تريليون على الورق... هل تعيد وعود الاستثمارات السعودية الضخمة رسم العلاقة مع واشنطن؟
استمع إلى الملخص
- يشكك الخبراء في جدية التعهدات، حيث قد تستخدم الرياض الاستثمار كأداة سياسية، مع تحذيرات من أن الاستثمارات قد تخدم الاقتصاد الأميركي أكثر من السعودي، وربطها بمسار التطبيع مع إسرائيل.
- الأرقام المعلنة قد تكون مبالغ فيها، مما قد يؤثر على رؤية 2030، لكن بعض الاتفاقيات، مثل شراكة مصفاة العناصر الأرضية النادرة، تعتبر إنجازاً مهماً للسعودية.
بين هالة الأرقام المعلنة وشكوك الخبراء، بدت زيارة ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن في 18 و19 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري حدثاً مفصلياً، لمجرّد ارتفاع سقف التعهدات الاستثمارية إلى تريليون دولار داخل الولايات المتحدة. رقم يكفي وحده لإحداث ضجيج سياسي واقتصادي، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام أسئلة أكثر مما يقدم إجابات: هل نحن أمام تحوّل تاريخي في العلاقة التقليدية "النفط مقابل الأمن" نحو شراكة صناعية وتقنية معمّقة؟ أم أن جزءاً كبيراً من هذه الوعود لا يزال أقرب إلى الخطاب السياسي منه إلى الخطط القابلة للتنفيذ؟
الزيارة شهدت إعلان حزمة اتفاقيات امتدت من الدفاع إلى الذكاء الاصطناعي والطاقة النووية والمعادن الحرجة. وفي مقدمتها اتفاقية دفاع استراتيجية، ومذكرة تعاون في الذكاء الاصطناعي، واتفاق إطار لتأمين سلاسل إمداد المعادن الحيوية، إلى جانب موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على بيع مقاتلات إف 35 للمملكة، في خطوة اعتبرها المركز الأطلسي دليلاً على أن الرياض تحتل "أولوية قصوى" في أجندة ترامب. لكن هذا الزخم السياسي والاقتصادي لم يمرّ من دون اعتراضات، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالأرقام العملاقة التي قُدّمت بوصفها التزاماً سعودياً بزيادة الاستثمارات داخل الولايات المتحدة من 600 مليار دولار إلى تريليون.
الأرقام السعودية تتضخم
ويقدّم الخبير الاقتصادي عامر الشوبكي لـ"العربي الجديد" قراءة أكثر تشكيكاً من طابع "التفاؤل المفرط" الذي يحيط بالأرقام. فالمملكة، برأيه، رفعت التزامها إلى تريليون "من دون جدول زمني أو خريطة مشاريع"، في وقت أعلن منتدى الاستثمار السعودي-الأميركي عن اتفاقيات بقيمة 270 مليار دولار في يوم واحد، من بينها شراء شرائح ذكاء اصطناعي ومشاريع مراكز بيانات. ويشير إلى أن أرامكو وحدها أعلنت 17 مذكرة تفاهم بقيمة 30 مليار دولار محتملة، بعضها يتعلق بمصفاة للمعادن النادرة بتمويل من وزارة الدفاع الأميركية. لكن معظم هذه الاتفاقيات ما زال في طور "النيّات" لا التنفيذ.
وبرأي الشوبكي، تستخدم الرياض الاستثمار أداةً سياسية لربط المصالح الاقتصادية الأميركية بمصالحها، خصوصاً في ظل التنافس مع الصين وروسيا. لكن الخطر يكمن في أن معظم هذه الصفقات قد تبقى مذكرات تفاهم غير ملزمة، كما حدث في 2017، حين أُعلن عن صفقات بمئات المليارات دون تنفيذ فعلي. والنتيجة: احتمال أن "تنزف" رؤوس الأموال السعودية نحو الخارج من دون مردود صناعي محلي حقيقي.
مصانع حقيقية أم أرقام سياسية؟
بدوره، الخبير مصطفى يوسف يذهب أبعد. فالقيمة الحقيقية، برأيه، لا تُقاس بحجم الأرقام بل بما إذا كانت ستُترجم إلى مصانع داخل السعودية، مراكز بحث، نقل تكنولوجيا، وظائف لشباب البلاد. ويحذّر من أن كثيراً من الاستثمارات المعلنة قد تخدم أولاً الاقتصاد الأميركي، خصوصاً إذا بقيت استثمارات محفظية لا إنتاجية.
ويقارن يوسف لـ"العربي الجديد" بين الصندوق السيادي السعودي وصندوق الثروة النرويجي الذي يدار باستقلالية، وهدفه حماية "ثروة الأجيال" لا توظيفها سياسياً. ويؤكد يوسف أن واشنطن تربط هذه الحزمة بمسار التطبيع مع إسرائيل وكبح التقارب السعودي-الصيني. بينما يربط ولي العهد التطبيع بدولة فلسطينية وضمانات دفاعية وسلاح متقدم. وبين تلك الشروط المتقابلة، تبدو الصفقة الكبرى، اقتصادية وأمنية وسياسية، ما زالت في طور التفاوض.
تفاؤل ورقي... شكوك حسابية
الخبير السابق في صندوق النقد الدولي تيم كالن كان من أوائل المشككين، لافتاً في تحليل نُشر بمعهد دول الخليج العربي إلى أن تقديرات الاستثمارات السعودية "مبالغ فيها" وأن رقم الـ600 مليار السابق أصلاً "غير واقعي"، فما بالك برفعه إلى تريليون. ويستند كالن إلى أرقام واضحة مفادها أن الرقم يعادل 14% من الناتج المحلي السعودي سنوياً، و40% من إيرادات الصادرات، فيما تتوقع مؤسسة النقد أن تسجّل المملكة عجزاً في الحساب الجاري حتى 2028.
بكلام آخر: الفوائض المالية التي سمحت للرياض بضخ استثمارات خارجية ضخمة خلال سنوات الطفرة النفطية لم تعد متاحة بالقدر نفسه، ما يجعل أي التزام استثماري كبير مشروطاً بإعادة تدوير الأصول القائمة أو زيادة الاقتراض. ولو نُفذت الخطط كاملة، سيصبح أكثر من 80% من الأصول السعودية الأجنبية داخل الولايات المتحدة.
ورغم تقديم الزيارة بوصفها بوابة لشراكة جديدة، يشير خبراء إلى تناقض واضح بين هذه التعهدات وحاجة برنامج رؤية 2030 إلى ضخ استثمارات داخلية، لا خارجية، خصوصاً مع تراجع أسعار النفط وعدم استقرارها، بينما تحتاج السعودية إلى سعر يقارب 96 دولاراً للبرميل لتحقيق التوازن المالي، وفق وكالة بلومبيرغ.
ويستقبل عدد من الباحثين بعض الاتفاقيات بنظرة مختلفة. فالخبيرة غريسلين باسكاران من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، ترى، في تصريح سابق لبلومبيرغ، أن شراكة بناء مصفاة للعناصر الأرضية النادرة داخل السعودية تمثل أحد أهم إنجازات الزيارة، نظراً لامتلاك المملكة رابع أكبر احتياطي عالمي من هذه المعادن، ولأن المعالجة في السعودية أقل تكلفة بفضل تدني أسعار الكهرباء.
وتمنح هذه الاتفاقيات واشنطن هامشاً أكبر لتقليل اعتمادها على الصين، التي تهيمن على أكثر من نصف قدرة تخصيب اليورانيوم عالمياً، وتمنح السعودية في المقابل نقطة دخول متقدمة إلى الصناعات الدفاعية والتقنيات المتقدمة.
الذكاء الاصطناعي وضمانات الدفاع
في ملف التكنولوجيا، وقّعت الرياض وواشنطن مذكرة تفاهم قد تتضمن بيع حزمة واسعة من شرائح الذكاء الاصطناعي. وتشير تيس دوبلانك–نولز من المركز الأطلسي إلى أن إدارة ترامب، رغم رفعها قيود بايدن، لا تزال تمسك بزمام تصدير الشرائح الأكثر تقدّماً، لأسباب تتعلق بمراقبة العلاقة السعودية – الصينية. وقد أعلنت شركة هيومين السعودية نيتها شراء 600 ألف شريحة من إنفيديا، إلى جانب تعاونها مع شركة xAI التابعة للملياردير الأميركي إيلون ماسك في سبيل إنشاء مراكز بيانات بقدرة 500 ميغاواط داخل المملكة.
في ملف الدفاع، يلفت دانيال شابيرو من مركز سكوكروفت قبل أيام، إلى أن ترامب لم يقدّم توضيحات حول ما إذا كان يطرح ضماناً أمنياً أحادي الجانب أو التزامات متبادلة، بينما كانت إدارة بايدن تتفاوض سابقاً على معاهدة تتضمن شروطاً تتعلق بالتعاون مع الصين وبوصول القوات الأميركية إلى الأراضي السعودية. أما صفقة إف 35 الحالية، فهي، بعكس صفقة الإمارات عام 2020، لا ترتبط مباشرة بمسار التطبيع مع إسرائيل، رغم تأكيد بن سلمان أنه لن ينخرط في اتفاقيات إبراهام من دون "مسار واضح" نحو دولة فلسطينية.