"المحيط مع ديفيد أتينبورو"... وقوف على الحدود الأخيرة
استمع إلى الملخص
- الفيلم، من إخراج توبي نولان وكيث شولي وكولين بوتفيلد، يبدأ برحلة استكشافية للمحيطات ويعرض التنوع البيولوجي والدمار الذي تسببه سفن الصيد العملاقة.
- رغم الصورة القاتمة، يقدم الفيلم رسالة أمل من خلال قصص نجاح المناطق البحرية المحمية، مؤكدًا أن حماية 30% من المحيطات بحلول 2030 يمكن أن ينقذ النظام البيئي.
في عيد ميلاده التاسع والتسعين، يُقدم ديفيد أتينبورو فيلمه الجديد بعنوان "المحيط مع ديفيد أتينبورو" (Ocean with David Attenborough)، وهو رسالة أخيرة ملحّة للبشريّة حول أهميّة المحيطات وخطورة تدهورها. أُنتج الفيلم بالتعاون بين Silverback Films وOpen Planet Studios، ولعلّه واحد من أجرأ الأفلام الوثائقية في كشف الدمار الذي تسببه الصناعات البشرية، خاصة الصيد الجائر والجرافات القاعية التي تجرف قاع المحيط وكائناته الحيّة.
العمل من إخراج ثلاثة من أبرز صناع الأفلام الوثائقية، توبي نولان (المعروف بأعماله مثل Dancing with the Birds) وكيث شولي (African Cats وOur Planet) وكولين بوتفيلد (المشارك في إنتاج David Attenborough: A Life on Our Planet). هذا الثلاثي نجح في صياغة فيلم يجمع بين الجمال البصري الأخّاذ والرسالة البيئية، مستخدماً تقنيات تصوير تحت الماء لم تُشاهد من قبل.
يبدأ الوثائقي برحلة تظهر الاكتشافات المذهلة التي توصل إليها العلم في المحيط خلال القرن الماضي، باستخدام لقطات خلّابة للشعاب المرجانية وغابات عشب البحر والكائنات البحرية النادرة. يُظهر الفيلم كيف أن المحيطات هي "الحدود الأخيرة" التي لا نعرف عنها سوى القليل. يشرح أتينبورو كيف أن اختراع معدات الغوص فتح عالماً جديداً من التنوع البيولوجي، لكنه أيضاً كشف عن مدى استغلال البشر لهذا العالم.
التحول الدراماتيكي في الفيلم يأتي عندما ينتقل من تصوير الجمال إلى كشف الدمار. تُظهر اللقطات سفن الصيد الصناعي العملاقة وهي تجرف قاع المحيط، ما يؤدي إلى تدمير موائل بحرية عمرها آلاف السنين في دقائق. هذه المشاهد، التي وُصفت بأنها مناسبة لفيلم رعب، تكشف كيف أن الصيد الجائر ليس مجرد تهديد للأسماك، بل وللمناخ أيضاً، لأن الجرافات تُطلق كميات هائلة من الكربون المخزن في قاع البحر.
على الرغم من الصورة القاتمة، يقدم الوثائقي رسالة أمل من خلال إبراز قصص نجاح المناطق البحرية المحمية (MPAs)، في أماكن مثل باباهانوموكواكيا في هاواي، حيث حُظر الصيد بالكامل. هناك عادت الحياة البحرية إلى سابق عهدها وزادت أعداد الأسماك حتى خارج المنطقة المحمية بسبب "تأثير الانتشار" (Spillover Effect). يؤكد أتينبورو أن حماية 30% من المحيطات بحلول عام 2030 يمكن أن ينقذ النظام البيئي بأكمله.
يستخدم الفيلم تقنيات سينمائية متطورة لتعزيز رسالته، بدايةً من التصوير تحت الماء، إذ نرى لقطات مكثفة للشعاب المرجانية والحياة البحرية مصورة بتقنيات 4K وMacro Photography لتكبير التفاصيل الدقيقة، ثم الموسيقى التصويرية؛ فنسمع ألحاناً مؤثرة تعزز المشاعر، خاصة في المشاهد التي تواجه المُشاهد بواقع الدمار، ونشاهد الرسوم البيانية والخرائط المُستخدمة لتوضيح حجم التهديدات، مثل مساحات المحيط التي تجرفها الجرافات سنوياً.
عبر سبعة عقود، قدّم أتينبورو أكثر من 150 فيلماً وثائقياً، بدءاً من Life on Earth (1979) وصولاً إلى A Life on Our Planet (2020) و"المحيط". ما يميزه بشدّة عن الآخرين هي معرفته العلمية الواسعة وطريقته الفريدة في السرد التي تجمع بين اللطف والعمق والصراحة.
ما يميز أسلوب أتينبورو السرديّ هو احترامه العميق للحيوانات؛ فهذه في قصته عبارة عن شخوص لها حكايتها الخاصة وحياتها وليست مجرد موضوع للترفيه. في The Hunt (2015) شرح استراتيجيات الصيد باحتراف، وفي Dynasties تابع حياة الشمبانزي والإمبراطور البطريق كما لو كان يروي دراما إنسانية، وفي عمله الأخير يُظهر تعاطفه مع الأسماك والمرجان.
صدر الوثائقي في الثامن من مايو/ أيار 2025، تزامناً مع عيد ميلاد أتينبورو التاسع والتسعين، وبثته عالمياً منصات "ديزني بلس" و"ناشونال جيوغرافيك" في 8 يونيو/ حزيران الماضي، في يوم المحيط العالمي. توقيت الإصدار لم يكن صدفة، فهو يسبق مؤتمر الأمم المتحدة للمحيطات 2025 وفيه تُتخذ قرارات حاسمة حول حماية المحيطات. يمثّل الفيلم نداءً للعمل، كما يقول أتينبورو: "إذا أنقذنا البحر، أنقذنا عالمنا". السؤال الذي يتركه الفيلم معلقاً: هل سيكون العالم مستعداً للاستماع لأتينبورو؟