محمد بكري في جنين مجدّداً: استعادة لقطات سابقة وسرد حكاية راهن

28 مايو 2025   |  آخر تحديث: 10:00 (توقيت القدس)
مخيم جنين (22/ 4/ 2002): جُرم إسرائيلي مستمرّ إلى الآن (لِفْتِريس بيتاراكيس ـ بوول/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- محمد بكري، المخرج الفلسطيني، يواصل توثيق الجرائم الإسرائيلية في مخيم جنين من خلال أفلامه الوثائقية، مثل "جِنين... جِنين" (2002) و"جَنين... جِنين" (2024)، التي تسلط الضوء على معاناة الفلسطينيين ومقاومتهم.
- الفيلم الجديد "جَنين... جِنين" يستعيد لقطات من الفيلم السابق ويضيف لقاءات جديدة، موثقاً التغيرات في المخيم بعد 22 عاماً، مع التركيز على الملاحقات القضائية التي واجهها بكري.
- يعرض الفيلم قصص الحياة اليومية في المخيم، مع التركيز على معاناة الأطفال النفسية وصمود الكبار، ويختتم بمشاهد تعكس الأمل والمقاومة.

 

الفلسطيني محمد بكري غير مكتفٍ بفيلمٍ واحد عن جُرمٍ إسرائيلي، يرتكبه جنود "أقوى جيش في العالم" في مخيم جنين مراراً. يُثابر على توثيق يوميات المواجهة الفلسطينية للجُرم، فيُصبح التوثيق شهادة بصرية، تعكس الفعل الجُرميّ الحاصل، برواية أناسٍ يتعرّضون له، ويُقاومون مرتكبيه، ويعيشون آثاره. فالمخيم، المُقام عام 1953 في الجانب الغربي لمدينة جنين (ثاني أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية بعد مخيم بلاطة)، يعاني وحشية إسرائيلية متكرّرة (كالمخيمات الأخرى، وكالبلدات والمدن الفلسطينية أيضاً)، يُقرّ جنودٌ يمارسونها بأنّ هدفها الأساسيّ (الوحشية) قتل المدنيين في المخيم، لأنّهم/أنهنّ يحمون "الإرهابيين"، ويؤمّنون لهم ملاذاً فيه مأكل ومشرب وشيءٍ من راحة، كما يقول جنديّ لفلسطينيّ.

بكري (البعنة في الجليل، 1953)، الملتزم توثيق الجُرم ذاك بما يمتلكه من أدوات فنية وتقنية متواضعة، يُلاحق جُرم فاعل يشنّ (فاعل الجُرم) حملة عليه، وعلى أول وثيقة بصرية مهمّة يُنجزها الممثل والمخرج الفلسطيني، مُسمّياً إياها "جِنين... جِنين" (2002، 54 دقيقة). فإذا باللاحق على بدء عروض الوثائقي هذا يصنع حكاية المُقابِل السينمائي للجُرم الوحشي، ويؤكّد مدى عنفه، قتلاً مباشراً، ومطاردة قضائية، وافتراءً يرتكز على كذبٍ وخديعة وتزوير. هذا ظاهرٌ، مجدّداً، في "جَنين... جِنين" (2024، 60 دقيقة)، الذي يستعيد فيه بكري لقطات عدّة من فيلمه السابق، مُضيفاً إليها لقاءات مع أناسٍ يلتقي بعضهم/بعضهنّ سابقاً، لرواية مآل المخيم بعد 22 عاماً، علماً أنّ الجديد مُصوّر في أسابيع قليلة لاحقة على "طوفان الأقصى" (7 أكتوبر/تشرين الأول 2023).

استعادة مسألة قديمة، مُنجزٌ عنها فيلمٌ، لتحقيق وثائقي آخر عنها بعد زمن، أمرٌ حاضرٌ في صناعة السينما الوثائقية، وإنْ قليلاً. العودة إلى مخيم جنين منبثقةٌ من حالتين:

أولى ذاتية، كما يُستشفّ من سرد الحكاية في الفيلم الأخير، فإضافة إلى أن بكري "متورّط"، أخلاقياً وإنسانياً على الأقل، في التزامه المخيم وناسه، ما يدفعه إلى "زيارة" ثانية لتبيان مسارٍ تاريخي مليء بالبطش الإسرائيلي والمواجهة الفلسطينية، هناك رغبةٌ في توثيق الحاصل معه بعد الفيلم، إذْ يُخصّص مدّة طويلة نسبياً لسرد وقائع ما بعد "جِنين.. جِنين".

 

 

وثانية عامة، فالمخيم نفسه يتعرّض، مراراً، لأعمال عسكرية إسرائيلية، كأنّ إسرائيل، بهذه الأعمال، تريد "إفهام" فلسطينييّ مخيم جنين وفلسطينياته بأنّها (إسرائيل) متحكّمة بهم/بهنّ، وبحيواتٍ الجميع ويومياتهم ومستقبلهم، كما يقول أحمد طوباسي في "جَنين.. جِنين" بسلاسة وعمق وحماسة، وبنبرة وحركة يدين، واقفاً تلتقط الكاميرا غالباً نصفه الأعلى، يشيان بحيوية وواقعية.

مقدّمة "جَنين.. جِنين" معنيةٌ باستعادة الحاصل منذ الانتهاء من إنجاز "جِنين.. جِنين": لقطات من الفيلم السابق، وسردٌ بصوت محمد بكري لردّ الفعل الإسرائيلي إزاءه، والجهد الإسرائيلي الكبير لمنع عروضه، وللقضاء على نسخه كلّها. محكمة تواجه أخرى، وهذه سابقةٍ قضائية. جنود "يتأذّون" من "التشهير" بهم، وضابط يقول إنّه غير مُشاهد الفيلم، ومع هذا يتقدّم بدعوى قضائية متّهماً إياه بـ"القذف والتشهير".

المقدمة طويلة، ولعلّ بكري يريدها شهادة موثّقة للحاصل بعد الفيلم. أمّا "جَنين.. جِنين"، فمبنيّ على لقاءات مع أناسٍ عديدين، بعضهم/بعضهنّ ظاهر في الفيلم السابق. حكايات عن يوميات قهرٍ وقتل وحصار، وعن مواجهات غير منتهية. انفعالٌ يكشف وقائع، وفي الوقت نفسه يُردّد كلاماً عن البقاء والأرض والتصدّي. دمعٌ قليل، وألمٌ كبير، وهناك من يُغادر إلى الإمارات، من دون أنْ يُغادر خطابيّة المواجهة.

مسألة أخرى: في مرويات أناسٍ عديدين، كلامٌ عن خوفٍ ينتاب أطفالاً من واقعٍ ثقيل يعانون آثاره الضاغطة، جرّاء الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة. كلامٌ يُقال بعفوية وسلاسة وشفافية، لكنّه يكشف خراباً نفسياً، يُفترض به ألّا يغيب عن اهتمامٍ ومتابعة، رغم الاعتداءات تلك. كبارٌ لا يهابون قاتلاً، وصغارٌ يخشونه. هذا غير حاضرٍ في صُور وتقارير وتسجيلات إعلامية مُصوّرة، تنقل بعض الحاصل في بقاعٍ فلسطينية مختلفة، فالمعتاد كامنٌ في توثيق "نضالات" أطفالٍ يرمون حجراً، ويواجهون دبابة، ويرفعون شارة نصر أمام جنود يقتحمون منزلاً، ويُنشدون أغنيات حماسية تمتلئ بمفرداتٍ متداولة عن انتصار ومقاومة وحقّ في العيش والحرية والكرامة.

كلامٌ كهذا يمرّ في سياق سردٍ متكامل، من دون تعليقٍ أو تركيز أكبر عليه. لكنّ بكري، قبيل نهاية "جَنين.. جِنين"، يُصوّر أطفالاً/مراهقين ومراهقات يُنشدون أغنية "نضالية"، ويرفعون شارة النصر، ويبتسمون أمام الكاميرا. أهناك رابطٌ بين ما يُقال وما يُصوَّر؟ أيكون المُصوَّر ردّاً على ما يُقال؟

"جَنين.. جِنين" شهادة إضافية توثِّق جُرماً إسرائيلياً، بعينَي ممثل/مخرج فلسطيني. هذا كافٍ.