كواليس استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي... لماذا طلب الرحيل؟

12 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 16:42 (توقيت القدس)
النواب مع محافظ مصرف ليبيا المركزي، بنغازي في 23 ديسمبر 2025 (فيسبوك)

جاء طلب محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى إعفاءه من منصبه في وقت يواجه فيه الاقتصاد الليبي ضغوطا متزايدة، في مقدمتها تراجع قيمة الدينار في السوق الموازية وارتفاع الأسعار، بالتوازي مع استمرار الخلافات حول الإنفاق العام وآليات إدارة موارد الدولة، بعد محاولات قادها المصرف خلال العامين الماضيين لتوحيد الإنفاق ووضع سقف للمصروفات الحكومية. وتقدم عيسى، في 10 أغسطس/آب الجاري، بطلب إلى مجلسي النواب والأعلى للدولة لإعفائه من منصبه، من دون الكشف عن الأسباب، مكتفيا بالإشارة إلى حساسيتها. ورفض المجلس الأعلى للدولة الاستقالة وطالبه بمواصلة أداء مهامه، بينما لم يعلن مجلس النواب حتى الآن موقفا نهائيا منها، رغم أن اللجنة المالية بالمجلس وجهت خطابا إلى رئاسته تطالب فيه بحثّ المحافظ على الاستمرار في منصبه.

وتولى عيسى منصب محافظ المصرف في أكتوبر/تشرين الأول 2024 خلفا للصديق الكبير، في إطار تسوية أنهت أزمة حادة حول قيادة المصرف المركزي، بعدما تحول منصب المحافظ إلى أحد أبرز ملفات الصراع بين المؤسسات والسلطات المتنافسة في شرق البلاد وغربها. وجاء اختياره في سياق تفاهم رعته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وأنهى الصراع على قيادة المصرف الذي انعكس حينها على النشاط الاقتصادي والسيولة وسوق الصرف. وركز عيسى منذ توليه المنصب على ملف الإنفاق العام، الذي ظل أحد أكثر الملفات حساسية في علاقة المصرف بالسلطات المتنافسة. وفي يوليو/تموز 2025، رفض إبداء ملاحظات المصرف على مشروع موازنة قدمه مجلس النواب، وطالب بإعادة النظر فيه وإعداد موازنة قابلة للتنفيذ بالتشاور مع المؤسسات المعنية والعمل ضمن موازنة موحدة.

ولم تنه تلك الخطوة الخلاف بشأن الإنفاق، خصوصا مع تنازع حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس والحكومة المكلفة من مجلس النواب في بنغازي على شرعية الصرف. وانخرط عيسى في نهاية العام الماضي في جهود لبناء إطار مالي موحد، انتهت بعد مداولات بين ممثلي مجلسي النواب والدولة بتوقيع الاتفاق التنموي الموحد في نوفمبر/تشرين الثاني 2025. وأعلن عيسى في إبريل/ نيسان الماضي توقيع ممثلي المجلسين الملحق الأول للاتفاق، بهدف ضبط الإنفاق في بند التنمية الذي ظل محل خلاف بين الحكومتين، خصوصا النفقات المتعلقة بالإعمار والإنشاء، ووصف الاتفاق بأنه أول توافق على إنفاق موحد على مستوى البلاد منذ أكثر من 13 عاما، واعتبره من أهم الخطوات نحو توحيد الإنفاق وإنهاء المسارات المالية المتوازية، وسط ترحيب من مجلسي النواب والدولة وحكومتي البلاد.

غير أن الخلافات حول حجم الإنفاق وتوزيعه وآليات تنفيذه استمرت، بالتزامن مع تبادل الاتهامات بين الحكومتين بشأن المسؤولية عن ارتفاع المصروفات العامة. وتجاوز الدين العام 300 مليار دينار (نحو 47 مليار دولار)، في ظل تعدد مراكز القرار المالي وعدم الالتزام بالمسار الذي كان يفترض أن يقود إلى إنفاق موحد. وقال مصدر مقرب من إدارة المصرف المركزي لـ"العربي الجديد" إن طلب عيسى إعفاءه من منصبه تقف وراءه مجموعة من الأسباب، مشيرا إلى أن "المحافظ لخص جانبا منها خلال أحد اجتماعاته مع لجنة توحيد المصرف المركزي المشكلة من مجلسي النواب والدولة".

وبحسب المصدر، أوضح عيسى أن المصرف "يستطيع توفير العملة الأجنبية ومعالجة أزمة السيولة ووضع رؤية شاملة لسياسة نقدية آمنة والعمل على تنفيذها، لكنه لا يستطيع بمفرده فرض سقف للإنفاق على الحكومات والمؤسسات السياسية، أو إجبار بعض الأطراف على إلغاء صفقات تتعلق بإنشاء شركات موازية للمؤسسة الوطنية للنفط تتولى بيع النفط خارج إدارتها وتحويل الإيرادات إلى حساباتها الخاصة".

وأشار المصدر إلى أن هذه الملفات تقف وراء وصف المحافظ أسباب طلب إعفائه بأنها "حساسة"، مضيفا أن "غالبية المصرفيين غير راضين عن استقالته، لكنهم يرون أن الأسباب التي دفعته إلى طلب الرحيل مقنعة". وسبقت طلب الإعفاء مؤشرات إلى تصاعد الخلاف حول إدارة الإنفاق العام. وأعلن مصرف ليبيا المركزي، مطلع يونيو/حزيران الماضي، توجيه خطاب إلى وزارة المالية حذر فيه من استمرار ارتفاع فاتورة المرتبات، موضحا أن متوسط الاعتمادات الشهرية المخصصة لها ارتفع من 6.113 مليارات دينار خلال 2025 إلى 6.211 مليارات خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، وأن استمرار الزيادة قد يؤدي إلى عجز في مخصصات الباب الأول بنهاية العام.

وعقد عيسى خلال الشهرين الماضيين سلسلة اجتماعات مع مسؤولين معنيين بملف الإنفاق، والتقى في نهاية مايو/ أيار لجنة توحيد المصرف المشتركة بين مجلسي النواب والدولة، وبحث معها تعزيز التنسيق بشأن الإصلاحات الاقتصادية والمالية. وفي الخامس من يوليو/تموز، اجتمع مع اللجنة المالية بمجلس النواب وناقش ملفي الإنفاق والإيرادات، ثم بحث مع عضو المجلس الرئاسي عبد الله اللافي سبل تنفيذ اتفاق الإنفاق الموحد. وفي اليوم التالي، ناقش مع المستشار المالي لرئيس الحكومة الإنفاق العام "في إطاره الموحد". وعقد عيسى في 10 يوليو اجتماعا مع لجنة متابعة المصرف المشكلة من المجلس الأعلى للدولة، وسلمها تقريرا عن أداء المصرف، وناقش معها نتائج السياسة النقدية في ظل الظروف القائمة ومدى تعاون الجهات التنفيذية والسياسات المالية والتجارية معها.

متوسط الاعتمادات الشهرية المخصصة للمرتبات (بالمليارات)
أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي

ويرى الأكاديمي وأستاذ الاقتصاد عبد السلام زيدان أن المحافظ، عند تسلمه مهامه، وجد نفسه في "مواجهة مجموعة متداخلة من المشكلات النقدية والمالية، في مقدمتها اتساع الطلب على النقد الأجنبي والضغط على سعر صرف الدينار"، وحاول توفير الدولار للمصارف وتمويل احتياجات السوق وضخ السيولة لمعالجة الاختلالات في القطاع المصرفي. وقال زيدان، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن "تراجع قدرة السياسة النقدية على التأثير في الاقتصاد، مع اعتماد البلاد شبه الكامل على عوائد النفط، واستمرار الاعتماد الواسع على النقد، وضعف تنوع مصادر العملة الأجنبية، شكل مجموعة من الضغوط التي أضيفت إلى أزمة الإنفاق". وأضاف أن "عدم امتلاك المصرف القدرة على التحكم في حجم الإنفاق العام، إلى جانب عدم انتظام تدفقات عوائد النفط وحجم الطلب على العملة الأجنبية، جعل محاولاته للحفاظ على استقرار سعر الصرف والسيطرة على التضخم وتوفير السيولة والنقد الأجنبي أكثر صعوبة".

واعتبر زيدان أن أساس المأزق الذي واجهه عيسى يتمثل في "اختلال العلاقة بين السياستين النقدية والمالية، إذ أصبح المصرف يتحمل كلفة قرارات إنفاق لا يملك أدوات التحكم فيها، فيما تؤدي الإجراءات النقدية لمعالجة أزمة السيولة وتوفير النقد الأجنبي إلى زيادة الضغط على الاحتياطيات". وأشار زيدان إلى أن الضغوط السياسية كانت ضمن الصعوبات التي واجهها المحافظ، قائلا إن الحكومات "التفت على الاتفاق التنموي الذي كان الهدف منه ضبط الإنفاق في بند التنمية، إذ التزمت نسبيا بما اتفق عليه في هذا البند، لكنها اتجهت إلى بنود أخرى للحصول على مزيد من الأموال، وعلى رأسها المرتبات والمحروقات".

واستشهد زيدان بمخاطبة المصرف وزارة المالية بشأن ارتفاع مخصصات المرتبات خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، إلى جانب تضخم فاتورة المحروقات التي تجاوزت مليار دولار خلال مايو/أيار الماضي، وقال إن هذه المؤشرات تعني أن الاتفاق التنموي الموحد "بدأ يفقد وظيفته الأساسية أداةً لضبط الإنفاق، لأن المشكلة لم تعد في غياب الاتفاق، وإنما في قدرة الأطراف السياسية على الالتفاف عليه أو إعادة توزيع الإنفاق عبر أبواب أخرى". وبحسب زيدان، وضعت هذه التطورات المحافظ أمام "معادلة مستحيلة"، تتمثل في استخدام أدوات المصرف لتمويل آثار الإنفاق والحفاظ على استقرار السوق على المدى القصير، بما يضغط على الاحتياطيات ويؤجل المشكلة، أو التشدد في استخدام هذه الأدوات وتحمل تبعات ارتفاع الأسعار وسعر الصرف.

ويرى زيدان أن تداعيات الاستقالة، في حال قبولها، يمكن أن تتجاوز شغور منصب المحافظ إلى الثقة في قدرة المصرف على إدارة السياسة النقدية خلال مرحلة شديدة الحساسية، خصوصا مع تفاعل سوق الصرف مع التطورات المرتبطة بقيادة المصرف، وقال إن الارتفاع السريع في سعر صرف العملات الأجنبية في السوق الموازية عقب إعلان طلب الاستقالة يشير إلى حساسية السوق تجاه أي فراغ أو انتقال غير منظم في قيادة المصرف، محذرا من أن ذلك يمكن أن يزيد الضغط على الدينار ويرفع حالة عدم اليقين لدى المصارف والمتعاملين. وأضاف أن الاتفاق على محافظ جديد لن يلغي التحديات المالية والنقدية القائمة، بينما يمكن أن يؤدي تكرار تغيير المحافظين إلى زيادة ارتباط المنصب بالصراع بين المؤسسات السياسية.

ولم يستبعد زيدان أن يكون طلب عيسى إعفاءه من منصبه "أداة ضغط أكثر منه قرارا نهائيا بالمغادرة"، خصوصا أنه لم يكشف أسباب الطلب واكتفى بالإشارة إلى حساسيتها. وقال زيدان إنه إذا صح هذا الاحتمال، فقد يكون المحافظ أراد وضع الأطراف السياسية أمام كلفة استمرار الإنفاق غير المنضبط، وإيصال رسالة بأن المصرف المركزي لا يستطيع بمفرده تحمل مسؤولية اختلالات ناتجة عن قرارات مالية تتخذها مؤسسات أخرى.