استمع إلى الملخص
- في الولايات المتحدة، ترفض الإدارات المختلفة بيع الأصول لأجانب لحماية الأمن القومي، مثل رفض إدارة بايدن عرضًا يابانيًا لشراء يو.إس ستيل، ورفض إدارة ترامب عروضًا صينية لشراء شركات أميركية.
- تتخذ دول أخرى مثل بريطانيا وألمانيا والصين إجراءات مماثلة، حيث عرقلت بريطانيا استثمارات إماراتية ورفضت ألمانيا بيع شركة تقنيات للصين، مفضلة الحفاظ على سيادتها وسلاسل إمدادها الحيوية.
تستطيع أن تحصي عشرات بل مئات القرارات التي رفضت فيها دول كبرى بيع أصولها وشركاتها الاستراتيجية لمستثمرين أجانب للحفاظ على أمنها القومي، رغم تلقيها عروضاً مغرية تقدر بمليارات الدولارات ووعوداً بضخ مليارات أخرى في شكل استثمارات جديدة مع توظيف آلاف العمال وإضافة خطوط إنتاج، وأكدت الوقائع أن تلك الدول رفضت تغلغل المال السياسي الأجنبي لقطاعات وأنشطة حيوية، وأن رفض العروض المقدمة جاء من حكومات كبرى تتبنّى سياسة الرأسمالية المتوحشة، وترفع شعار "النيوليبرالية" وتؤمن بالخصخصة المطلقة، وبأهمية القطاع الخاص، وحيوية جذب الاستثمارات الأجنبية وأهميته لأسواق العمل والتشغيل والاستثمار المباشر والتصدير.
لكنها عندما يجري وضع هذه الدول بين خيارَين هما، المصالح الاقتصادية والإغراءات المالية الضخمة في جانب، أو المحافظة على أمنها القومي ومنه الاقتصادي في جانب أخر، فإنها تفضل الخيار الثاني بلا تفكير وبلا أي اعتبارات أخرى.
تستطيع أن تحصي مئات القرارات التي رفضت فيها دول كبرى بيع أصولها وشركاتها الاستراتيجية لمستثمرين أجانب للحفاظ على أمنها القومي، رغم تلقيها عروضاً مغرية تقدر بمليارات الدولارات
والملفت أن سيناريو رفض بيع الأصول العامة لاعتبارات تتعلّق بمراعاة الأمن القومي تكرّر في دول الولايات المتحدة والصين وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وكندا واليابان والهند وغيرها من دول الاقتصاديات الكبرى، بل وتكرّر في دول ذات اقتصادات صاعدة أو نامية، إذ فضلت حكوماتها وضع الأمن القومي أولويةً مطلقة تسبق جميع الاعتبارات حتى وإن كانت تعاني من أزمات مالية واقتصادية.
في الولايات المتحدة وجدنا عشرات الأمثلة في السنوات الأخيرة من رفض بيع أصول الدولة لأجانب، لا فارق بين الحزبَين الحاكمَين الجمهوري والديمقراطي في مثل هذه النوعية من القرارات، ففي 3 يناير الماضي رفض جو بايدن، عرضاً من شركة نيبون ستيل (U.S. Steel) اليابانية لشراء شركة يو.إس ستيل الأميركية للصلب مقابل سداد 14.9 مليار دولار خشية تهديد الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية للدولة، ولعلنا نذكر كلمات بايدن وقتها حينما قال: "تمثل صناعة الصلب القوية التي يملكها ويديرها أميركيون أولوية أساسية للأمن القومي، وبدون إنتاج الصلب المحلي وعمال الصلب المحليين تصبح أمتنا أقل قوة وأقل أماناً".
رفض بايدن للصفقة اليابانية الضخمة جاء رغم أنّ اليابان حليف رئيسي للولايات المتحدة في منطقة المحيطَين الهندي والهادي، وتساعدها في كبح صعود الصين اقتصادياً وعسكرياً وتهديدات كوريا الشمالية، وهي أمور تثير مخاوف وقلق واشنطن بشكل مستمر.
قرار بايدن ليس الأول من نوعه، ففي يناير 2018 رفضت إدارة ترامب عرض مجموعة "آنت فاينانشال" الصينية، التابعة لشركة "علي بابا" العملاقة للتجارة الإلكترونية شراء شركة تحويل الأموال مانيغرام (MoneyGram) الأميركية مقابل 1.2 مليار دولار، وكانت تلك أكبر صفقة صينية ترفضها واشنطن منذ وصول ترامب إلى سدة الحكم.
تكرر المشهد في العام 2001 حينما رفضت الحكومة الأميركية صفقة استحواذ شركة الخطوط الجوية العربية السعودية على شركة الطيران الأمريكية TWA، لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي والمصالح العليا للدولة.
رفض بايدن للصفقة اليابانية الضخمة جاء رغم أنّ اليابان حليف رئيسي للولايات المتحدة في منطقة المحيطَين الهندي والهادي، وتساعدها في كبح صعود الصين اقتصادياً وعسكرياً
وسبق أن رفضت واشنطن صفقات أخرى لمشترين أجانب لأصول أو شركات أميركية للمحافظة على الأمن القومي وضمان السيطرة على البنية التحتية الحيوية، ففي سبتمبر/أيلول 2018، منعت الولايات المتحدة بيع شركة "لاتيس سيميكوندكتور" لشركة "كانيون بريدج كابيتال بارتنرز" المدعومة من الصين مقابل 1.3 مليار دولار، كما رفضت صفقات استحواذ شركة "تشينا أوشنويد هولدينغز" على شركة "جينورث فاينانشال" الأميركية مقابل 2.7 مليار دولار، واستحواذ شركة "أورينت هونتاي كابيتال" الصينية على شركة "أبلوفين" الأميركية مقابل 1.4 مليار.
وكلنا تابعنا صفقة تطبيق "تيك توك" الصيني، ونجاح ترامب في فصل أعمال التطبيق في الولايات المتحدة عن الشركة الصينية الأم، "بايت دانس"، بل وتوقّيعه أمراً تنفيذياً نهاية سبتمبر الماضي يعلن فيه أن خطته لبيع عمليات "تيك توك" في الولايات المتحدة لمستثمرين أميركيين وعالميين ستعالج متطلبات الأمن القومي، كما نجح ترامب في أن يصبح التطبيق "أميركيَّ الإدارة بالكامل"، سبقه في هذه الخطوة جو بايدن الذي وقع تشريعاً العام الماضي يدعو "بايت دانس" الصينية إلى بيع أصول تيك توك لشركة أميركية بحلول أوائل العام 2025 أو مواجهة حظر على مستوى البلاد.
خارج الولايات المتحدة عرقلت الحكومة البريطانية استثمارات إماراتية جديدة بمليارات الدولارات للاستحواذ على عدد من الشركات، على رأسها صفقة الاستحواذ على حصة كبيرة في فودافون، وأيضاً الاستحواذ على صحيفة التليغراف العريقة، معتبرة أن مثل هذه الاستثمارات تشكل خطراً على الأمن القومي.
واعترضت ألمانيا على بيع شركة تقنيات الغزل المعدني الصغيرة Leifeld للصين، بسبب مخاوف الأمن القومي المتعلقة بالتكنولوجيا الحيوية، والصين نفسها تقيد استثمارات أجنبية في قطاعات حيوية لحماية تطورها التكنولوجي، وهناك دول أخرى تمنع صفقات ترى فيها تهديداً لسيادتها أو سلاسل إمدادها الحيوية في قطاعات مثل التكنولوجيا، الصلب، أو الموارد الاستراتيجية.
الملفت أن تلك الدول وغيرها تضرب بعرض الحائط بصفقات بيع ضخمة للأصول مقابل المحافظة على الأمن القومي، في الوقت الذي تفتح فيه دول أخرى الباب على مصراعيه أمام اختراق المال الأجنبي لقطاعات حيوية منها المطارات والموانئ والبنوك والاتصالات وغيرها من الأنشطة الاستراتيجية الحساسة.