استمع إلى الملخص
- تميزت تلك الفترة بصراع فكري بين المدرسة الكنزية التي دعت إلى تدخل حكومي أكبر والمدرسة الرأسمالية الكلاسيكية، مما أبرز عدم كفاية النماذج الاقتصادية التقليدية.
- يواجه العالم العربي تحديات كبيرة بسبب الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية، مع تفاقم البطالة وسوء توزيع الثروة، مما يتطلب سياسات منسقة ومستقلة لضمان مستقبل أفضل.
هل يعيش العالم كلّه في الوقت الحاضر أزمة فكرية، وأنه يخلو من أي نماذج اقتصادية متكاملة يمكن تحويلها من فكر إلى واقع يطمئن الناس فيه على أن أرزاقهم بحدها الأدنى الإنساني مضمونة، وأن التفاوت الكبير في الثراء يؤدي إلى ما سمّاه الاقتصادي الأميركي "جون كينيث غالبريث" بـ"العداء القوي للفهم".
في عقد السبعينيات من القرن الماضي، وإبّان عهد الرئيس الأميركي الجمهوري ريتشارد نيكسون شهد الدولار انخفاضَين كبيرَين على سعر صرفه مقابل الذهب. وبلغت قيمة ذلك الانخفاض حوالى 40%، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار في الأسواق، وسعر الفائدة على الودائع والقروض، وإلى التراجع الواضح في نسبة النمو. وما كاد عام 1973 ينقضي وتندلع حرب أكتوبر حتى أدرك الرئيس الأميركي أن الحروب وبخاصة حرب فيتنام، لا تخلق نمواً في الاقتصاد عن طريق بيع الأسلحة وإضعاف الأعداء، بل إنّ ثمنها سيكون باهظاً.
وقبل انتخاب الرئيس نيكسون في أواخر عام 1972 لفترة ثانية قام بإرسال وزير خارجيته، هنري كيسينجر، في زيارة سرية إلى الصين الشعبية خلال شهر يوليو/ تموز من عام 1971، وأرسله في زيارة ثانية مُعلنة في شهر أكتوبر/ تشرين الثاني من ذلك العام. وأدت تلك الزيارتان إلى تطبيع العلاقات مع الدولة الشيوعية، ومهدت الطريق لإنهاء حرب فيتنام خلال ربيع العام 1973.
ومن منّا لا يتذكر منظر الجنود الأميركيين وكثير من أهل فيتنام الذين حاربوا معهم وهم يركضون خلف طائرات الهيلوكوبتر طلباً للهروب والنجاة. وقد برزت تلك المشاهدات بوضوح في المسرحية "الآنسة سايغون" أو Miss Saigon التي استندت إلى الأوبرا الغنائية "مدام باترفلاي" والتي وضع موسيقاها بوتشيني. وقد اتخذت هذه القرارات الهامة حين بدأت اللوبيات الرأسمالية والمعتمدة على مبيعات الأسلحة وإشعال الحروب في محاصرة الرئيس نيكسون.
وقد أدى ذلك إلى ما يعرف لاحقاً بفضيحة ووترغيت. حين اكتشف صحافيان يعملان في صحيفة واشنطن بوست أن خمسة أشخاص من أصول كوبية كانوا قد تجسّسوا لصالح الرئيس نيكسون وبأوامر منه، ما أهاج الحزب الديمقراطي. وقد شهد العالم من خلال شاشات التلفزة الرئيس نيكسون يهان من مراسل المحطة الشهيرة (CBS).
وقد وقف هذا المراسل المعروف بعدائه السافر للرئيس نيكسون وسأله إن كان ينوي الاستقالة، ولما وقف "دان راذر" ليسأل عرّف على نفسه، ما دفع الحضور إلى التصفيق تأييداً للصحافي أو انتقاداً له بالصفير وصيحات الاحتجاج.
فسأله الرئيس نيكسون "هل تنوي الترشح لمنصب عام؟"، فأطرق الصحافي ثم عقب بسرعة قائلاً "لا يا سيدي الرئيس، هل تنوون أنتم ذلك؟"، وقد أظهرت تلك اللحظة أن الرئيس فقد كل أوراقه وهيمنته، وأن الطريق نحو انتهاء حكمه قد قارب على النهاية، ولم يلبث بعد هذه المواجهة أن استقال عام 1974.
والمهم من سرد هذه الحكاية التي عايشتها بنفسي أثناء دراستي للحصول على الدكتوراه، أن مشاعري قد تقلبت بين الحيرة والشك. وقد عانت إدارة الرئيس نيكسون من تطورات اقتصادية عدّة أهمها ارتفاع أسعار النفط بعد حرب رمضان أو حرب أكتوبر عام 1973، نتيجة لتهديد الراحل الملك فيصل بن عبد العزيز بوقف إمدادات النفط إن لم تتوقف الحرب ضد مصر. والأمر الثاني الذي سبق ارتفاع أسعار النفط هو ما ذكرناه من تخفيض سعر الصرف الدولار مرتَين متتاليتَين في العامين 1971 و1972 بنسبة تبلغ 40%.
والأمر الثالث، إنهاء حرب فيتنام بعد اتفاق السلام في باريس، ومنظر القوات الأميركية وهي تغادر سايغون عاصمة فيتنام الجنوبية في العام 1973 واحتلال قوات "هوشي منه" وتغيير اسمها إلى اسم زعيم فيتنام مدينة "هوشي منه" وتحويل العاصمة لكل فيتنام الموحدة في "هانوي".
كل هذه التطورات وغيرها بدأت تشكل هاجساً لدى الولايات المتحدة والغرب كله بأن التحولات العالمية لا تسير في صالحهم، وأن المستفيدين الكبار من تطبيق النظرية الرأسمالية التي كانت تتبناها "مدرسة شيكاغو" الاقتصادية برعاية الاقتصادي "ميلتون فريدمان" لم تكن عادلة أو منصفة، وأن المستفيدين منها استخدموا نفوذهم بعناد لكي لا يسمحوا بمصادر ثروتهم أن تنضب أو بالثروة التراكمية لهم أن تتناقص.
وقد احتدم الصراع بين الاقتصاديين المتأثرين بالمدرسة الكنزية، وأولئك أصحاب الفكر الرأسمالي الكلاسيكي. وقد تركزت المدرسة الكنزية في جامعة هارفارد، ومن أبرز قادتها هو الاقتصادي جون كينيث غالبريث، ومدرسة شيكاغو الكلاسيكية بقيادة ميلتون فريدمان. وقد كان النقاش حامياً، وفي تلك الفترة، وافق غالبريث بعدما قرر الاعتزال على طلب من "بي بي سي" وغيرها أن يُعد 15 حلقة تلفزيونية بعنوان "عصر الشك"، قارن فيها بين وضوح الفكر والواقع الاقتصادي الأميركي في نهاية القرن التاسع عشر، وضبابيته في الربعَين الثالث والرابع من القرن العشرين.
وأثناء إعداده للبرنامج التلفزيوني، انكب غالبريث على كتابة أفكاره، والتي ضمّنها في كتاب مهم صدر العام 1973 بعنوان "عصر الشك" أو The Age of Uncertainty، واحتج بالطبع الاقتصاديون الموالون للفكر الرأسمالي الكلاسيكي، وقام حينها ميلتون فريدمان بالرد على أفكار غالبريث بإعداد عشر حلقات تلفزيونية وبرفقتها كتاب، وكلاهما يحمل عنوان "حر لكي اختار" أو free to choose.
وقد حقّق كلا الكتابين نجاحاً كبيراً وترجما إلى لغات كثيرة. ومع أن الولايات المتحدة قد سعت للخلاص مما اعتراها من الضعف والتراجع، إلّا أن العنصر الأساسي الذي ساعدها في الخلاص من أزمتها هو انهيار الاتحاد السوفياتي. ولقد بدا واضحاً أن كلا النظامين؛ الرأسمالي الكلاسيكي أو حتى النظام الكينزي من ناحية، والنظام الاشتراكي الشيوعي بأوجهه المختلفة لم يكونا صالحَين للعالم. وأن سقوط أحدهما لحساب الآخر كان مجرد لعبة العضّ على الأصابع وانتظار مَن يقول "أخ" أولاً لتحديد الفائز من الخاسر.
وقد خسرت الشيوعية حينها. ولكنّ كثيراً من الفكر الرأسمالي الاجتماعي الذي دعا إليه غالبريث استناداً إلى نموذج كينز والداعي إلى زيادة التدخل الحكومي من أجل تحسين صورة توزيع الدخل والثروة، ومن أجل ضمان حد أدنى للمعيشة والكرامة، تحقق في الدول الإسكندنافية (السويد والدنمارك والنرويج وفنلندا)، أما النظام الرأسمالي وتجلياته خاصة في ظل الثورة الصناعية الرابعة فلم يأتِ بنتائج جيدة، بل فاقم سوء التوزيع في الدخل والثروة وأعاد العالم من جديد وبقوة إلى عصر الشك والريبة.
والعالم العربي اليوم يواجه محاولة أميركية جديدة للهيمنة على موارده وثرواته بالتحالف الواضح بين الولايات المتحدة وإسرائيل من أجل ضمان انضواء العرب كلهم تحت مظلة النفوذ الأميركي. وما كانت حرب غزة إلّا أن تفعل ذلك وتظهر التنسيق بين الرئاسة الأميركية والقيادة الإسرائيلية في أبشع صورها، وإصرارها الهمجي على قتل الأبرياء وتشريدهم.
وسوف نسمع كثيراً عن مقترحات عديدة حول إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، أو خلق شرق أوسط جديد، أو إسرائيل الكبرى، أو الحلول المشاريعية والاقتصادية لكي تغطي على الحقوق الأساسية والسياسية لشعوب المنطقة وبخاصة الشعب الفلسطيني.
وسوف يخلق هذا عصراً من الشك والريبة للشعب العربي، ما يخلق حالة فوضى جديدة في ضوء التحديات الكبرى الماثلة في البطالة خاصة بين الشباب، وسوء توزيع الدخل والثروة، وتراجع مؤشرات العدالة فيها، وتحديات المياه والأمن الغذائي والمكامن الخارجية من الطامعين في هذه الأمة. ومن يتابع تصريحات رؤساء الغرب خاصة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يمكن أن يخرج بأي نتائج يمكن البناء عليها.
وقد تسبب منذ استلامه الرئاسة في فترته الثانية في تعميق قوة الشك والريبة لدى الشعب العربي. فهل هذه بداية صحوة عربية تقول لهم (ولا تَهِنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون)، وعليهم حينها أن يلجأوا إلى سياسة منسقة تؤمن بأن ما حكّ جلدك مثل ظفرك، أو أنها تنطوي على استسلام تمثله الجملة التي تقول: "والله... هذه أميركا ما حدا يقدر عليها"؟ نحن نقف في الوطن العربي على الحافة بين الجنة وجهنم، وإنّنا نمشي على مسار ضيق ومرتفع، واحتمال وقوعنا في أحد الجانبين (جنة كان أم ناراً) يتطلب ثقة ووضوح رؤية وثباتاً تستلهمه كل دولة من نصرة شقيقاتها لها.
هذا الكلام البسيط المباشر ليس سهل التحقيق، ويحتاج إلى طاقة كاملة وظاهرة قد نفتقد مصادرها في وطننا العربي. ولكن: ألم يحن الوقت أن نعالج حالة 25 مليون جائع في السودان، وتدهور اقتصادات أخرى لا داعي لذكرها، والانهيار التامّ في البنى البشرية والفوقية والتحتية في غزة، والاستيلاء على الثروات في الضفة الغربية وغيرها الكثير من الأمثلة في الصومال واليمن. والمواطن لا يملك الأجوبة على من يصدق في تقييم الوضع في سورية وغيرها من الاحتمالات في دول عربية أخرى. لقد آن الأوان أن نستبدل الشك القادم من غيرنا بيقينٍ نفرضه نحن بيقيننا.