فرنسا تخفض عجز الموازنة من جيوب المرضى

17 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 04:33 (توقيت القدس)
فرنسا تتصدر أوروبا في الإنفاق العام، باريس، 25 يوليو 2026 (فرانس برس)

تبحث حكومة فرنسا عن نفقات يمكن خفضها في قطاعات عدة، من المبالغ التي يسددها التأمين الصحي لتغطية العلاج إلى تعرفة الطاقة المخفضة لموظفي الشركات العامة، وذلك ضمن سعيها إلى إعداد موازنة عام 2027 وتقليص العجز. يأتي هذا في وقت بلغ فيه العجز العام 5.1 % من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2025، وبات بلوغ الهدف الحكومي المحدد عند خمسة في المئة هذا العام صعب المنال. ومع إعلان رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو أن مشروع الميزانية لن يتضمن زيادة في الضرائب، بات خفض النفقات خيار الحكومة الرئيسي، ما يدفعها إلى البحث عن مبالغ يمكن توفيرها، ولو كانت محدودة، في برامج وامتيازات متفرقة. 

وتنص التوجهات الأولى التي حددتها الحكومة للميزانية المقبلة على خفض الأموال المخصصة لسياسات العمل والتوظيف، ولبرنامج "فرنسا 2030" للاستثمار في الصناعة والابتكار، إلى جانب الحد من المساعدات الخارجية. وتدرس أيضاً تقليص تعرفة الكهرباء والغاز المخفضة التي يستفيد منها موظفو شركة كهرباء فرنسا "إي دي إف"، وموظفو شركات أخرى في القطاع ومتقاعدوها، بعدما قدّر ديوان المحاسبة الفرنسي أن هذا الامتياز كلّف مجموعة "إي دي إف" أكثر من 700 مليون يورو عام 2024. أما الخطط التي قد تطاول العدد الأكبر من الفرنسيين فتتعلق بالصحة، إذ تسعى السلطات إلى خفض ما يسدده التأمين الصحي عن بعض الأدوية وعلاج الأسنان والمعدات الطبية والنقل الصحي. وسيتعين بذلك على شركات التأمين التكميلي تحمّل حصة أكبر من نفقات العلاج، وهو ما يرجح أن يؤدي لاحقاً إلى ارتفاع الاشتراكات التي يسددها المؤمَّن عليهم. 

وأثارت خطة مضاعفة السقف السنوي لما يتحمله المرضى من كلفة العلاج اعتراضات واسعة. ويتحمل المريض حالياً يورو واحداً عن كل علبة دواء، و2 يورو عن كل زيارة إلى الطبيب، إلى جانب مبالغ محددة عن الفحوص وخدمات التمريض والنقل الصحي. ووفق القواعد المعمول بها، لا يمكن أن يتجاوز مجموع هذه الاقتطاعات 100 يورو سنوياً لكل شخص، لكن الحكومة تعتزم رفع هذا الحد إلى 200 يورو، مع إبقاء المبلغ المقتطع عن كل دواء أو زيارة على حاله. ويعني ذلك أن المرضى الذين يحتاجون إلى أدوية واستشارات متكررة سيكونون أول من يبلغ السقف الجديد. 

تقديرات توفير النفقات الصحية في فرنسا
أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي

في حديث إلى "العربي الجديد"، تقول كاترين سيمونان، العضو في مجلس الإدارة الوطني لـ"الرابطة الفرنسية لمكافحة السرطان"، وفي لجنة المجتمع والسياسات الصحية التابعة لها، إن القرار سيطاول بصورة خاصة مَن يتجاوز دخلهم بقليل الحد الذي يسمح لهم بالاستفادة من التأمين الصحي التكميلي التضامني المخصص لذوي الدخل المحدود. وتضرب مثلاً بمتقاعد يتقاضى 1200 يورو شهرياً، لكنه لن يستطيع تحمل 100 يورو إضافية بالسهولة نفسها التي يتحملها شخص يبلغ دخله عدة آلاف يورو. وتُعفى من هذه الاقتطاعات فئات محددة، بينها القاصرون والحوامل والمستفيدون من هذا التأمين، لكنها تُفرض على معظم البالغين، بمن فيهم المصابون بأمراض مزمنة، حتى عندما يغطي التأمين الصحي علاج مرضهم بالكامل. وتتوقع الحكومة أن يوفر رفع السقف 750 مليون يورو سنوياً، ضمن إجراءات يُنتظر أن تخفض نفقات التأمين الصحي بنحو 2.15 مليار يورو خلال عام 2027. 

وبالنسبة إلى مرضى السرطان، لا تقتصر الكلفة على العلاج الأساسي؛ فقد يحتاج المريض إلى عدد كبير من الأدوية والاستشارات لمعالجة الألم والآثار الجانبية، إضافة إلى مصاريف التنقل والدعم النفسي والتغذية وغيرها. لذلك لا تعني تغطية علاج السرطان بنسبة 100 % أن المريض لا يدفع شيئاً، إذ تبقى على عاتقه تكاليف مرتبطة بالمرض لا يعوضها التأمين الصحي دائماً. وترفض سيمونان تبرير الاقتطاعات بالرغبة في دفع المرضى إلى الحد من الإنفاق على العلاج، لأنهم لا يختارون الأدوية والفحوص بأنفسهم. تقول إنه "عندما يصف الطبيب دواءً ما، فهذا يعني أنه حدد حاجة المريض إليه. وإذا ترتب على شرائه اقتطاعٌ مالي، فقد لا يشتريه المريض أو لا يتناوله". وترى أن الحد من الوصفات غير الضرورية يجب أن يبدأ من مراجعة ممارسات الأطباء، لا من زيادة ما يدفعه المريض بعد حصوله على الوصفة. 

وتخشى جمعيات الدفاع عن المرضى أن يدفع تراكم هذه النفقات بعض أصحاب الدخل المحدود إلى تأجيل العلاج، ما قد يفاقم وضعهم الصحي. وتشير سيمونان إلى أن المتابعة الغذائية والدعم النفسي وعلاج الأسنان هي أكثر ما يؤجله مَن تقل دخولهم عن 2000 يورو شهرياً، رغم أهميتها لمرضى السرطان. وتحذر من أن تدهور حالة المريض بسبب تأخر العلاج قد ينتهي بإدخاله المستشفى، حيث تصبح كلفة علاجه أعلى ممّا أرادت السلطات توفيره أوّل الأمر. ورفض مجلس الصندوق الوطني للتأمين الصحي مشاريع المراسيم المتعلقة بخفض بعض التعويضات، كما صوّتت غالبية أعضائه ضد مشروع المرسوم الخاص بمضاعفة سقف الاقتطاعات. لكن رأي المجلس استشاري ولا يلزم الحكومة، ومن المنتظر أن تصدر هذه المراسيم خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة من دون عرضها على البرلمان. وإذا مضت الحكومة في خطتها، فستُقتطع المبالغ التي سيوفرها رفع السقف من تعويضات الأشخاص الأكثر حاجة إلى الأدوية والاستشارات الطبية.