استمع إلى الملخص
- رحيل محمد بكري في ديسمبر 2025 يُبرز مسيرته الفنية والمقاومة ضد محاولات العدو لتصفية التاريخ الفلسطيني، حيث يُثير غضب العدو بمحاولاته لكشف الحقائق وتوثيق الجرائم الإسرائيلية.
- رغم قلة أعماله الإخراجية، يُبرز بكري براعة في استخدام الكاميرا كأداة توثيقية، كما في فيلمه "جنين جنين"، الذي يُعيد سرد المجزرة الإسرائيلية بلغة بصرية متواضعة.
آخر فيلمين أشاهدهما له، والفيلمان قصيران، يُمكن اعتبار الشخصيتين فيهما مرآة أخيرة له، ممثلاً وإنساناً في لحظة خرابٍ إضافي، لكنّه أبشع، تصنعه حرب إبادة إسرائيلية، يُدركها منذ سنين، وإنْ تختلف أشكالها بين ماضٍ وراهن، فيواجهها بشراسة محترفٍ في فنّ المقاومة، لغة وفنّاً وحياة وعيشاً. يذهب إلى قلب المعركة، وبُعيد عودته، يُنجز ما يراه الأنسب في تعرية عدوٍّ يتفنّن، لحظةً تلو أخرى، في ابتكار أجناسٍ "متجدّدة" من العنف والقتل والتغييب والتزوير. يمثّل شخصيةً، يعتبرها انعكاساً لأحوال جماعية، من دون أن يتخلّى عن حِرفية المهنة، جاعلاً من الحِرفية مادة أخرى في مقارعة بطشٍ وقمعٍ وإلغاء.
فجأة، ينتشر خبر رحيل محمد بكري (24 ديسمبر/كانون الأول 2025)، بعد أقلّ من شهرٍ واحدٍ على احتفاله بعيد ميلاده الـ72 (27 نوفمبر/تشرين الثاني 1953). أهذا تفصيلٌ عابر، أمْ نوعٌ من مصادفةٍ تؤكّد، مجدّداً، أنّ الرحيل قدرٌ، ولا سبب مباشراً له. تؤكّد، مجدّداً، أنّ كل الأفعال التي تصنع سيرة، وتكتب حكاية، وتروي تاريخاً من الاشتغالات والمواجهات والتفكيك والكشف والتحدّي، ستبقى نمطَ حياة، وأسلوب حماية بلدٍ وشعبٍ ومجتمع ونتاجات وأحوال، يريد عدوّاً، يُتقن الإبادة بأصنافها، تصفيتها، وإنْ يفشل في تصفيتها، يعمل على تزويرها. محمد بكري كأمثالٍ له يترصّد هذه التصفية وذاك التزوير، فيصنع من صورة وكلمة وموقف وتمثيل وخيارات ما يُجنِّن العدوّ نفسه، فيجهد (العدوّ) في صُنع المعجزات لإسكات ذاك الصوت، ولمحو تلك الصورة، ولفرض نسيان على تاريخ وجغرافيا وذاكرة.
أمّا الفيلمان القصيران الأخيران، فيقولان ـ بما يمتلكانه من صُور سينمائية مصنوعة بشفافية وصدق وعمق وجمال، وبقدرة على تبيان وقائع بصمتٍ أو بكلامٍ قليل ـ ما تعجز خطابات ومشاحنات عن كشفه: "ما بعد" (2024، 32 دقيقة) لمها حاج (العربي الجديد، 26 أغسطس/آب 2024) و"الدنيا" (2025، ست دقائق) لمحمد بكري العربي الجديد، 15 أكتوبر/تشرين الأول 2025). الأول يُكثّف خراب غزة، في كل أزمنة خرابها، فالأزمنة متشابهة لأنّ التنين واحدٌ، والاختلاف حاصلٌ بأساليب البطش. والثاني يرسم لوحةً ملوّنة عن واقع بائسٍ، يُعاش في حرب الإبادة، وينفلش في فلسطين كلّها، ويسخر من دناءة غربٍ مُدّعٍ ومتخاذل. في الأول، يؤدّي محمد بكري دور سليمان ـ أبو خالد، الأب ـ الزوج ـ الأرمل، المنعزل في مزرعته مع لبنى ـ أم خالد (عرين العمري)، و"أطياف" أولادٍ (خمسة صبيان وشابّة) يُقتلون في قصفٍ مباشر، ذات حربٍ إسرائيلية (متكرّرة) في غزة وعليها. في الثاني، يظهر عجوزاً صامتاً (لا حوار) وأعمى، يُبصر أكثر من جميع الذين يسهرون على وقع حربٍ تُبيد بشراً.
كأنّ محمد بكري، بهذين الدورين، يختصر سيرةً، لا شكّ في أنّ اختصارها صعبٌ، خاصة في لحظة وفاة غير متوقّعة. لائحة أفلامه طويلة، والأدوار، الموزّعة بين أفلامٍ عربية وأجنبية (إلى أعمال مسرحية متفرّقة)، تحتاج إلى معاينة أهدأ لكشف ما فيها من براعة عيشٍ لا تمثيل، ومن جمالية حضورٍ لا متخيّل. اشتغالاته الإخراجية، رغم قلّتها نسبةً إلى عدد أدواره التمثيلية، تنبش وقائع يُراد لها طمسٌ تحت الأنقاض، فيُزيل بعض الأنقاض عنها، مرة ومرّتين، جاعلاً من الكاميرا المتواضعة لغةً وصوتاً وتوثيقاً يخشاه عدوٌّ يُجيّر كلّ شيءٍ وكلّ أحدٍ من أجل القضاء على من يُعرّيه ويفضح أفعاله، الواضحة أصلاً. فجنين بكري ("جنين جنين"، 2002) أقوى من افتراءات إسرائيل (العربي الجديد، 20 يناير/كانون الثاني 2021)؛ و"جَنين... جِنين" (2024، العربي الجديد، 28 مايو/أيار 2025) يُعيد سرد حكاية المجزرة الأولى بلغةٍ بصرية متواضعة، تهدف أساساً إلى تذكير بجرم إسرائيلي مستمرّ، وإلى إغاظة ذاك العدوّ الذي يظنّ أنّ ما يريده ويفعله أقوى من حقٍّ. ألن يُثير "جنين جنين" غضباً وتوتراً في جسد إسرائيل وثقافتها وروحها، فتلاحق صانعه سنين مديدة افتراءً وكذباً وخداعاً، من دون غلبةٍ على الفيلم وصانعه؟ ألن تُستفزّ إسرائيل بسبب "جَنين... جِنين"، الذي يُعيد رسم بعض الماضي استناداً إلى راهنٍ يُشبهه؟
اختيار عناوين قليلة للغاية، في وداع سينمائي ومسرحي ومُكافح (والمفردة هذه تستعيد رونقها وجمالها وحقيقتها بفضل محمد بكري، وأمثاله)، غير مُلغية تاريخاً ونتاجاً ومعرفة ومواجهة. استعادة عناوين قديمة لاشتغالاته ضرورة، لكنّ الوداع في هذه اللحظة مكتفٍ بشذرات، تقول حبّاً وقهراً في آن واحد.