- بدأت السلطات العراقية باتخاذ إجراءات لمكافحة هذه الظاهرة، حيث تم ضبط مكاتب مخالفة وإحالة أصحابها للتحقيق، وكشفت التحقيقات عن قروض كبيرة لتمويل مشاريع متعثرة.
- يجرّم القانون العراقي الربا، لكن غياب الرقابة أدى لاستغلال المواطنين، مما يتطلب تشديد الرقابة وتوسيع بدائل التمويل القانونية لمكافحة الاستغلال.
سجّل نشاط "القروض الربوية" في العراق تصاعداً ملحوظاً بمنافذ صرف المعاشات الشهرية ومكاتب الصرافة المرخصة التي تستغل الضائقة المالية التي يعيشها ملايين الموظفين وذوي الدخل المحدود، في ظاهرة بدأت تثير قلقاً اجتماعياً لما تسببت به من مشاكل مع تزايد الشكاوى المتعلقة بها.
انتشرت المنافذ المالية المرخصة من الحكومة لتسليم الموظفين مرتباتهم، مقابل نسب مالية بسيطة لأصحاب تلك المنافذ، في معظم المحافظات العراقية، وبدأت منذ فترة غير قصيرة بالعمل على إقراض المواطنين مبالغ مالية مقابل توقيعهم على وصولات أمانة أو تعهدات مالية، ثم تستوفي المبالغ منهم لاحقاً بأقساط شهرية مع فوائد يحدد قيمتها صاحب المنفذ، من دون ضوابط مصرفية أو سند قانوني واضح، الأمر الذي أدى إلى دخول كثير من المقترضين في دوامة من الديون والعجز عن السداد.
ضبط منافذ مخالفة
ومع اتساع الظاهرة، بدأت الداخلية العراقية تحركات لمتابعتها. وبالفعل، ضُبط عدد من تلك المكاتب (المنافذ) وأُحيل أصحابها إلى التحقيق، وقد أعلنت وكالة الاستخبارات ببغداد، الأسبوع الفائت، إلقاء القبض على صاحب منفذ لصرف الرواتب بتهمة ممارسة الإقراض الربوي واستغلال المواطنين. بينما أعلن جهاز الشرطة في الأنبار غربي البلاد اعتقال عدد من المتورطين بأنشطة المراباة، من خلال استغلال حاجة العراقيين للقروض ومضاعفة فوائدها عليهم.
ووفقاً لضابط في مديرية مكافحة الجريمة المنظمة، في الوزارة، فإنه "خلال الأشهر الماضية سُجِّل عدد متزايد من البلاغات والشكاوى المتعلقة بمكاتب تمنح قروضاً ربوية، وقد أخذت الظاهرة تتسع في معظم المحافظات، مستفيدة من حاجة المواطنين إلى المال وسهولة الوصول إلى هذه المنافذ مقارنة بالمصارف".
وأضاف الضابط، الذي رفض ذكر اسمه، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "الأجهزة الأمنية أطاحت خلال الشهر الماضي أكثر من خمسة من أصحاب منافذ صرف الرواتب المتورطين بمنح تلك القروض"، موضحاً أن "التحقيقات كشفت عن حالات اقتراض بمبالغ كبيرة لشراء سيارات أو تمويل مشاريع صغيرة، إلا أن تعثر تلك المشاريع أو انخفاض دخل المقترضين أدى إلى عجزهم عن السداد، ما تسبب بنزاعات مالية وشكاوى قضائية وضغوط اجتماعية".
دائرة متواصلة من الديون
من جهته، يقول أحد المستفيدين من القروض الربوية، طالباً عدم ذكر اسمه، إن الأمر بدأ عندما أقنعه صاحب المنفذ بالحصول على مبلغ مالي سريع لتغطية التزامات أسرية وسداد ديون، مؤكداً لـ"العربي الجديد"، أن "الإجراءات كانت بسيطة ولم تتطلب سوى توقيع وصل أمانة، إلا أنني عجزت عن سداد الجزء الأكبر من القرض، فيما طلب مني صاحب المكتب التوقيع على وصولات بمبالغ إضافية شرط إمهالي فترة زمنية إضافية على السداد، وقد اضطررت لاحقاً إلى الاستدانة مجدداً لتغطية المبلغ، لأجد نفسي في دائرة متواصلة من الديون".
وتؤشر الظاهرة على اتساع محاولات التحايل واستغلال ظرف المواطنين وأزماتهم المالية، وقال الأكاديمي والباحث بالشأن المجتمعي، حسام العزاوي، لـ"العربي الجديد"، إن "الفجوة بين مستويات الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، باتت نقطة ضعف الكثير من المواطنين، وفي وقت يجد فيه كثير من الموظفين صعوبة في الحصول على قروض مصرفية نظامية بسبب الإجراءات المعقدة أو اشتراطات الضمان، فتح باب الاستغلال والتحايل من قبل أصحاب مكاتب الصرافة والمنافذ".
وأشار الى أن "الظاهرة بدأت تخرج باتجاه خلق أزمات ومشاكل بين أصحاب تلك المكاتب والمنتفعين من قروضهم، وهو ما بات يشكل عامل تأثير وضغط مجتمعي يجب التصدي له ومنعه قانونياً".
تجريم الربا
ويجرّم القانون العراقي العمل بالربا من خلال الإقراض الشخصي، ويفرض عقوبات تصل الى السجن 10 سنوات، تحت بند "الربا الفاحش"، لكنه ينظم عمل البنوك والمصارف الرسمية والخاصة، ضمن إطار الفوائد والأرباح التي أوجب أن تكون بنسب لا تتعدى 5%.
ولا تستند معظم هذه المكاتب إلى تشريعات مصرفية تنظم عمليات الإقراض، إذ يحدد أصحاب المنافذ بأنفسهم نسب الأرباح أو الفوائد التي يحصلون عليها من تلك القروض، وكل ذلك يجري بعيداً عن رقابة المؤسسات المالية، وهو ما يفتح الباب أمام استغلال المحتاجين وفرض التزامات مالية تثقل كاهل المقترضين.
وأسهم ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وارتفاع كلفة المعيشة في العراق، إلى جانب محدودية خيارات التمويل الرسمي، بتوسيع هذه الظواهر غير المنظمة، التي تستهدف بصورة خاصة الموظفين وأصحاب الدخل المحدود، ممن لا تكفي رواتبهم لتغطية احتياجاتهم حتى نهاية الشهر.
ولم تعد الظاهرة تمثل مجرد مخالفة مالية، بل تحولت إلى قضية اجتماعية، لما تخلقه من نزاعات قضائية وضغوط نفسية على المقترضين، والحد منها يتطلب تشديد الرقابة على تلك المنافذ، وتوسيع بدائل التمويل القانونية، وملاحقة الجهات التي تستغل حاجة المواطنين لتحقيق أرباح خارج الأطر القانونية.