متاجر قلب العاصمة التاريخية في تونس تتحول إلى منطقة أشباح
- يواجه تجار وسط العاصمة تحديات من التجارة الموازية وارتفاع التكاليف وضعف القدرة الشرائية، مما أدى إلى فقدان الوظائف وتراجع دور المدينة الاقتصادي.
- توسعت القطاعات الموازية لتستحوذ على أكثر من 50% من النشاط الاقتصادي، مما يعكس فجوة بين الأرقام الاسمية والواقع الاقتصادي، ويضع البلاد في مسار مالي غير مستدام.
في قلب العاصمة تونس لا تبدو الحركة التجارية في أفضل حالاتها، إذ أغلقت العديد من المحال التاريخية أبوابها، وأسدل التجار الستائر على واجهات كانت تمثل علامات بارزة في أكبر شوارع العاصمة ومراكز التسوق فيها.
يؤكد صاحب محل ساعات في مركب "الكوليزي" بقلب العاصمة، عادل بن ساسي، أن أغلب محلات المركب التاريخي أغلقت أبوابها، حيث تحوّل المكان من مركز تسوق فخم إلى فضاء موحش لا يرتاده إلا العابرون.
ويقول المتحدث لـ"العربي الجديد": تشهد محلات وسط العاصمة تونس حالة من الركود الحاد تنعكس بشكل مباشر على مصادر رزق مئات الأسر، وتغيّر المشهد التجاري التاريخي لقلب العاصمة.
ويضيف: "باتت العديد من الواجهات التجارية خالية من السلع، كما تغلق المحال أبوابها لساعات طويلة خلال النهار، أو تغلق نهائياً".
وتنشط المحال التجارية في قلب العاصمة أساساً في قطاعات النسيج والملابس والجلود والأحذية والمواد المنزلية والمصاغ والعطور والتحف، إلى جانب المقاهي والمطاعم السياحية ومطاعم الأكلات الشعبية.
ويؤكد المتحدث أن التجار أصبحوا يهجرون طوعاً محلات وسط العاصمة بسبب ارتفاع تكاليف الاستغلال والإيجارات، مقابل تراجع مداخيلهم وعدم قدرتهم على منافسة سلع القطاع الموازي والتسويق الإلكتروني، فضلاً عن تأثير تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وإقبالهم على السلع التي تُعرض خارج الواجهات المنظمة.
وعلى مدى عقود، كان لقطاع التجارة في وسط تونس دور مهم في توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في الخدمات اللوجستية والتوريد والتوزيع.
وحسب بن ساسي، لم يستطع تجار قلب العاصمة مقاومة ضغوط المنافسة الشرسة للتجارة الموازية وباروناتها، ما أدى إلى فقدان آلاف مواطن الشغل وتراجع دور المدينة بما هي محرّك اقتصادي.
وأضاف: "يواجه تجار قلب العاصمة اليوم التهميش التجاري الناجم عن الحضور القوي للتجارة الموازية التي أضرت بالنسيج التجاري والصناعة المحلية، ولا سيما صناعات النسيج والجلود".
ويشكو تجار المحال المنظمة في العاصمة تونس من صعوبات كبيرة تضعف قدرتهم على الصمود، نتيجة ارتفاع التكاليف المختلفة، بالإضافة إلى ضعف المقدرة الشرائية للمواطنين، وارتفاع أسعار المواد الأساسية، وعدم رفع الأجور طيلة سنوات، إلى جانب انتشار البطالة والفقر في كامل البلاد، وانحسار آليات البيع المقسط منذ إلغاء العمل بالشيكات.
ويقول الخبير الاقتصادي ورئيس الجمعية التونسية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، عبد الرزاق حواص، إن أغلب المحلات التجارية في قلب العاصمة، والمصنفة ضمن المؤسسات الصغرى والمتوسطة، عانت من أزمات متتالية على مدى أكثر من عقد من الزمن، انتهت بزوال العديد منها.
وأكد حواص أن انخفاض الاستثمارات التجارية والخدماتية يعكس مناخ أعمال متردياً يقف حاجزاً أمام توسّع النشاط التجاري التقليدي في العاصمة.
وأضاف: "في ظل صعوبة الوصول إلى التمويل، واحتمالية تفضيل البنوك للتمويل الحكومي على تمويل المشاريع الخاصة، يواجه التجار صعوبات في تحديث عروضهم أو التأقلم مع التحولات الاقتصادية".
وأشار رئيس الجمعية التونسية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة إلى أن الأزقة والساحات التي كانت تعجّ بالزبائن والسياح شهدت انخفاضاً ملحوظاً في عدد المترددين، ما أثر أيضاً على الخدمات المجتمعة مثل المقاهي والمطاعم والنقل داخل المدينة.
واعتبر المتحدث أن إغلاق المحلات يعني خسارة وظائف كانت تضمنها تلك الأنشطة، ما زاد من معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب الذين كانوا يلجؤون إلى العمل الجزئي داخل هذه المحلات لتغطية نفقاتهم اليومية.
وأفاد، في سياق متصل، بأن أغلب العقارات التجارية في قلب العاصمة هي محال تاريخية، وتصل أسعار الأصول التجارية فيها إلى مبالغ خيالية، كما أن إيجاراتها مرتفعة، وتُفرض على أنشطتها ضرائب مشطة، مقابل مردود مالي هزيل يجنيه التجار من بيع سلع لها نظائر بثمن أقل في السوق الموازية.
وبالإضافة إلى الخسائر الاقتصادية وفرص العمل المهدورة، يقول حواص إن واجهات المحلات المغلقة والمحال المهجورة تشوّه المنظر العام، وتؤثر سلباً على الانطباع الذي يتركه الزائر أو المستثمر عن العاصمة بوصفها مركزا اقتصاديا حيويا.
وتعاني تونس منذ سنوات صعوبات اقتصادية أثرت على بيئة الاستثمار والتجارة، فضلاً عن توسع القطاعات الموازية التي باتت تستأثر بأكثر من 50% من النشاط الاقتصادي.
وخلال الفترة الممتدة بين عامي 2000 و2025، لم يتجاوز متوسط نمو الناتج المحلي للبلاد 1.62%، حيث وصل إلى أعلى مستوى له، وهو 14.10%، في الربع الثالث من عام 2020، وأدنى مستوى قياسي، وهو -16.00%، في الربع الثاني من عام 2020.
وحذّر أستاذ الاقتصاد رضا شكندالي من خطورة المسار الذي يسلكه الاقتصاد التونسي، مؤكداً أن البلاد دخلت منذ سنوات في منوال مالي غير مستدام يقوم على التداين والضغط الجبائي بدل خلق الثروة والاستثمار.
وكشف شكندالي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن الناتج المحلي الإجمالي ارتفع من نحو 63 مليار دينار (21.7 مليار دولار) سنة 2010 إلى أكثر من 170 مليار دينار (58.6 مليار دولار) سنة 2025، غير أن هذا التطور لا يعكس تحسناً حقيقياً في خلق الثروة، بل يعود في جزء كبير منه إلى التضخم المالي. وأشار إلى أن نسبة التضخم ارتفعت من قرابة 3% سنة 2010 إلى ما يفوق 7% خلال السنوات الأخيرة، في حين ظل النمو الاقتصادي الحقيقي ضعيفاً في حدود 1% إلى 2%، ما يعكس فجوة عميقة بين الأرقام الاسمية والواقع الاقتصادي الفعلي.