لبنان بين نُذُر الحرب وشبح الانهيار الاقتصادي

12 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 00:30 (توقيت القدس)
غارة إسرائيلية على جنوب لبنان، 5 نوفمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يواجه لبنان تحديات اقتصادية كبيرة بعد الحرب الأخيرة في 2024، مع أضرار مادية وخسائر اقتصادية تقدر بـ 14 مليار دولار، وانكماش اقتصادي بنسبة 7.1%، مما أدى إلى نزوح داخلي وتعطيل الحياة اليومية.
- تأثرت القطاعات الاقتصادية مثل السياحة والزراعة بشكل كبير، مع فقدان 166 ألف وظيفة وتراجع الإيرادات الضريبية، بينما ارتفعت نفقات الطوارئ والإغاثة.
- حصل لبنان على قرض 250 مليون دولار لدعم الكهرباء، لكن التعافي يتطلب وقف إطلاق النار، وإعادة تأهيل القطاعات الحيوية، وآليات تمويل شفافة لاستعادة الثقة الاقتصادية.

مع كلّ طلقةٍ نار على الحدود الجنوبية، يرتجف اقتصادٌ أنهكته ستّ سنوات من الانهيار. فلبنان، الغارق منذ عام 2019 في أزمةٍ مالية ونقدية غير مسبوقة، يجد نفسه اليوم أمام اختبارٍ جديد: هدنةٌ هشة تُبقي الركود على حاله، أم عودة إلى التصعيد بما ينسف ما تبقّى من قدرةٍ على الصمود.

ورغم الغيوم السياسية والأمنية الكثيفة، ظلّ سعر صرف الليرة مقابل الدولار مستقرًّا خلال الأشهر الأخيرة من عام 2024، وهو ما يعكس توازنًا هشًّا أكثر مما يعكس متانةً اقتصادية حقيقية. ورغم هذا الاستقرار النسبي، يعيش لبنان ما يشبه الهدوء الماكر الذي يسبق العاصفة. فخلف الأرقام الثابتة تختبئ هشاشةٌ بنيويةٌ عميقة، إذ لا نموّ اقتصادياً فعليّاً، ولا استثمارات جديدة، ولا مؤشّرات على تعافٍ قريب.

الأسواق مجمّدة، والمصارف شبه غائبة عن الدورة الاقتصادية، والمستهلك اللبناني يكتفي بالحدّ الأدنى من الإنفاق. كلّ ذلك يجعل الاقتصاد الوطني رهينة التطوّرات السياسية والأمنية، يتحرّك على وقع التصريحات والمواجهات، أكثر مما يتحرّك وفق منطق السوق والإنتاج، وكأنّ البلد يعيش على أنفاس هدنةٍ قابلةٍ للانهيار في أيّ لحظة.

أرقام الحرب الأخيرة على لبنان في عام 2024 تُظهر حجم الصدمة الاقتصادية بوضوح. فقد قدّر البنك الدولي في تقريرٍ مرحليّ (DaLA) الكلفة الإجمالية للأضرار المادية والخسائر الاقتصادية بنحو 8.5 مليارات دولار حتى أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2024؛ منها 3.4 مليارات أضرار في البنية التحتية و5.1 مليارات خسائر في النشاط الاقتصادي.

كما رجّح أن يكون الصراع قد اقتطع نحو 6.6% من نموّ الناتج المحلي الحقيقي في 2024 قياسًا بما كان ممكنًا لولا التصعيد، مع تأكيده أنّ قطاع الإسكان كان الأشدّ تأثراً، إذ تضررت نحو 100 ألف وحدة سكنية كلياً أو جزئياً، إلى جانب خسائر واسعة في التجارة والزراعة والسياحة. ومع اكتمال التقييم السريع للاحتياجات (RDNA) في 20 ديسمبر/كانون الأول 2024، ارتفع تقدير الخسائر والأضرار إلى نحو 14 مليار دولار، فيما بلغت احتياجات إعادة الإعمار قرابة 11 مليار دولار موزّعة بين تمويل عام للبنية التحتية وتمويل خاص للقطاعات الإنتاجية.

وقدّر البنك الدولي أن الاقتصاد اللبناني انكمش في 2024 بنسبة 7.1%، ليتراكم بذلك انكماشٌ يقارب 40% منذ عام 2019. لم تقتصر الكارثة على الاقتصاد؛ فبحسب وزارة الصحة اللبنانية، تجاوز عدد القتلى حتى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 3600 شخص، فيما أصيب أكثر من 15 ألفًا. كما وثّقت الأمم المتحدة نزوح أكثر من 870 ألف شخص داخليًّا في ذروة التصعيد مع دولة الاحتلال، قبل أن تبدأ العودة تدريجيًّا بعد وقف إطلاق النار في نهاية 2024.

هذا النزوح عطّل العام الدراسي، وحوّل مئات المدارس إلى مراكز إيواء، وأغلق آلاف المؤسسات الصغيرة، خاصة في أقضية صور والنبطية ومرجعيون وبنت جبيل، ما أحدث شللاً في الدورة الاقتصادية المحلية. قطاع السياحة، الذي كان قد بدأ بالتعافي صيف 2024، تلقّى الضربة الأشد. فقد ألغيت الحجوزات وتراجعت نسب الإشغال الفندقي إلى مستويات حرجة، بينما تقلّص إنفاق المغتربين بصورة كبيرة.

ووفق تقرير لبنان إيكونوميك مونيتور (خريف 2024)، كانت إيرادات السياحة إحدى القنوات الرئيسية لانتقال الصدمة إلى الاقتصاد الحقيقي. أما على صعيد سلاسل الإمداد، فقد قفزت أقساط تأمين مخاطر الحرب على الرحلات الجوية والشحن البحري من وإلى لبنان وشرق المتوسط، ما انعكس مباشرة على كلفة النقل وأسعار السلع الأساسية كالوقود والقمح والدواء.

تقدّر بيانات البنك الدولي أنّ نحو 166 ألف لبناني فقدوا وظائفهم حتى أواخر أكتوبر الماضي، بخسائر في الأجور تقارب 168 مليون دولار. كما سجّل قطاع الزراعة خسائر بين 1.2 و1.3 مليار دولار نتيجة تدمير المحاصيل ونزوح المزارعين، ما يهدّد الأمن الغذائي ويضغط على الأسعار رغم ثبات سعر الصرف الاسمي. في المقابل، تراجعت الإيرادات الضريبية بفعل الركود وتوقف النشاط في الجنوب، فيما تضخّمت نفقات الطوارئ والإغاثة.

ورغم شحّ التمويل، حصل لبنان لاحقًا على قرضٍ بقيمة 250 مليون دولار من البنك الدولي لدعم قطاع الكهرباء ضمن برنامجٍ أوسع لإعادة الإعمار، مع الإقرار بأن فجوة التمويل تبقى كبيرة قياسًا بحاجات تُقدَّر بالمليارات. ماذا يعني كلّ ذلك للمرحلة المقبلة؟

أولًا، إنّ كلفة الحرب الاقتصادية مؤكّدة حتى في ظلّ سعر صرفٍ مستقر اسميًّا؛ فارتفاع مخاطر البلد يرفع كُلفة الأعمال والتمويل والتأمين ويكبح الاستثمار والسياحة.

ثانيًا، إن أولويات الإغاثة لا تتعارض مع إطلاق مسارٍ سريع لإعادة التأهيل في القطاعات الأكثر توليدًا لفرص العمل: الإسكان، الزراعة وسلاسلها، التجارة والخدمات. ثالثًا، ثبّتت التقييمات الدولية أنّ إعادة الإعمار ممكنة، لكنّها تتطلّب آليات تمويلٍ هجينة وإطار حوكمةٍ شفافًا يطمئن المانحين والمستثمرين.

يبقى الشرط الحاسم: استدامة وقف إطلاق النار. فبدون بيئةٍ آمنة، لا جدوى من أيّ برامج تعافٍ، ولن يُترجم استقرار الليرة إلى استقرارٍ سعريّ ومعيشي حقيقي. أمّا مع الاستقرار الأمني، فثمة نافذةٌ، ولو ضيّقة، لاستثمار الموارد المتاحة وتعبئة تمويلٍ إضافي يركّز على البنى التحتية والخدمات الأساسية وعودة الإنتاج.

فالبلد الذي خسر في 2024 ملياراتٍ إضافية من ناتجه وثروته المادية، يحتاج اليوم إلى هندسة تعافٍ اقتصادية تُبنى على وقائع الأضرار المُثبتة لا على الآمال، وعلى مصداقيةٍ مؤسسية تحمي كلّ دولار يُنفق في طريق العودة إلى الحياة.

وفي لحظةٍ تتشابك فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تبدو أرقام عام 2024 أكثر من مجرّد مؤشّرات مالية؛ إنها إنذارٌ مبكر لنظامٍ يقترب من حافة العجز الكامل. فكلّ تردّد في تثبيت الهدنة، أو تأخير في إطلاق مسارٍ جادّ لإعادة الإعمار، سيُضاعف الخسائر ويُغذّي حلقة الفقر التي تبتلع ما تبقّى من الطبقة الوسطى. المطلوب اليوم ليس شعارات إنقاذٍ أو وعودًا فضفاضة، بل إدارة واقعية وشفّافة للأموال، وإرادة سياسية تُعيد الثقة بالاقتصاد الوطني، قبل أن تتحوّل أرقام اليوم إلى تاريخٍ يُكتب عن دولةٍ فقدت فرصتها الأخيرة في النهوض.

المساهمون