمد على الذكاء الصناعي، وهي رائجة محلياً، وفق سليمان، وما يثبت هذا الانتشار أن استخدام تلك التقنيات في مصر جعلها في المرتبة 52 عالمياً والثالثة عربياً وفقاً لمؤشر الذكاء الصناعي العالمي (Global AI Index)، بحسب معلومات رسمية نشرت على موقع الهيئة العامة للاستعلامات (حكومية) في ديسمبر/ كانون الأول 2024.

مصر في المرتبة الثالثة عربياً لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي

التقنيات هذه أصبحت تثير قلقاً متزايداً حول الأمن والخصوصية، بعدما استغلها مجرمو الإنترنت في الابتزاز والتشهير ونشر المعلومات المضللة، وهي ممارسات يصفها المحامي مصطفى عبد المولى، أمين لجنة الحقوق والحريات بالحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي (يساري) في محافظة الجيزة، من واقع عمله ورصده، بأنها "شائعة" في مصر، رغم غياب الإحصائيات الرسمية، لكن غالبية الضحايا الذين يتعرضون لابتزاز بصور مفبركة لا يلجأون للقضاء، وفي حال تقدمت الضحية ببلاغ، فتأخذ بنصيحة دارجة بين المحامين مفادها عدم ذكر التزييف العميق وتقديم الشكوى باعتبار أنها ابتزاز فقط بصور إباحية، والدافع وراء ذلك أن يختصر المحامي على نفسه وقتاً طويلاً جداً، ففي حال قدم البلاغ على أساس أنه تزييف صور سيتطلب الأمر فحصاً فنياً يلتهم وقتاً طويلاً، "وبكل الأحوال سيكيف القاضي القضية على أساس أنها ابتزاز رقمي أو تهديد ويقضي بالعقوبة التي يقرها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، والذي لم يطرأ عليه أي تعديل منذ سبعة أعوام ولا يتضمن بنوداً تنص على تجريم فبركة الصور ومقاطع الفيديو باستخدام أدوات الذكاء الصناعي"، ومن أجل هذا، يرى عبد المولى، كغيره من زملاء مهنته، أنه "ليس من الحكمة تضييع وقت طويل في محاولة إثبات التزييف طالما أن القانون لا يدعم ذلك"، ولا يوجد قسم مُختص بوزارة العدل لكشف التزييف العميق والتعامل مع هذه الحالات، وبما أن أعداداً قليلة من المتضررين يلاحقون الجناة، لا يشكل ذلك دافعاً كبيراً للوزارة حتى تغيّر عقيدتها وتنشئ قسماً لهذا التخصص في مكتب الخبراء التابع لها.

الصورة
تليغرام (العربي الجديد)
بوتات على "تليغرام" قادرة على خلق صورة مزيفة بمالغ زهيدة (رصد فريق تحقيقات العربي الجديد)

وتوصلت لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب من خلال دراسة أعدتها بمناسبة مناقشة تعديل قانون مكافحة جرائم المعلومات، إلى أن شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول من عام 2018 وحدهما شهدا تقديم أكثر من ألف بلاغ غالبيتها قضايا ابتزاز إلكتروني، وكانت تلك أرقام تدق ناقوس الخطر، وتزداد خطورة الظاهرة مع بقاء العديد من حالات الابتزاز الجنسي في الظل، إذ تتردد الضحايا عن الإبلاغ خوفًا من الوصمة أو المساس بسمعتهن، ما يجعلهن عرضة لاستمرار الاستغلال وربما الاعتداء الجسدي، بحسب ما يؤكد النائب أحمد بدوي، رئيس لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، ورغم مرور 7 سنوات على تلك المؤشرات المقلقة، لم تُتخذ أي خطوات عملية لضبط الظاهرة، إذ يقر بدوي أن اللجنة ما زالت بانتظار إقرار الحكومة للتعديلات المطلوبة على قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وهو تأخُر يعرقل الرقابة ويترك فراغا قانونيا يضاعف معاناة الضحايا.
 

 

"بوتات" تهدد حياة الفتيات

"الأمر أشبه بسوبرماركت كبير، لا يمكن حصر عدد الحالات التي مرت عليّ خلال عام واحد"، يقول المهندس أحمد طارق، المتخصص في أمن المعلومات ويعمل خبيراً فنياً تستعين به المحاكم والقطاع الخاص، مشيراً إلى الطوفان المتزايد من قضايا التزييف العميق التي يتعامل معها، ومعظمها، كما يوضح، يرتبط بأولياء أمور يبحثون عن الحقيقة وراء صور مفبركة لبناتهم، فيما يروي أنه نفسه وقع ضحية لتزييف صوته في مقطع دعائي لتطبيقات المراهنات، قبل أن ينجح في إغلاقه، إذ يتجاوز خطر هذه التقنيات الصور إلى نسخ الأصوات بدقة من مقاطع قصيرة، ما يجعلها أداة مثالية لعمليات نصب وابتزاز بمبالغ ضخمة.

بوتات على "تليغرام" تنتج صوراً إباحية مجاناً أو بمبلغ زهيد

بينما لا تزال حالات الابتزاز الأكثر قسوة ترتبط بصور إباحية مزيفة لضحايا "على نياتهم"، بعضهم لم يحتمل الصدمة فانتهى الأمر بانهيارات نفسية أو انتحار بحسب طارق، وهو ما يوثقه التحقيق، عبر حالتي فتاتين قاصرتين وهما بسنت خالد من محافظة الغربية وهايدي شحتة من محافظة الشرقية، واللتان واجهتا ابتزازاً بصور إباحية مفبركة ولم تحتملا الصدمة، وأنهت كل منهن حياتها بأقراص سامة.

وتتجسد الكارثة بشكل أوسع في انتشار بوتات على "تليغرام" قادرة على خلق صورة مزيفة تقوم على تجريد الملابس من الأصلية وتحويلها إلى نسخة عارية خلال ثوان، بعضها مقابل دولار واحد فقط، والبوت Bot هذا، كما يقول مهندس البرمجيات علاء السيد (يعمل بشكل حر في تطوير المواقع الإلكترونية)، يقوم على إنتاج نسخة مزيفة للجسم العاري، بعد قيامه بتحليل لون البشرة ومقاسات الجسم، والتفاصيل الأخرى وبالتالي صورة شبه حقيقية، وهذا ما يفسر وجود آلاف الصور لفتيات مصريات جُمعت من حساباتهن الشخصية وأصبحت متداولة في مجموعات مغلقة ولا يوجد أحد لديه القدرة على حذفها، ورغم أن تقارير دولية، بينها: "بوتات التزييف العميق على تليغرام"، الصادر عن شركة Sensity الهولندية (متخصصة في مكافحة التزييف)، في أكتوبر عام 2020، دقت ناقوس الخطر بعد رصد مئة ألف صورة مفبركة، فإن نشاط البوتات هذه ما زال قائماً ويتفاقم كل يوم.

ولإثبات أن هذه الأدوات ليست حكراً على خبراء التقنية، خاض معد التحقيق تجربة عملية عبر بوتات على "تليغرام"، والتي حولت صورة عادية في ثوانٍ إلى نسخة إباحية مزيفة، ورغم أن البوت يضع علامته المائية على الصور ولكن في حالة دفع دولار ونصف فقط يعطي المستخدم ميزة حذفها عن 100 صورة إباحية يمكن تركيبها.

قنيات التزييف العميق

حق ضائع

"يا ريتني سمعت كلام المبتز وعملت اللي هو عاوزه كان زماني على الأقل مش مفضوحة"، هذه كلمات واحدة من الضحايا العالقة بذهن المحامية دومة لفتاة في منتصف العشرينيات، قضيتها على مشارف السنة الثالثة دون صدور حكم بحق شخص فبرك صوراً جنسية لها وهددها بنشرها إن لم تستجب لرغباته، فرفضت وقدمت بلاغاً، لكن مسار العدالة طال دون حسم، بينما علقت الفتاة في وصمة اجتماعية قاسية. ومن بين 60 قضية مشابهة تولتها دومة خلال عام ونصف، لم تصدر سوى ثلاثة أحكام غيابية لا تُنفذ لغياب الجاني أو لانشغال الأقسام بقضايا أخرى تراها "أولوية".

وهذا حال الثلاثينية سمية سمير، اسم مستعار لشابة من إحدى قرى مركز الصف بمحافظة الجيزة، التي تحولت حياتها إلى كابوس بسبب رسالة عبر تطبيق "واتس أب"، فقد فوجئت بشخص يرسل لها صورا إباحية لنساء، مرفقة بألفاظ جنسية فجة، مهددا بتركيب صور مشابهة لها ونشرها في أنحاء القرية إن لم تلبّ طلبه بزيارته في منزله بحي حلمية الزيتون بالقاهرة.

ولم يكتفِ المبتز بالتهديد، بل بعث إليها صورا بجسد عارٍ بدت حقيقية تماما، مؤكّدا أن ما وصل إليها "مجرد عينة بسيطة مما يستطيع فعله"، وأن رفضها سيقابَل بفضيحة علنية، عندها شعرت سمية وكأن روحها تغادر جسدها،  فلجأت إلى صديقة مقربة نصحتها بألا تنصاع للتهديد وأن تسارع بتقديم بلاغ رسمي حتى لا يتمادى الجاني، وبالفعل، تقدمت ببلاغ رسمي في 22 سبتمبر 2022، غير أنها شعرت بالخذلان منذ اللحظة الأولى حين بادرها محرر المحضر بأسئلة تحمل في طياتها لوما: "هل يعرف أهلك بهذا البلاغ؟ وما هي صلتك بهذا الشخص؟"، وبعد ثلاثة أيام فقط، وصل خبر البلاغ إلى ابن عمها الذي سرعان ما نقل التفاصيل إلى أسرتها، فتعرضت للتعنيف والحبس داخل المنزل، ومع الوقت، اقتنع والدها بضرورة مواصلة الإجراءات القضائية لأخذ حق ابنته، لكن رحلة العدالة كانت طويلة ومرهقة، إذ استمرت القضية عامًا وثمانية أشهر، انتهت بحكم قضائي ببراءة المتهم. فقد ورد في ملف القضية رقم 1789 لعام 2024 أن شركة الاتصالات المعنية أفادت بإلغاء الرقم المستخدم في إرسال الصور قبل الفترة الزمنية التي طلبت المحكمة الاستعلام عنها، وهو ما أسقط الدليل الرئيس وأدى إلى إفلات المتهم من العقاب.
 

رحلة شاقة إلى العدالة وحقوق ضائعة

وتفسر دومة لماذا تكون رحلة البلاغ شاقة ومعقدة، إذ كان يبدأ سابقاً من مباحث الإنترنت التابعة للإدارة العامة لتكنولوجيا المعلومات بالعباسية شرق القاهرة، ثم يستغرق تحويل البلاغ إلى القسم المعني ما بين 15 و21 يوما قبل وصوله إلى النيابة، لكن حاليا فإن الإجراء المتبع هو تقديم البلاغ في أقرب قسم بمنطقة السكن، وهذا بات سبباً إضافياً يمنع الضحايا من الإبلاغ، لما قد يواجهنه من تسريب لقضاياهن خاصة في الأقاليم حيث يعرف الجميع بعضهم بعضاً، وما يضاعف الألم كون الفتاة قد يطلب منها تكرار قصتها أكثر من مرة وسط همز ولمز كل من يسمتع إليها. أما المعضلة الأبرز فهي أن النيابة كثيراً ما تحفظ البلاغات بحجة أنها "محاضر فاضية"، لغياب تقرير الفحص الفني الذي يمكن فقط من خلاله إثبات التزييف، وفي الواقع، لا يُطلب هذا الفحص إلا في 10% من القضايا، بينما يكتفي معظم المحققين، كما يقول عبد المولى، بالتحريات الفنية التي لا تكفي لإدانة الجناة.

من يقف وراء التزييف؟

تكشف المحامية دومة، استنادا إلى القضايا التي تولتها واطلعت عليها، أن المعتدين غالبا هم شركاء سابقون، وفي حالات أخرى غرباء يتسللون لحياة الضحية بدافع الشهوة أو الطمع، فيساومونها على المال أو الجسد.

وتشير نتائج استبيان شمل 3176 شخصا، 90% منهم إناث، أجري ضمن دراسة بعنوان: واقع جرائم التنمر والابتزاز الإلكتروني في مصر، أعدتها مبادرة "اتكلمي" (نسوية مصرية، تأسست في يوليو 2020، ضد التحرش الجنسي والعنف)، إلى أن 47% من المبتزين طلبوا مقابلا جنسيا، و19% ماديا، فيما طلب 34% مقابلا جنسيا وماديا معا، وهذا يكشف عن سوق مظلمة يقف خلفها جناة متعددون وغايات مختلفة، ولم يتقدم سوى 10% من الضحايا المشاركين في الاستبيان ببلاغ للجهات المختصة، وكانت نسبة حفظ البلاغ بدون إجراء 41%.

ويضيف المهندس أحمد طارق بُعدا آخر للصورة، عن شبكات منظمة من الرجال تنتج مقاطع إباحية مفبركة لفتيات، ثم توظفها في محادثات فيديو صامتة لإيهام الضحايا بأنهم أمام مشاهد حقيقية، فيندفع البعض للكشف عن أنفسهم أمام الكاميرا، قبل أن يجدوا أنفسهم أسرى ابتزاز مالي قاسٍ. علاوة على توظيف هذه الأدوات في إنتاج محتوى إباحي للانتقام الشخصي، كما في حالة العشرينية هبة صالح (اسم مستعار حفاظا على خصوصيتها)، التي تلقت في فبراير/شباط عام 2023 صدمة غير متوقعة حين ظهر رابط على "إنستغرام" يتضمن صورًا شخصية لها جرى تركيبها على مقطع فيديو راقص بملابس غير محتمشة، الصور كانت قد التقطت لها قبل عام في منزل إحدى صديقاتها، ثم استُخدمت لاحقا لتزييف محتوى يسيء إليها، حين دخلت هبة في خلاف مع زميلة سابقة في الجامعة، اتهمتها بأنها "خَطفت" منها شخصًا كانت معجبة به، وهددتها بأنها ستعمل على فضحها، وبعد التهديد بأسابيع، ظهر المحتوى المفبرك وانتشر.

هبة سارعت إلى تحرير محضر بالواقعة، وبينت التحقيقات أن الحساب الذي نشر الصور والفيديو مرتبط بخدمة إنترنت مسجلة باسم شخص يُدعى شريف، أكد بدوره أن المتهمة استأجرت شقته وكانت تستخدم الإنترنت الخاص به، ورغم ذلك، انتهت القضية إلى تبرئة صديقة هبة، في مايو/أيار 2024 لغياب "الدليل الفني"، إذ لم يُعتد بشهادة صاحب الشقة ولا ببيانات بروتوكول الإنترنت (IP) باعتبارها غير كافية للإدانة. المأساة لم تتوقف عند هذا الحد، إذ سرعان ما ظهر مقطع آخر للفتاة نفسها على أحد مجموعات تطبيق "تليغرام"، ولم تتمكن حتى اليوم من حذفه.

وبحسب المحامي عبد المولى الذى تولى القضية، فإنها كشفت ثغرة قانونية في التعامل مع هذا النوع من الجرائم، حيث لم يُستعن بخبير فني للتأكد من تزييف الصور والفيديوهات، واكتفت مباحث الإنترنت بتحديد عنوان الـIP الخاص بالمرسل، لكنها لم تحسم مسألة فبركة المحتوى، وكثيرا ما يستخدم المبتز شبكة VBN عندما يتواصل مع الضحية فالنتيجة تأتي من مباحث الإنترنت بفشل التوصّل للمرسل لأن الـ IP يظهر أنه يرسل من دولة خارج مصر فتنتهي القضية هنا ومعها سمعة الضحية التي تظل الألسن تلوكها وتصمها بكل نقيصة.