اتُّهمت شركة ميتا ومنصة يوتيوب، المملوكة لـ"غوغل"، الاثنين، بدفع تطبيقات شديدة الإدمان إلى الأطفال، مع انطلاق محاكمة تُوصَف بأنها مفصلية في ملفّ وسائل التواصل الاجتماعي داخل محكمة في ولاية كاليفورنيا.
المحاكمة الضخمة، التي تُعقَد أمام هيئة محلّفين في لوس أنجليس، قد تُرسّخ سابقةً قانونيةً حول ما إذا كانت هذه المنصّات العملاقة صمّمت خدماتها عمداً بطريقةٍ تقود الأطفال إلى الإدمان. ومن المتوقّع أن يدلي الرئيس التنفيذي لـ"ميتا" مارك زوكربيرغ بشهادته الأسبوع المقبل، فيما قد يحضر رئيس "إنستغرام"، آدم موسيري، إلى قاعة المحكمة في وقتٍ مبكّر من يوم الأربعاء (مساء الأربعاء بتوقيت القدس المحتلة). وإلى جانب "إنستغرام"، تضمّ منصّات "ميتا" أيضاً "فيسبوك" و"واتساب".
محامي المدّعين، مارك لانيير، خاطب هيئة المحلّفين في مرافعة الافتتاح بالتركيز على أن "هذه القضية تتعلّق باثنتين من أغنى الشركات في التاريخ وقد هندستَا الإدمان في أدمغة الأطفال"، ثم حاول تبسيط فكرته على نحوٍ استعراضي، عبر تكديس مكعّبات ألعاب أطفال تحمل حروفاً، معتبراً أن A ترمز إلى "الإدمان" (Addicting) وB إلى "الأدمغة" (Brains) وC إلى "الأطفال" (Children). وذهب أبعد من ذلك حين وصف ما تفعله الشركتان بأنه ليس مجرّد بناء تطبيقات، بل "بناء أفخاخ"، مُتهماً "ميتا" و"يوتيوب" باتباع نهج "الإدمان بالتّصميم" (addiction by design)، مستخدماً مجسّماتٍ في القاعة مثل سيارة "فيراري" لعبة وآلة قمار صغيرة.
في المقابل، قدّم محامي "ميتا"، بول شميت، روايةً دفاعيةً مختلفة، مُشيراً إلى أن الأدلة ستُظهر أن مشكلاتٍ داخل أسرة المدّعية، إضافةً إلى التنمّر في العالم الواقعي، هي التي أثّرت في تقديرها لذاتها وصورتها الجسدية وسعادتها، لا "إنستغرام". وطرح سؤالاً على هيئة المحلّفين مفاده: "لو أزلتم إنستغرام وبقي كل شيءٍ آخر في حياة كايلي كما هو، هل ستصبح حياتها مختلفةً تماماً، أم أنها كانت ستواصل المعاناة من الأشياء نفسها التي تعانيها اليوم؟" كما لفت إلى أن سجلاتها الطبية المدرجة ضمن الأدلة لا تتضمن ذكراً لإدمان "إنستغرام".
المحاكمة، التي تنظر فيها القاضية كارولين كول، تتمحور حول ادعاءات بأن شابةً تبلغ 20 عاماً، عُرِّفت باسم كايلي جي. إم.، تعرّضت لضررٍ نفسيّ شديد لأنها أصبحت مدمنةً على وسائل التواصل الاجتماعي منذ طفولتها. وتُعامل القضية باعتبارها "مؤشّراً استرشادياً" (bellwether)، لأن نتيجتها قد تُحدّد اتجاه التعاطي القضائي ومستوى التعويضات المحتملة لمدّعين ناجحين ضمن موجةٍ واسعة من الدعاوى المشابهة عبر الولايات المتحدة الأميركية.
وتواجه شركات التواصل الاجتماعي مئات الدعاوى التي تتهمها بقيادة المستخدمين اليافعين إلى الإدمان على المحتوى، وما يرافق ذلك من اكتئاب واضطرابات أكل وإدخالات إلى المستشفيات النفسية، وصولاً إلى الانتحار. ويحاول محامو المدّعين استعارة أساليب استخدمها محامون في تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية ضد صناعة التبغ، عندما واجهت الشركات موجة دعاوى تتهمها ببيع منتجٍ ضارّ مع علمها بذلك.
وفي سياق المرافعة، أشار لانيير إلى أن كايلي بدأت مشاهدة "يوتيوب" وهي في السادسة من عمرها، معتبراً أن الشركة لم تُطلع والدتها على أن "الهدف كان إدمان المشاهدة"، أو أن أطفالاً صغاراً بعمر عامين كانوا موضع استهداف رغم "الخطر الحرج" للإدمان. ومن خارج قاعة المحكمة، اعتبر مؤسّس "مركز قانون ضحايا وسائل التواصل الاجتماعي" (Social Media Victims Law Center)، ماثيو بيرغمان، أن هذه المحاكمة تمثّل "المرة الأولى التي تُجبَر فيها شركة تواصل اجتماعي على مواجهة هيئة محلّفين بسبب إلحاق الأذى بالأطفال"، موضحاً لوكالة فرانس برس أن فريقه منخرط في أكثر من ألف قضية من هذا النوع.
من جهتها، تتمسّك شركات الإنترنت عادةً بحماية "المادة 230" من "قانون آداب الاتصالات" (Communications Decency Act) الأميركي التي تمنحها حصانةً واسعة من المسؤولية عمّا ينشره المستخدمون، لكن هذه الدعوى تُحاجِج بأن الشركات مُساءَلة عن نماذج عملٍ صُمّمت لإبقاء الناس أطول وقتٍ ممكن على المنصّات، ولتعزيز محتوى قد يضرّ بصحتهم النفسية.
المدّعون ينوون الاستعانة بخبراء يشرحون أن أدمغة اليافعين لم تكتمل بعد بما يكفي لمقاومة قوة الخوارزميات التي تُوجَّه إليهم عبر "إنستغرام" و"يوتيوب".
ومن المنتظر أن يقدّم محامو "يوتيوب" مرافعاتهم الافتتاحية أمام هيئة المحلّفين اليوم الثلاثاء. وكانت "سناب شات" و"تيك توك" مدرجتَين كمدّعى عليهما في القضية، لكنهما توصلتا إلى تسويات قبل بدء المحاكمة، من دون الكشف عن شروطها. وبالتوازي، تشقّ دعاوى أخرى طريقها في المحاكم الفيدرالية بشمال كاليفورنيا ومحاكم الولايات في أنحاء البلاد، بينها قضايا رفعتها مناطق تعليمية تتهم منصّات التواصل بتعريض المستخدمين اليافعين للخطر. كذلك بدأت، الاثنين، دعوى منفصلة في نيو مكسيكو تتهم "ميتا" بتقديم الربح على رفاه المستخدمين الشباب.