- استثمار الوفرة المائية يمكن أن يزيد إنتاج المحاصيل الاستراتيجية مثل الحنطة والشعير، مما يعزز الاقتصاد المحلي ويقلل الحاجة للاستيراد، بشرط استغلال الموارد سريعاً قبل تغير الظروف المناخية.
- رغم التحديات مثل ارتفاع الحرارة، يمثل الموسم الحالي فرصة للعراق لتوسيع الرقعة الزراعية وتحسين أنظمة الري، مما يعزز الأمن الغذائي ويحقق مكاسب اقتصادية مستدامة.
بعد سنوات من القلق بسبب تراجع الموارد المائية، عاد ملف المياه في العراق إلى الواجهة، لكن هذه المرة محملاً بمؤشرات إيجابية تبعث على التفاؤل. فقد أعلنت وزارة الموارد المائية ارتفاع الخزين الاستراتيجي إلى نحو 34 مليار متر مكعب مع نهاية موسم ذوبان الثلوج، فيما راوحت نسب امتلاء السدود الرئيسة بين 70 و80 %، في تحسن لافت مقارنة بالموسم الماضي الذي بدأ بخزين لم يتجاوز خمسة مليارات متر مكعب، وهو من أدنى المستويات المسجلة منذ عام 1934.
ويعد هذا التحسن أكثر من مجرد زيادة في كميات المياه المخزونة، إذ يراه مختصون فرصة اقتصادية قد تسهم في إعادة تنشيط القطاع الزراعي وتقليص الاعتماد على الاستيراد، إذا ما أُحسن استثمارها ضمن خطط إنتاجية متكاملة.
ويؤكد الباحث في الشأن الاقتصادي خالد الكوراني أن المياه تمثل أحد أهم عناصر الإنتاج في الاقتصاد الزراعي، مشيراً إلى أن قيمتها الحقيقية لا تقاس بما تحتويه السدود من مخزون، بل بما تتيحه من إنتاج غذائي وفرص عمل ونشاط اقتصادي.
ويقول الكوراني، في حديثه لـ"العربي الجديد"، إن ارتفاع الخزين المائي يشكل فرصة استراتيجية للاقتصاد العراقي، لكنه لا يضمن وحده تحقيق نتائج اقتصادية ملموسة.
ويضيف أن استثمار الوفرة الحالية في توسيع الخطة الزراعية وزيادة إنتاج المحاصيل الاستراتيجية قد يساعد العراق على تقليص جزء من وارداته الغذائية، موضحاً أن حجم هذا الوفر سيبقى مرتبطاً بنوعية المحاصيل، وكفاءة إدارة الموارد، وقدرة الدولة على تسويق الإنتاج المحلي.
تأثير المياه على القطاعات
ولا يقتصر الأثر الاقتصادي، بحسب الكوراني، على القطاع الزراعي، بل يمتد إلى الصناعات الغذائية، وشركات النقل، ومخازن الحبوب، وأسواق الجملة، ما يجعل المياه محركاً لسلسلة اقتصادية متكاملة تنعكس آثارها على قطاعات متعددة.
ويعتمد العراق منذ سنوات على استيراد كميات كبيرة من الحبوب والخضراوات والفواكه لتلبية احتياجات السوق المحلية، الأمر الذي يثقل الميزان التجاري ويستنزف العملة الأجنبية.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي جعفر طالب أن وفرة المياه الحالية قد تتيح زيادة إنتاج محاصيل استراتيجية، مثل الحنطة والشعير والذرة والخضراوات، بما يقلل الحاجة إلى الاستيراد ويمنح الاقتصاد المحلي مساحة أوسع للنمو.
ويؤكد طالب لـ"العربي الجديد"، أن نجاح هذه الفرصة مرهون بسرعة استثمار الوفرة الحالية قبل تغير الظروف المناخية أو تراجع الإيرادات المائية خلال السنوات المقبلة.
من جانب آخر، يعتقد مختصون أن ارتفاع الخزين المائي يتيح للحكومة إعادة النظر في الخطط الزراعية بما يتلاءم مع حجم الموارد المتاحة.
ويقول المهندس الزراعي صالح مهدي، لـ"العربي الجديد"، إن المؤشرات الحالية تمنح الجهات المعنية مرونة أكبر في إعداد الخطة الزراعية للموسم المقبل.
ويضيف: "إذا استمرت الإيرادات المائية عند مستوياتها الحالية، فستكون هناك إمكانية لتوسيع المساحات المشمولة بالخطة الزراعية، مع إعطاء الأولوية للمحاصيل التي تعزز الأمن الغذائي وتحقق قيمة اقتصادية أعلى".
ويشدد مهدي على أن وفرة المياه، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتحقيق قفزة في الإنتاج الزراعي، إذ ينبغي أن تترافق مع توفير البذور المحسنة، والأسمدة، والخدمات الإرشادية، إلى جانب ضمان تسويق المحاصيل بأسعار عادلة، مؤكداً أن نجاح الموسم الزراعي يقاس بحجم الإنتاج الذي يصل إلى الأسواق، وليس بعدد الدونمات المزروعة فقط.
ولا تتوقف آثار الوفرة المائية عند حدود زيادة الإنتاج، بل تمتد إلى الاقتصاد الريفي بأكمله، إذ إن أي توسع في المساحات المزروعة يعني ارتفاع الطلب على العمالة الزراعية، والبذور، والأسمدة، والآلات، وخدمات النقل والتخزين، فضلاً عن تنشيط الصناعات الغذائية التي تعتمد على الإنتاج المحلي، بحسب ما يقول لـ"العربي الجديد" عضو اتحاد الجمعيات الفلاحية حسين المعموري.
وأشار إلى أن المزارعين ينظرون إلى وفرة المياه بوصفها مؤشراً مشجعاً على العودة إلى استثمار الأراضي التي هُجرت خلال سنوات الجفاف. ولفت إلى أن السنوات الماضية شهدت "جفافاً خطيراً"، دفع أعداداً كبيرة من الفلاحين إلى تقليص المساحات المزروعة أو ترك أراضيهم، مضيفاً أن وفرة المياه تمنحهم اليوم ثقة أكبر بالعودة إلى الزراعة، ولا سيما إذا اقترنت بدعم حكومي وضمانات لتسويق المحاصيل.
ويؤكد أن استقرار الإطلاقات المائية يقلل من المخاطر التي يواجهها المزارعون، ويمنحهم قدرة أكبر على التخطيط لموسم زراعي متكامل.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، ما تزال وزارة الموارد المائية تحذر من تحديات قائمة، أبرزها ارتفاع درجات الحرارة، وزيادة معدلات التبخر، والتجاوزات على الحصص المائية، إلى جانب الاستخدام غير الرشيد للمياه.
ومع ذلك، يتفق المختصون على أن الموسم الحالي يمثل فرصة استثنائية للعراق بعد سنوات من الجفاف، وقد يشكل نقطة تحول إذا ما جرى استثمار الوفرة المائية ضمن رؤية تنموية متكاملة.
ويرى الخبير الاقتصادي جعفر طالب أن توسيع الرقعة الزراعية، ورفع كفاءة أنظمة الري، ودعم الفلاحين، وتحسين آليات التسويق الزراعي، تمثل عناصر أساسية لتحويل الوفرة المائية إلى مكاسب اقتصادية مستدامة، تشمل زيادة الإنتاج المحلي، وتقليص الاستيراد، وتوفير فرص عمل جديدة، وتعزيز الأمن الغذائي.
من جانبه، يؤكد حسين المعموري أن الفلاحين اكتسبوا خلال سنوات الجفاف خبرة كبيرة في إدارة الموارد المائية وترشيد استخدامها، معتبراً أن مشكلات الهدر والتجاوزات التي كانت سائدة في السابق تراجعت بشكل ملحوظ، وقد تقتصر مستقبلاً على حالات فردية محدودة.