صندوق النقد العدو الأول للفقراء

11 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 15:51 (توقيت القدس)
أروقة صندوق النقد الدولي، واشنطن، 17 إبريل 2024 (Getty)

الفقراء، والمهمشون، والضعفاء، والمطلقات والأرامل، وصغار الموظفين، وأصحاب المهن، والباعة الجائلون، هم أول المتضررين من صندوق النقد الدولي وسياساته المجحفة وروشتاته السامة وتعليماته الخبيثة التي يفرضها على الدول المقترضة والتي تلجأ إليه لإنقاذها من مخاطر التعثر والركود والأزمات المالية الحادة، ونظرا لتجربة الدول التي لجأت لتلك المؤسسة المالية نجد أن الفقراء وغيرهم هم وقود حطبٍ ومداد أحبار للاتفاقات التي يتم إبرامها مع حكومات تلك الدول وتحمل أسماء براقة وفخيمة أبرزها "برامج الإصلاح الاقتصادي والمالي" أو "برامج إعادة هيكلة الاقتصاد"، أو "سياسات إصلاح مسار الاقتصاد القومي".، أو برامج "دعم الفئات المهمشة والطبقات المحرومة".

فالفقراء هم أول المتضررين من التعويم المتواصل لعملات الدول المقترضة من الصندوق، لأن التعويم يفتح الباب على مصراعيه أمام حدوث موجات تضخمية عنيفة، وقفزات في أسعار السلع والخدمات، وتآكل القدرة الشرائية للمواطن، ودخول المستهلك في معركة يومية مع الأسعار التي لن تكون في الأغلب في متناول يديه بسبب الغلاء المتواصل والفاحش، وسياسات الصندوق تقف وراء انهيار الطبقة الوسطى في المجتمع وتحويلها إلى طبقة فقيرة، ومن هنا يزداد معدل الفقر في المجتمع، وفي الغالب ترفض الجهات الرسمية الكشف عن هذا المعدل المخيف لأسباب سياسية واجتماعية، وأكبر دليل ما يحدث في مصر والأرجنتين وباكستان وغيرها.

الصندوق هو من يرغم حكومات الدول المقترضة على وقف دعم السلع الأساسية والحياتية التي يستفيد منها المواطن، ومنها السلع التموينية والغذائية ومشتقات الوقود

والصندوق هو من يرغم حكومات الدول المقترضة على وقف دعم السلع الأساسية والحياتية التي يستفيد منها المواطن، ومنها السلع التموينية والغذائية ومشتقات الوقود من بنزين وسولار وغاز طهي، أو على الأقل تقليل الدعم وخفضه إلى الحد الأدنى تمهيدا لحذفها كلية، لا فرق هنا بين دعم رغيف الخبز، غذاء الفقراء الأول، وبين دعم بنزين 97 الذي يستهلكه الأثرياء، أو الكهرباء المغذية لشركات كبار رجال الأعمال والمستثمرين الأجانب.

والصندوق هو عدو الخدمات العامة المتعلقة بالفقراء في الدول المدينة ويقف وراء خطط عدم تحديثها، ولذا يطلب من تلك الحكومات الخانعة زيادة أسعار وفواتير الخدمات الحياتية المتعلقة بالمواطن من مياه شرب وكهرباء واتصالات ومواصلات عامة وصرف صحي وطرق وغيرها.

صندوق النقد هو العدو الأول للتعليم والرعاية الصحية وبناء المستشفيات العامة، وهو أحد أبرز من يقفون وراء الكوارث الصحية، واهمال القطاع الطبي، وحدوث نقص حاد في الأدوية، وكافحة الأمراض المزمنة، وتفشي الجهل في البلدان التي تعتمد على قروضه، ولذا يضغط على الحكومات لتقليص الإنفاق على الصحة والتعليم ومخالفة الدستور بزعم تقليل عجز الموازنة العامة، رغم أنه يعلم أكثر من غيره أن هذا العجز يأتي بسبب التوسع في الاقتراض الخارجي والمحلي، والسفه الحكومي في الإنفاق، وإهدار المال العام وإنفاقه على أشياء لا علاقة لها بالاقتصاد والمواطن ومشروعات التنمية، وتفشي الاحتكارات في الأسواق والمشهد الاقتصادي.

والصندوق هو من يجبر الحكومات الدائنة على بيع أصول الدولة للمستثمرين الأجانب، وفتح الباب على مصراعيه أمام الأموال الساخنة ليغترف أصحابها من إيرادات الدولة ما يشاءون وتخرج في أي وقت تشاء، ولذا يحرص على أن تظل أسعار الفائدة داخل الدول المقترضة مرتفعة، وأن توجه حصيلة ضرائب الفقراء نحو سداد كلفة تلك الأسعار المرتفعة.

الصندوق هو عدو الخدمات العامة المتعلقة بالفقراء في الدول المدينة ويقف وراء خطط عدم تحديثها، ولذا يطلب من تلك الحكومات الخانعة زيادة أسعار وفواتير الخدمات الحياتية

والصندوق هو من يضغط بشدة على إيرادات الدولة الدولارية عبر إرغام الحكومات على سداد مديونيات المستثمرين الأجانب ومستحقاتهم أولا بأول سواء تعلقت بشركات النفط والغاز العالمية، أو مستحقات المستثمرين في البورصة وأدوات الدين الحكومية مثل السندات وأذون الخزانة، أو تلبية احتياجات أصحاب الاستثمارات المباشرة.

وصندوق النقد هو من يمارس سياسات غاية في القسوة بحق الطبقات الضعيفة، ولذا يضغط على الحكومات لزيادة الضرائب والرسوم الحكومية، وتوجيه الحصيلة لسداد أمواله وليس لأغراض التنمية وتحسن الخدمات وكبح التضخم، وهو ما يضغط أكثر على الفقراء وطبقة الموظفين في الدولة والذين يتم تصنيفهم ضمن أصحاب الدخول المحدودة أو الضعيفة في أغلب الأحيان خاصة مع موجات الغلاء التي لا تتوقف.

الوفد السوري برئاسة الشرع مجتمعاً بوفد صندوق النقد في واشنطن، 9 نوفمبر 2025 (سانا)
ملحق سورية الجديدة
التحديثات الحية

والصندوق يضغط بشدة على الحكومات لبيع أصول الدولة من بنوك وشركات وأراضٍ حتى لا يترك رصيدا للأجيال المقبلة، ويتم استنزاف ثروات الدولة أولا بأول، ويدفع بقوة نحو التفريط بتلك الأصول لصالح الحكومات المقترضة وحفنة من رجال الأعمال الأجانب وقنّاصي الصفقات.

ونظرة إلى الدول الأكثر اقتراضا من صندوق النقد الدولي وفي مقدمتها مصر وباكستان والأرجنتين وأوكرانيا وكينيا وجنوب أفريقيا وكولومبيا والإكوادور وأنغولا وغانا وغيرها، نجد أن استهداف الصندوق للفقراء يتم بشكل ممنهج وليس عشوائياً كما يظن البعض. هل سمعنا أن صندوق النقد طالب تلك الدول بترشيد الإنفاق الحكومي والتصدي للبذخ الرسمي والفساد، ووقف إقامة مشروعات عملاقة تمثل إرهاقا للموازنة رغم جدواها الضعيفة؟

هل اعترض الصندوق على توجيه المليارات من ميزانية الدول التي تعاني من عجز حادّ لتمويل مشروعات لا علاقة للمواطن بها من قريب أو بعيد ولا تقدم خدمة واحدة للفقراء وأصحاب المهن المهمشة؟ صندوق النقد يزعم أنه يدخل الدول للحيلولة دون إفلاسها ماليا، فإذا به يُغرق تلك الدول في وحل التعثر، وأسالوا الأرجنتين وغيرها من الدول التي استنجدت به.

منذ تأسيسه بات الصندوق أداة قاسية في يد الرأسمالية لمكافأة الأنظمة المرضيّ عنها حتى لو كانت غارقة في الاستبداد والفساد وقهر الشعوب وإغراق الفقراء في أزمات معيشية

ومنذ تأسيسه بات الصندوق أداة قاسية في يد الدول الرأسمالية وأنظمة النيوليبرالية وفي مقدمتها الولايات المتحدة، لمكافأة الأنظمة المرضيّ عنها سياسياً حتى لو كانت غارقة في الاستبداد والفساد وقهر الشعوب وإغراق الفقراء في أزمات معيشية لا تتوقف.

الصندوق ينظر إلى الشعوب في الدول الفقيرة كما تنظر لها الأنظمة، على أنها عالة وعبء على العالم، وأنه يجب التخلص من أكبر عدد ممكن من هؤلاء حتى لو جاء ذلك عبر الجوع الممنهج والسياسات القاسية "الشيك"، ولذا يجب ألا يخرج علينا أحد من الصندوق ليزعم أن تلك المؤسسة المالية تعمل لصالح الفقراء وحماية الطبقات الفقيرة الكادحة، وأن الصندوق يطالب الحكومات المقترضة بزيادة الإنفاق الاجتماعي ومراعاة العدالة الاجتماعية، وأن يتم تحصل الضرائب من الأثرياء لا من الفقراء، فهذا وهم وخداع تمارسه الحكومات والصندوق معاً بهدف "تنويم" الفقراء وتخديرهم والتلاعب بعقولهم.

موقف
التحديثات الحية

الصندوق لا يهمه سوى استرداد أمواله أولا، وثانيا استخدام ماله السياسي السام لتحقيق رغبات كبار المساهمين في تلك المؤسسة، والأنظمة والحكومات يهمها أيضا أن تظل في السلطة للأبد حتى لو كان ذلك على حساب الأمن القومي للدولة ودهس ملايين الفقراء والقضاء نهائيا على الطبقة الوسطى.

ببساطة، سياسات صندوق النقد لا تعيد بناء اقتصادات وطنية، ولا تنقذ دولة مأزومة من الإفلاس، بل تغرق الجميع في وحل التعثر والتبعية، والحل يكمن في اعتماد الدول على مواردها الذاتية وتحسينها، ومكافحة الفساد، وطرد تلك المؤسسة التي تهدد الأمن القومي والاقتصادي للدول المقترضة حيث تتدخل في أدق تفاصيلها، وتوجه الإنفاق العام طبقا لمصالح كبار المساهمين بها، وفي المقدمة الولايات المتحدة صاحبة الحصانة والقول الفصل، وكذا لصالح من تقف واشنطن خلفهم وتساندهم سياسياً.