وسط القاهرة ينبض بالفن من جديد

24 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 09:18 (توقيت القدس)
من عروض مهرجان دي كاف (المكتب الإعلامي)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- مبنى الشوربجي وتاريخه الثقافي: شُيّد بين 1910 و1912 في وسط القاهرة، بتصميم المعماري البريطاني روبرت ويليامز، ويتميز بواجهاته القوطية. لعب دورًا ثقافيًا بارزًا ويستمر كمقر للعروض الفنية المعاصرة.

- مهرجانات الفنون المعاصرة في وسط القاهرة: يشهد وسط القاهرة مهرجاني "دي كاف" و"حي القاهرة للفنون"، مما يعكس حيوية المشهد الثقافي. يركز "دي كاف" على الفنون المعاصرة، بينما يركز "حي القاهرة" على الفنون الحيّة والتجريبية.

- التحديات والفرص في المشهد الفني: يطرح وجود المهرجانين تساؤلات حول التنسيق، لكنهما يقدمان تفاعلات فنية وإنسانية، مما يعزز التعاون المستقبلي وتكامل التجارب.

شُيّد مبنى الشوربجي في وسط القاهرة بين عامي 1910 و1912 على يد تجار ويلزيين، وصمّمه المعماري البريطاني روبرت ويليامز. تقع البناية عند تقاطع شوارع عدلي ومحمد فريد وعبد الخالق ثروت، وتكشف واجهاتها المبنية من الطوب الأحمر وأقواسها القوطية عن الطابع الكوزموبوليتاني للقاهرة في مطلع القرن العشرين. احتضن المبنى عبر تاريخه مؤسسات ثقافية وفنية بارزة، ويواصل اليوم دوره بوصفه أحد أهم مقرات العروض الفنية المعاصرة في المدينة.

من هذا الفضاء التاريخي الذي يختزن ذاكرة القاهرة، تُبعث الحياة من جديد إلى وسط المدينة بوصفها ساحة مفتوحة للفنون المعاصرة. فخلال هذا الشهر، تحوّلت المنطقة إلى مسرح مفتوح للعروض والأداءات، مع تزامن فعاليات مهرجانين كبيرين يلتقيان في المكان والزمان والاهتمام تقريباً، هما "مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة – دي كاف" و"مهرجان حي القاهرة للفنون". هذا التوازي اللافت يراه البعض مؤشراً على حيوية المشهد الثقافي المستقل في العاصمة المصرية، وعلى تنامي الحاجة إلى استعادة مركز المدينة فضاءً للفعل الفني العام.

منذ انطلاقه عام 2012، رسّخ مهرجان "دي كاف" حضوره بكونه إحدى أبرز المنصات الداعمة للفنون المعاصرة في مصر والعالم العربي. وعلى مدار أكثر من عقد، قدّم المهرجان عروضاً في المسرح والرقص المعاصر والفيديو آرت والموسيقى والتجارب متعددة الوسائط، ساعياً إلى مدّ الجسور بين الفنون والجمهور في قلب المدينة. أما "حي القاهرة للفنون"، الذي تأسس عام 2015، فيتخذ منحى أقرب إلى الفنون الحيّة والتجريبية، مع تركيز أكبر على التفاعل المباشر مع الجمهور والفضاء العام، متميزاً بانحيازه إلى الفنانين الشباب والمبادرات المحلية، مقابل الطابع الدولي والمؤسسي الذي يطبع "دي كاف".

ورغم اختلاف المقاربة الفنية بين المهرجانين، فإن كليهما يشترك في هدف جوهري: إعادة وصل ما انقطع بين الفنون والجمهور، وإحياء الذاكرة الثقافية لمنطقة وسط البلد بوصفها فضاءً حيوياً للتجريب والتنوّع. ففي الحالتين، نجد حضوراً لافتاً للفنون الأدائية المعاصرة، وتجارب الموسيقى المستقلة، والعروض التي تتحدى القوالب التقليدية للمسرح والرقص. لكن وجود مهرجانين بهذا الحجم وبهذا التقارب الجغرافي والزماني يطرح سؤالاً: هل يمثّل هذا التوازي إثراءً للمشهد الفني أم تكراراً؟

من زاوية أولى، يمكن النظر إلى المشهد بوصفه ظاهرة إيجابية تعبّر عن حيوية المدينة وقدرتها على احتضان تجارب متعددة دون تنافس مباشر. فكل مهرجان يستقطب جمهوراً مختلفاً نسبياً، ويقدّم مقاربة خاصة للفن المعاصر. كما يشير هذا الازدهار إلى عودة وسط البلد مركزا للفعل الثقافي، بعد سنوات من هيمنة الفضاءات المغلقة والمهرجانات الرسمية. لكن على الجانب الآخر، يرى بعض المراقبين أن غياب التنسيق المؤسسي بين المهرجانين قد يجعل من الصعب على الجمهور أو الصحافة المتخصصة تتبّع الفوارق البرمجية بينهما، وأن تكرار الفئات الفنية نفسها، مثل الرقص المعاصر والموسيقى البديلة والعروض الأدائية، قد يخلق نوعاً من التكرار داخل مساحة جغرافية محدودة. ويحذّر هؤلاء من أن تتحوّل هذه التظاهرات إلى فعاليات متشابهة في الشكل والمضمون، إذا ظلت معزولة عن القضايا الأوسع للمشهد الثقافي المصري.

ومع ذلك، تبقى القيمة الحقيقية لهذه التظاهرات في ما تخلقه من شبكة تفاعلات إنسانية وفنية داخل المدينة. فالتحوّلات التي شهدتها منطقة وسط القاهرة خلال العقود الأخيرة، من مشاريع الترميم العمراني إلى تغيّر طبيعة السكان والأنشطة، جعلت من الفن وسيلة لإعادة تعريف العلاقة بين الناس والمكان. هنا تبرز أهمية كل من "دي كاف" و"حي القاهرة للفنون"، لأنهما يقدّمان نموذجاً للفن بما هو أداة للتواصل الاجتماعي، لا عرض جمالي معزول عن الحياة.

اللافت أيضاً أن المهرجانين يستفيدان من العمارة التاريخية للمباني ومن الطابع الخاص لشوارع وسط البلد. فالعروض التي تُقام في مبنى الشوربجي، أو في "تاون هاوس غاليري"، أو على شرفات البنايات القديمة الأخرى، تفتح حواراً بين التراث المادي والحداثة الفنية، وتعيد الحياة إلى مساحات كانت قد فقدت طابعها الثقافي لسنوات. ومن زاوية أخرى، يمكن اعتبار وجود هذين المهرجانين مؤشراً على تطور الوعي المؤسسي بدور الفنون المعاصرة في تشكيل المجال العام. فبينما يواصل "دي كاف" جذب الرعاة والداعمين الدوليين، يسعى "حي" إلى بناء نموذج تمويل مجتمعي يضمن استدامة المبادرات الصغيرة.

هذا التباين في البنية والدينامية يمنح المشهد توازناً صحياً بين الاحتراف والروح المستقلة. فالتنوع في المبادرات لا يعني بالضرورة التكرار، بل يمكن أن يكون مدخلاً لتكامل التجارب وتبادل الخبرات. وربما تكمن الخطوة المقبلة في تعزيز التعاون بين المهرجانين، سواء من خلال برمجة مشتركة أو منصات حوار حول مستقبل الفنون الحيّة في المدينة. عندها فقط يمكن القول إن وسط القاهرة لم يعد مجرد فضاء جغرافي للعروض، بل مختبر مفتوح لتجريب أشكال جديدة من الحياة الثقافية.

المساهمون