وكالة فيتش تخفض تصنيف فرنسا الائتماني.. ماذا يقول الخبراء؟
استمع إلى الملخص
- التوترات السياسية تعرقل الإصلاحات الاقتصادية، حيث يعكس سقوط الحكومة الفرنسية التجزؤ السياسي، مما يضعف قدرة النظام على تنفيذ الإصلاحات المالية، وسط جدل واسع بين الشخصيات السياسية والاقتصادية.
- تواجه فرنسا تحديات مالية متزايدة مع ارتفاع كلفة خدمة الدين، وتباين التصنيف مع دول أوروبية أخرى، مما يثير تساؤلات حول إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية بشأن ميزانية 2026.
أعلنت وكالة التصنيف الائتماني فيتش خفض التصنيف السيادي طويل الأجل لفرنسا من AA- (جيد جداً) إلى A+ (جيد)، ما يعكس ازدياد المخاطر المالية والسياسية التي تواجهها البلاد. وبحسب التقديرات التي أصدرتها الوكالة يوم الجمعة 12 سبتمبر/أيلول 2025، فإن العجز العام مرشح لأن يبلغ 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام (السقف الأوروبي 3%). وكانت حكومة فرانسوا بايرو، قبل سقوطها، تراهن على خفضه إلى 4.6% في 2026 عبر خطة تقشفية بقيمة 44 مليار يورو. غير أن معظم التقديرات الحالية تشير، وفق خبراء فيتش، إلى إمكانية إقرار ميزانية أقل طموحاً بنصف الحجم، لا تكاد تسمح إلا بالعودة إلى 5%.
الاضطراب السياسي يضعف الإصلاح
وجاء في بيان فيتش أن "سقوط الحكومة الفرنسية خلال تصويت على الثقة يوضح التجزؤ والاستقطاب المتزايد في السياسة الداخلية"، مضيفاً أن هذا الوضع "يضعف قدرة النظام السياسي على تنفيذ توطيد مالي واسع النطاق". واعتبرت الوكالة أنه من غير المرجح خفض العجز العام إلى أقل من 3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2029، كما كان يطمح إليه الفريق الحكومي المُقال. ورأت فيتش أن قرارها يعكس أيضاً رفضها منح الثقة لرئيس الحكومة الجديد سيباستيان لوكورنو، رغم شروعه في محادثات مع القوى السياسية والشركاء الاجتماعيين لإيجاد "مسار عبور" يسمح باعتماد الميزانية قبل نهاية السنة.
وكانت الوكالة قد أبدت مرونة في مارس/آذار الماضي حين أبقت تصنيف فرنسا عند AA- (جيد جداً) بعد اعتماد ميزانية 2025 رغم تأخرها، لكنها هذه المرة اختارت التشدد. ومن المرجح أن تحذو وكالات "موديز" و"ستاندرد آند بورز" حذوها في مواعيدهما المقبلة يومي 24 أكتوبر/تشرين الأول و28 نوفمبر/تشرين الثاني على التوالي.
عبء الدين يتفاقم
وبحسب تقديرات البنك الاستثماري الفرنسي "ناتيكسيس" (Natixis) الصادرة في سبتمبر/أيلول 2025 فإن العجز المطلوب لاستقرار الدين يجب أن يكون عند 2.8% فقط. أما على صعيد خدمة الدين، فقد قدّر ديوان المحاسبة الفرنسي في تقرير رسمي نُشر في يوليو/ تموز 2025 أن كلفة الفوائد سترتفع من 58.8 مليار يورو في 2024 إلى أكثر من 107 مليارات في 2029.
تلاسنات وغليان سياسي
ومباشرة بعد صدور تقرير "فيتش" انفجرت مواقع التواصل الاجتماعي للتعليق على التصنيف وتحول إلى مادة سجال بين شخصيات سياسية واقتصادية بارزة، في الداخل الفرنسي.
البداية كانت مع فرانسوا بايرو، رئيس الحكومة السابق، الذي اعتبر في منشور مقتضب أن "بلداً تقوده نخبه إلى رفض الحقيقة محكوم عليه بدفع الثمن". تعليق أثار سيلاً من الردود، أبرزها من إريك كوكريل، رئيس لجنة المالية في البرلمان، الذي اتهم ماكرون وبايرو في بيان رسمي بـ"الاستنجاد بالأسواق" لتبرير التقشف، مؤكداً أن الدين الفرنسي "لا يزال آمناً ومرغوباً فيه"، وأن التهويل من وضع المالية العامة لا يخدم سوى أجندات سياسية ضيقة.
وقال كارلوس بيلونغو عضو لجنة المالية والاقتصاد العام ومراقبة الميزانية في البرلمان الفرنسي لـ "العربي الجديد" إن الأولوية تكمن في إنعاش الاقتصاد الشعبي قبل التفكير في استعادة ثقة المستثمرين الأوروبيين التي وصفها بالمفترضة، وأشار إلى أن الأزمة في الأساس تكمن في الديمقراطية مشدّداً على أن حلّها "لن يكون إلا باستقالة الرئيس إيمانويل ماكرون".
من جانبه، وجّه شارل هنري غالواز، الخبير الاقتصادي ورئيس مؤسسة "لنستعيد السيطرة" والمستشار المقرب من المرشح المحتمل لرئاسيات 2027 جوردان بارديلا، انتقاداً مباشراً إلى بايرو، مذكّراً بأن "ميزانياته السابقة زادت الإنفاق بـ30 مليار يورو وفرضت ضرائب إضافية بـ20 مليار يورو"، مطالباً إياه بـ"قدر من اللياقة". أما فلوريان فليبو، البرلماني الأوروبي السابق ورئيس حركة "المقاومون"، فقد اختار أسلوب السخرية وكتب: "التصنيف خُفّض! العزف المالي ضرب من جديد! غادر يا ماكرون".
المعسكر الحكومي
في المعسكر الحكومي السابق، علّق مارك فيسنو، وزير الزراعة الأسبق والنائب الحالي عن مجموعة الديمقراطيين، معتبراً أن خفض التصنيف "إشارة خطيرة" تعني أن "الاقتراض سيصبح أكثر كلفة، والمصداقية الفرنسية تتآكل، والسيادة المالية تتراجع"، داعياً إلى "الاستقرار وخفض الدين أولويةً مطلقةً". بدورها، شددت فاليري بيكريس، وزيرة الموازنة السابقة في عهد الرئيس نيكولا ساركوزي، على أن القرار "سيكلّف الفرنسيين غالياً"، مطالبة بميزانية إصلاح عاجلة مع خفض حقيقي للنفقات، محذرة من أن "الديماغوجية ستفجّر أزمة ثقة لدى المستثمرين".
أما إريك لومبارد، وزير المالية في حكومة بايرو، فبدا أكثر براغماتية، معلناً أنه "يعترف بقرار فيتش وهو قرار جاء بناء على الحالة المالية للبلاد"، موضحاً أن رئيس الوزراء الجديد "أطلق بالفعل مشاورات مع القوى السياسية لاعتماد ميزانية تضمن استقرار المالية العامة".
وعلّق إريك سيوتي، رئيس الكتلة البرلمانية لاتحاد اليمين من أجل الجمهورية، بلهجة شديدة قائلاً: "التخفيض إهانة حقيقية لفرنسا، ونتيجة كارثية لـ13 عاماً من الهولاندو- ماكرونية". في إشارة لتحميل المسؤولية لآخر رئيسين حكما فرنسا.
أما على المستوى المحلي، فقد ردّ سباستيان لوروي، عمدة مدينة "ماندليو لا نابول"، على تصريحات بايرو بالقول: "بلد قادته نخبه إلى الهاوية منذ 40 عاماً يدفع الثمن بالفعل. شكراً لمساهمتكم الكبيرة في هذه النتيجة".
وفي تعليق على القرار، قال ماكسيم دارميت، خبير اقتصادي لدى "أليانز" (Allianz Trade)، لصحيفة "لوفيغارو" الفرنسية (Le Figaro) إن الأسواق "كانت على علم منذ فترة بسوء وضع المالية العامة الفرنسية، ومن ثم لم يفاجئها قرار فيتش"، مضيفاً أن وكالات التصنيف "تتجنب اتخاذ قرارات متسرعة حتى لا تتهم بأنها تشعل الأزمات".
فجوة مع إسبانيا والبرتغال وإيطاليا
وأوضحت لوسيل بيمبارون الخبيرة الاقتصادية بمكتب الدراسات "أستريس" (Asterès) في تصريحات للقناة الفرنسية "بي.أف.أم تيفي" (BFMTV) أن الفارق في التصنيف بين فرنسا وبعض البلدان الأوروبية مثل إسبانيا A- (جيد) والبرتغال A- (جيد) أو إيطاليا BBB+ (متوسط) أصبح "صعب التبرير"، بالنظر إلى أن هذه الدول تموّل نفسها حالياً بفوائد أدنى من فرنسا. وأضافت أن الأسواق تركز أكثر على المسار المالي من مستوى المديونية. فإيطاليا رغم بلوغ معدل مديونيتها 138% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 114% لفرنسا، تقترض بفوائد مماثلة أو أدنى على بعض الآجال، بفضل خفض عجزها من 7.2% في 2023 إلى 3.4 % في 2024.
وفي ظل هذه الأرقام المقلقة، تساءلت فيتش في بيانها عما إذا كانت الضغوط المالية المتزايدة ستدفع الأحزاب السياسية للتوصل إلى تسوية حول ميزانية 2026. لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن رغبة بعض الأطراف في الذهاب نحو حل البرلمان تبقى قوية، حتى لو كان ذلك سيؤدي إلى تقويض النمو، وتعميق العجز، وزيادة الدين العام.