كاليفورنيا في قلب العاصفة… كيف تؤثر احتجاجات لوس أنجليس على الاقتصاد الأميركي؟
استمع إلى الملخص
- تواجه الولاية تحديات مثل حرائق الغابات وارتفاع الجريمة، مما يؤثر على البنية التحتية وسلاسل التوريد، بينما تسعى الحكومة الفيدرالية لتقليل الاعتماد عليها.
- الاحتجاجات في لوس أنجليس أثرت على الاقتصاد المحلي، مع تعطل ميناء لوس أنجليس وارتفاع تكاليف النقل، مما قد يؤدي إلى هجرة الشركات وتراجع ثقة المستثمرين.
كل مرة تشهد فيها ولاية كاليفورنيا اضطرابا سياسيا أو كارثة طبيعية أو موجة عنف واسعة النطاق، لا يكون التأثير محليا فحسب، بل يتردد صداه في عمق الاقتصادين الأميركي والعالمي. فمن حرائق الغابات والانهيارات الأرضية، إلى المظاهرات والاحتجاجات الشعبية كما يحدث حاليا في لوس أنجليس، تظل كاليفورنيا محورا حساسا يمكن لاضطرابه أن يربك أداء الاقتصاد الأميركي ، خاصة مع أهمية الولاية الاقتصادية والمالية.
ويوضح تقرير مكتب إدارة الحوكمة في ولاية كاليفورنيا الصادر في أكتوبر 2024 أن الناتج المحلي للولاية وصل إلى نحو 3.9 تريليونات دولار عام 2023، أي ما يعادل 14% من الناتج الوطني البالغ 27.7 تريليون دولار. وعند إضافة النمو القوي الذي تحقق في عام 2024، ارتفع الناتج إلى حوالي 4.1 تريليونات دولار، متقدما على اليابان ليحتل المرتبة الرابعة عالميا، متفوقا على العديد من اقتصادات الدول الكبرى.
العمود الفقري في الاقتصاد الأميركي
تشكل كاليفورنيا العمود الفقري للاقتصاد الأميركي عبر عدة قطاعات رئيسية، هي: قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات "وادي السيليكون" الذي يضم مقار شركات مثل أبل، غوغل، وميتا، والتي تبلغ قيمتها السوقية مجتمعة أكثر من 7 تريليونات دولار، بحسب بيانات ناسداك. وقطاع الزراعة، إذ تنتج الولاية ثلث الخضروات وثلثي الفواكه والمكسرات في الولايات المتحدة، وفق وزارة الزراعة الأميركية. وقطاع الترفيه "هوليوود" وقطاع الأفلام اللذان يدران أكثر من 100 مليار دولار سنويا، وفق اتحاد الأفلام السينمائية (Motion Picture Association). إلى جانب قطاع التصنيع والتصدير.
وحسب بيانات 2023، فإن ولاية كاليفورنيا تحقق نحو 9% من صادرات السلع الأميركية، و20% من صادرات الخدمات، و17% من صادرات الزراعة الوطنية، إضافة إلى 18% من صادرات المنتجات الإلكترونية والحاسوبية. كما أنها تضم عددا غير قليل من أكبر شركات العالم، فهناك 78 من أهم 100 شركة مدرجة في قائمة فورتشن 100 و337 شركة من قائمة فورتشن 500، وهذا يدعم وضع الولاية مركزا اقتصاديا قويا ومؤثرا. غير أن هذه المعطيات تمثل مصدر قوة اقتصادية كبيرة، إلا أن أي اهتزاز أو اضطراب ينشأ في كاليفورنيا ينعكس مباشرة على أداء الاقتصاد الأميركي، وتتحول هذه القوة الاقتصادية إلى "نقطة فشل محتملة" للاقتصاد الوطني.
وشهدت كاليفورنيا بين 2017 و2021 حرائق غابات كلفت الاقتصاد الأميركي 85 مليار دولار وفق مركز أبحاث المحيط الهادئ "Pacific Research Center". وهذه الكوارث لا تدمر البنية التحتية فحسب، بل تعطل سلاسل التوريد العالمية، خاصة في الزراعة. كما أن ارتفاع معدلات الجريمة في مدن مثل سان فرانسيسكو (زيادة بنسبة 11% في 2023 حسب بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي) دفع شركات مثل سيسكو وأوراكل إلى نقل مقارها إلى ولايات أخرى. كما أن سياسات الهجرة المثيرة للجدل تؤثر على القوى العاملة، خاصة في الزراعة، حيث يعتمد القطاع على 70% من العمال المهاجرين، وفق مركز "بيو".
وتعمل الحكومة الفيدرالية في واشنطن على سياسات للتخفيف من اعتماد الاقتصاد الأميركي على كاليفورنيا، منها تشجيع التصنيع في ولايات أخرى (مثل تكساس وأريزونا) عبر حوافز ضريبية، وفق مجلس التنمية الاقتصادية. والاستثمار في الطاقة المتجددة لتعويض انقطاعات الكهرباء المتكررة في كاليفورنيا بسبب الحرائق، كما في خطة البيت الأبيض للبنية التحتية. لكن الخبراء يحذرون من أن "فصل" الاقتصاد الأميركي عن كاليفورنيا مستحيل بسبب تشابك سلاسل القيمة، كما يوضح تقرير معهد "بروكينغز".
شرارة التأثير
وشهدت مدينة لوس أنجليس خلال الأيام الماضية مواجهات واحتجاجات حادة بسبب عمليات إنفاذ قوانين الهجرة التي نفذتها إدارة الرئيس دونالد ترامب بشكل مفاجئ وتصعيدي، مما أدى إلى اضطرابات كبيرة انعكست على الاقتصاد المحلي للمدينة والولاية بشكل عام. ورغم أن الاحتجاجات جاءت محصورة جغرافيا في البداية، فإن انتشار أعمال العنف والنهب وتقييد الحركة في عدة أحياء رئيسية أثر بشكل مباشر على النشاط التجاري والخدمي في قطاعات التجزئة والمطاعم والسياحة. كما أثر على سلاسل التوريد من ميناء لوس أنجليس وإليه، الذي يُعتبر الأكبر في البلاد، وأثر كذلك على المقار الإدارية لشركات تكنولوجيا وترفيه باتت تعمل عن بعد أو أوقفت نشاطها مؤقتا.
وتشير تقارير محلية إلى أن إجمالي الخسائر المباشرة خلال الأسبوع الأول من المواجهات تجاوزت 800 مليون دولار، منها أضرار بالممتلكات، وخسائر تشغيل، وتأمين، وركود في النشاط السياحي، الذي يعد قطاعا حساسا ومصدرا لتوظيف مئات الآلاف في الولاية. ورغم أن الأحداث وقعت داخل ولاية واحدة، إلا أن طريقة ترابط الاقتصاد الأميركي تجعل التأثير يمتد بالضرورة إلى كامل البلاد وفق محللين.
في القطاع اللوجستي وسلاسل التوريد، يتعامل ميناءا لوس أنجليس ولونغ بيتش مع أكثر من 40% من واردات الولايات المتحدة البحرية، بما في ذلك الإلكترونيات والملابس وقطع الغيار. وأي تباطؤ في عمليات الشحن أو التفريغ نتيجة اضطرابات أمنية يؤدي إلى نقص مؤقت في السلع في ولايات أخرى، وارتفاع كلفة النقل والتأمين، وتعطل خطوط الإنتاج في المصانع التي تعتمد على مكونات قادمة من الخارج.
وفي قطاع التكنولوجيا أيضا، الذي يمثل القلب النابض للاقتصاد الرقمي، مع أن الشركات الكبرى مثل أبل، وأمازون، وإنفيديا، وتسلا تملك مراكز إنتاج وتوزيع خارج الولاية، إلا أن القيادة الإدارية والبحث والتطوير تتم في كاليفورنيا. وبالتالي، فإن استمرار التوترات أو تعطل البنية التحتية، بما في ذلك الاتصالات والطاقة، قد يؤثر على تأخير إطلاق المنتجات الجديدة، وتوقف عمليات التمويل أو الشراكات الدولية، وتقلب أسهم التكنولوجيا في وول ستريت بسبب قلق المستثمرين.
فكاليفورنيا ليست مجرد ولاية منتجة، بل تمثل واجهة لما يُعرف بـ "النموذج الأميركي". عندما تضطرب، تتأثر ثقة المستثمرين العالميين، خاصة في صناديق وبنوك الاستثمار المرتبطة بأسهم التكنولوجيا. كما يتأثر مؤشر ثقة المستهلك الأميركي عندما يرى اضطرابًا في واحدة من أكثر الولايات استقرارًا وإنتاجية.
خسائر فورية
وتسببت احتجاجات لوس أنجليس في خسائر فورية بعدة قطاعات اقتصادية رئيسية في المدينة، ووفقا لبيانات رسمية من غرفة تجارة لوس أنجليس، تجاوزت الخسائر المباشرة 400 مليون دولار منذ بدء المظاهرات. وأغلقت أكثر من 450 مؤسسة تجارية أبوابها تحسبا لأعمال العنف، بما في ذلك متاجر كبرى في مناطق داونتاون وهوليوود. وأشارت شركة "سيفتي كونسلتنج" المتخصصة في الأمن التجاري إلى أن 60% من المحال في المناطق المتأثرة علقت نشاطها بشكل كامل.
وتأثر ميناء لوس أنجليس -البوابة التجارية الأهم على الساحل الغربي- بشكل بالغ بالاضطرابات الأمنية. وكشف مدير الميناء جين سيروكا عن تعطل حركة 85 سفينة شحن، مع تأخير متوسط يصل لخمسة أيام لكل منها. وبلغت الخسائر اليومية الناجمة عن هذا التعطيل 32 مليون دولار، وفق الحسابات الرسمية لإدارة الميناء. وأكدت مصادر في اتحاد عمال الموانئ أن أكثر من 5000 عامل اضطروا للتوقف عن العمل بسبب الظروف الأمنية.
وأدى تعطيل حركة النقل إلى شلل شبه كامل في سلاسل التوريد المحلية. وذكرت رابطة النقل بالشاحنات في كاليفورنيا أن 40% من الشحنات البرية لم تصل إلى وجهاتها في الموعد المحدد. وارتفعت أسعار الشحن المحلي بنسبة 45% خلال 72 ساعة فقط، بحسب بيانات منصة "فريت ويفز" اللوجستية. كما سجلت محطات الوقود في المناطق المتأثرة انخفاضا بنسبة 30% في المبيعات بسبب صعوبة وصول الشاحنات.
وتكبد قطاع الترفيه -إحدى أهم ركائز اقتصاد لوس أنجليس- خسائر جسيمة بسبب الاضطرابات. فقد أوقفت استوديوهات كبرى مثل "وورنر برذرز" و"يونيفرسال" عمليات التصوير تحسبا لأعمال العنف. وكشف اتحاد منتجي السينما عن خسائر يومية تقدر بـ 18 مليون دولار من تعطيل الإنتاج. كما ألغيت عروض مسرحية في برودواي هوليوود بقيمة تذاكر تتجاوز 2.5 مليون دولار، بحسب بيانات النشرة الطارئة للاتحاد.
وحذر خبراء في معهد ميلكن للأبحاث من احتمال هجرة بعض الشركات إلى ولايات أخرى إذا استمرت الاضطرابات. وأظهرت بيانات سوق العقارات انخفاضا فوريا بنسبة 15% في طلبات الاستثمار التجاري. بينما أعلنت شركات التأمين عن نيتها مراجعة أقساط التغطية للمنشآت التجارية في المناطق المتأثرة، بحسب تقرير صادر عن معهد ميلكن.
مؤشرات سلبية
على الرغم من حجم اقتصاد كاليفورنيا الكبير، إلا أن معدل البطالة يبقى مرتفعا نسبيا، حيث بلغ 5.3% في أواخر إبريل/نيسان 2025، وهو من بين الأعلى على مستوى الولايات الأميركية. وأظهرت تقديرات مكتب المحللين في الولاية (LAO) وإحصائيات بيكون إيكونوميكس (Beacon Economics) أن نمو القوى العاملة كان بطيئاً للغاية، فلا يزيد على 0.6% منذ فبراير/شباط 2020. والسبب الأساسي هو أزمة الإسكان المزمنة، التي تحبس الكثير من العمال بعيدا عن سوق العمل. تمثل هذه المعطيات نقطة ضعف خانقة؛ حيث إن البطالة المرتفعة تضعف القوة الاستهلاكية للعائلات، مما يؤثر بشكل مباشر على إنفاق المستهلكين وتحركات عجلة الاقتصاد الأميركي بشكل عام.
وشهد كثير من الصناعات، وبخاصة قطاع التكنولوجيا في وادي السيليكون، تراجعاً ملحوظاً؛ إذ فقدت آلاف الوظائف خلال العامين الماضيين، حتى في ظل التصريحات الرسمية المتفائلة. كما أظهرت بيانات حديثة أن معدل بطالة الباحثين عن العمل يفوق عدد الوظائف المتاحة بنسبة 1.6 إلى 1 وشروع كاليفورنيا في زيادة الإعانات لدعم صناعة السينما والتلفزيون يعكس تقلصها بسبب انتقال الإنتاج إلى ولايات ذات تكاليف أقل، ما يعني أن الانكماش لا يقتصر على التكنولوجيا فحسب. وتراجع هذه القطاعات يقلل من القدرة التنافسية للولايات المتحدة عموماً، خصوصاً في مجالات التصدير والاستثمار العالمي.
ورغم هذه المؤشرات السلبية تبقى كاليفورنيا ركيزة لا غنى عنها في المنظومة الاقتصادية الأميركية؛ فهي تمثل اقتصادا رقميا ضخما، ومركزا للابتكار والتصدير، ومجالا رئيسيا للاستثمار. لكن هذا العملاق الاقتصادي يواجه أزمات "داخلية" تتعلق بالاستدامة المالية، وأداء سوق العمل، وارتفاع البطالة، وضعف الإسكان وسط نمو سكاني غير كاف. والاضطراب الاقتصادي في كاليفورنيا يؤثر بشكل مباشر على الناتج الوطني وعلى المواقع العالمية للولايات المتحدة. لذا، فإن معالجة التحديات التي تواجه الولاية هي ضمان لثبات واستمرارية النمو الأميركي.