استمع إلى الملخص
- القصة تتبع كيكو، ابن رئيس عصابة، الذي يصبح ممثلاً بارعاً في الأدوار النسائية بفضل معلم كابوكي، مستعرضةً رحلته مع شونسوكي من مدرسة التمثيل إلى الشهرة، مع التركيز على التحديات والفضائح.
- يتميز الفيلم بتصوير دقيق لفن الكابوكي وأداء مميز من الممثلين، مع التركيز على النواحي الإنسانية والاجتماعية مثل تأثير الطبقية وصعوبة الصعود الاجتماعي.
أن تشاهد فيلماً يابانياً بنكهة هوليوودية، ولا سيما أن موضوعه مرتبط بالثقافة اليابانية التقليدية، أمر نادر. فالسينما اليابانية ذات خصائص وشخصية تميزها وتجعلها تتغلب على أي تأثير خارجي. ومهما تأثّر الأسلوب به، تبقى الشخصية اليابانية الأصيلة حاضرة، ويبقى الفيلم يابانياً خالصاً، وهذا يربك أحياناً.
إنه فيلم عن مسرح الكابوكي الياباني: مسرح شعبي، بدأ في القرن الـ17، وتقرّر حينها، حفاظاً على قواعد الأخلاق العامة، أن يقوم رجال بتأدية أدوار نساء. لا يشكّ مشاهد "سيد الكابوكي"(2025)، للياباني ذي الأصل الكوري لي سانغ إيل، ومشاهد مسرحية كابوكي، في أن مؤدّي الأدوار النسائية رجالٌ، وأن الفيلم، بعد مشاهد أولى يابانية بحتة، بما تبثه من مشاعر وما تقدمه من شخصيات، سينهج لاحقاً أسلوب الفيلم الجماهيري، بطريقة التعامل مع الشخصيات، ونوع الإثارة العاطفية، وحبكة الأحداث.
هذا لم تعتده السينما اليابانية، أقلّه التي تعرض خارج حدود اليابان. لكن المُدهش أنه، خلافاً للأفلام التجارية اليابانية، نجح "سيد الكابوكي" ببلوغ أوروبا، إذ بعد عرضه في "أسبوعا السينمائيين"، في الدورة الـ78 (13 ـ 24 مايو/أيار 2025) لمهرجان "كانّ"، يعرض حالياً بنجاح في الصالات الفرنسية. قبلها، عرف نجاحاً تاريخياً في اليابان، بتجاوزه الرقم القياسي الرمزي، البالغ 12 مليون بطاقة مَبِيعة. بذلك، أصبح ثاني أكثر الأفلام اليابانية مُشاهَدة.
يغمر الفيلم مشاهديه في عالم مختلف وغريب. جماليته تتركّز في الديكور والأزياء، وأهمية فكرة مشاق الصعود الفردي في نطاق محصور بطبقة اجتماعية معينة. تبدأ القصة في ناغازاكي عام 1964، مع نجاة كيكو، ابن رئيس عصابة (ياكوزا)، من الذبح، في عملية انتقام، بفضل معلم كابوكي شهير، يتبناه، ويكتشف لديه موهبة فنية في تمثيل الدور النسائي في مسرح الكابوكي. نتيجة هذا، يتخذ مصيره منعطفاً، حين يقرر، رفقة شونسوكي، الابن الوحيد للممثل، تسخير نفسه لهذا المسرح التقليدي.
"سيد الكابوكي"، المقتبس من رواية "كوكوهو" (2018، عنوان الفيلم باليابانية) لشويتشي يوشيدا، يتخذ بنية ملحمية بامتداده على أربعة عقود. يتابع بأسلوب تقليدي حيوي نشأة الشابين معاً، وانتقالهما من مدرسة التمثيل إلى أرقى المسارح، في رحلة واجها فيها فضائح وشهرة، وسادت علاقتهما الأخوية مشاعرُ متنوعة، وأحداثٌ متناقضة، من محبة وتوافق إلى منافسة وخيانة. ثم أصبح أحدهما أعظم معلّم ياباني في فن الكابوكي. في مراحل السرد، قفزات مفاجئة، كالحاصل أحياناً في أفلام السِّيَر، وتحوّلات متوقّعة في الأحداث. وأكثر ما برع به سانغ إيل، بصرياً، كشف خبايا هذا الفن الساحر، ومدى صعوبة التزامه وأدائه، فلكل خطوة مهما صغرت أهمية يصعب تخيّلها، وكل ملم في أي حركة مهم، وكل تمايل مُقاس، وكل تعبير على الوجه مدروس بدقة متناهية.
سيد الكابوكي معلم كبير في التمثيل والرقص الكلاسيكي الياباني، يتبعه تلامذة يطيعون أوامره حرفياً. يبحث عن دقة صارمة، ومثالية في كل إيماءة ونطق، مطبقاً لهدفه قسوة وتطلباً بالِغَين، يبدوان فوق كل احتمال.
يصوّر الفيلم هذه المراحل الفنية، ومعها تهيئة الأبطال الرجال ليبدوا نساء مع الماكياج والأزياء والتسريحات المستعارة، والكيمونو النسائي، بكاميرا حساسة (سفيان الفاني)، تلتقط كل تغيير وتعبير. ساهم في نجاح تلك المشاهد، إضافة إلى المعلم (كين ناتاوابي)، الممثلان الرئيسيان ريو يوشيزاوا وريوسي يوكوهاما، المنغمسان تماماً في فن أداء الكابوكي، ومؤدّيا المشاهد المسرحية بنفسيهما، من دون الاستعانة بممثلين بديلين، كما يخطر بالبال عند مشاهدة أدائهما الفني البارع، وإتقانهما الرقص والتعبير عن المشاعر بعملهما، وحياتهما اليومية. أجادا التنقل بين تناقض هذه المشاعر، وإن تحلى أحياناً أداؤهما بشيء من مبالغة عاطفية تبدو غريبة عن الأفلام اليابانية التي عهدناها. درس الشابان الكابوكي أكثر من عام، تعلّما فيه الوضعيات والحركات والبنية الجسدية المطلوبة. كانت المهمة صعبة للغاية، فخلافاً لممثلي الكابوكي، الذين يتدرّبون منذ الصغر، تلقّيا أشهراً فقط من التدريب الرسمي في مشاهد الأداء. لم يقتصر الأمر على إتقان الرقص فقط، إذْ عليهما التعبير عن مشاعر شخصيتيهما أيضاً.
سيطر جمال فن الكابوكي على الفيلم (الأزياء المدهشة لكيميكو أوغاوا)، وجعل بعض هنات السيناريو، وقفزات الإخراج، والتعبير المبالغ به في العواطف، منسياً. تكفي هذه المشاهد ليكون الفيلم وثائقياً عن هذا الفن الراقي، إذْ صوّر الجانب الروائي النواحي الإنسانية في حياة شخصية، وما يحيط بالتدريب والنجاح من طموح وإحباطات، ومدى تأثير الهوس الفني في نفوس من يختار هذه الطريق وسلوكهم. لذا، اهتم بتفاصيل المشاعر الدقيقة التي تحكم علاقة المتدرب كيكو مع ابن المعلم. منافسة لا تؤثر على صداقة الاثنين.
كما تبدى، في المعالجة الروائية، تحكّم الطبقية الاجتماعية في اليابان، وكيف لشاب من طبقة (ومن ياكوزا) أن يبلغ طبقة أرقى، فأوساط الكابوكي مغلقة، تنتقل بالوراثة بين الأجيال، وتنحصر في أسر معينة. يصوّر الفيلم عملية الصعود الاجتماعي ومشاقها، التي تضع حواجز، ربما تكون مستحيلة التجاوز، أمام الشباب.
في فيلم طويل (174 دقيقة)، تتكرر مشاهد وأحداث، ما يعني تخفيف القفزات المرحلية في تاريخ الشابين، لكنه يحتفظ بجاذبية خاصة، ومتعة وقدرة على الإبهار، بفضل سرعة الإيقاع، وأداء الممثلين، والأهم وفرة التفاصيل عن هذا الفن المسرحي، التي ستبهر عشاق الثقافة اليابانية خاصة.