سورية وقطر... شراكة اقتصادية واستثمارات بقيمة 21 مليار دولار

16 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 16:39 (توقيت القدس)
من لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع برجال أعمال قطريين في الدوحة، 6 ديسمبر 2025 (غرفة قطر)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد العلاقات الاقتصادية بين سورية وقطر تطوراً ملحوظاً، مع تركيز التعاون على مجالات الطاقة والمال والبنية التحتية، مما يعزز دور قطر في دعم الاقتصاد السوري المتعثر.
- تتجاوز الاستثمارات القطرية في سورية 21 مليار دولار، مع تنفيذ مشاريع كبرى في الطاقة والبنية التحتية، مما يعكس التزام قطر بدعم الاقتصاد السوري وتوسيع التعاون في مجالات متعددة.
- يواجه التعاون تحديات تتعلق بتوفير بيئة استثمارية مستقرة، ومع رفع العقوبات الأميركية، يتوقع نمو التبادل التجاري وتفعيل الاتفاقيات الجديدة لدعم الاقتصاد السوري.

تشهد العلاقات الاقتصادية بين سورية وقطر تطوراً متسارعاً في المرحلة الراهنة، في ظلّ مؤشرات واضحة على عودة الانفتاح العربي على دمشق، ومساعٍ مشتركة للانتقال من إطار الدعم المحدود إلى شراكات اقتصادية واستثمارية طويلة الأمد. ويأتي هذا الحراك في وقت تبحث فيه سورية عن شركاء عرب قادرين على المساهمة في معالجة الاختناقات العميقة التي أصابت اقتصادها خلال سنوات الحرب والعقوبات الغربية، ولا سيّما في قطاعات الطاقة والمال والبنية التحتية، ما يمنح التعاون مع دولة قطر أهمية خاصة على المستويَين الاقتصادي والسياسي.

وفي هذا السياق، أكد وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، في تصريح لـ"العربي الجديد" على هامش الاحتفال باليوم الوطني لدولة قطر، الذي أقيم مساء أمس الاثنين في دمشق، استمرار الدعم القطري لملفات إعادة الإعمار والبناء، مشيراً إلى وجود تعاون مالي واقتصادي متنامٍ يشمل مختلف القطاعات. وأوضح برنية أن المرحلة الحالية تشهد نقاشات متقدمة حول توسّع عمل مؤسسات مصرفية قطرية داخل سورية، في إطار دعم القطاع المالي وتنشيط الاستثمارات، معتبراً أن هذا التوجه يشكّل خطوة مفصلية لإعادة تحريك القطاع المصرفي، وفتح قنوات تمويل جديدة للمشاريع الاستثمارية، ولا سيّما في مجالات البنية التحتية والإسكان والخدمات.

وأضاف برنية أن التعاون القطري – السوري لا يقتصر على ملف الطاقة، بل يمتد إلى قطاعات المال والمصارف، إذ يُنظر إلى دخول المؤسّسات المالية القطرية إلى السوق السورية بوصفه مدخلاً أساسياً لتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني، وتمهيد الطريق أمام عودة الاستثمارات العربية والأجنبية، وأشار إلى أن سورية بحاجة ملحّة إلى تمويل طويل الأجل، وشراكات مصرفية قادرة على دعم النشاط الإنتاجي، بما ينسجم مع خطط الحكومة لإعادة البناء وتحفيز النمو الاقتصادي.

من جانبه، قال سفير دولة قطر لدى سورية، خليفة عبد الله آل محمود، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إنّ حجم الاستثمارات القطرية في سورية تجاوز 21 مليار دولار، تتركز في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والمطارات، وأشار إلى وجود مذكرات تفاهم واتفاقيات تعاون في مجال الطاقة، تتضمن تنفيذ خمس محطات لتوليد الكهرباء بطاقة إجمالية تصل إلى نحو خمسة آلاف ميغاواط، من المقرّر إنجازها خلال عامَين، معتبراً أن هذه المشاريع تُعد من أكبر الاستثمارات العربية في قطاع الطاقة داخل البلاد من حيث الحجم والأثر المتوقع.

وأوضح السفير أن التعاون بين البلدَين يشمل أيضاً قطاعات التجارة والمالية والسياحة والاتصالات والتعليم العالي، إضافة إلى استمرار توريد الغاز القطري، وتعزيز مشاركة المؤسّسات المالية القطرية في دعم القطاع المصرفي السوري. واعتبر أن هذا الانخراط يعكس موقفاً قطرياً ثابتاً تجاه سورية، في مرحلة تراهن فيها دمشق على دعم الأشقاء العرب لاستعادة دورها الطبيعي في محيطها العربي والإقليمي، كما أشار إلى أنّ دولة قطر فتحت أبوابها أمام السوريين، مع تسهيل منح تأشيرات الدخول عبر منصة "هيا" خلال فترات زمنية قصيرة، في خطوة تعكس بعداً إنسانياً موازياً للتعاون الاقتصادي.

وفي السياق العملي لهذا التعاون، كشف مدير تطوير الأعمال في شركة (UCC) القطرية، بهاء مظلوم، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنّ الشركة تستجر يومياً ما بين ثلاثة وأربعة ملايين متر مكعب من الغاز الطبيعي منحةً من دولة قطر، يجري توزيعها على محطات توليد الكهرباء، بما يسهم في تعزيز القدرة الإنتاجية الوطنية، وتأمين جزء من احتياجات السوق المحلية. واعتبر مظلوم أن الاستثمار في قطاع النفط والغاز في سورية واعد جداً، لكنه يحتاج إلى عمل كبير وتوافر شروط مناسبة، وفي مقدمتها إرساء نظام مصرفي متطور يسمح بمرونة دخول وخروج الأموال.

وشدّد مظلوم على أنّ أي شركة، قطرية أو دولية، لن تدخل السوق السورية ما لم تتوافر ضمانات كافية لحماية أعمالها وأموالها وأرباحها، لافتاً إلى أن هذه الملفات تُناقش حالياً مع الحكومة السورية، ولا سيّما بعد رفع العقوبات الأميركية عن القطاع، ما يفتح الباب أمام عودة تدريجية للاستثمارات في مجال الطاقة.

أرقام التبادل التجاري بين سورية وقطر

تشير بيانات وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية السورية إلى أن حجم التبادل التجاري بين سورية وقطر بلغ نحو 120 مليون دولار خلال العام الماضي، مع توقعات بارتفاعه خلال السنوات المقبلة نتيجة الانفتاح الاقتصادي وبدء تنفيذ المشاريع الاستثمارية الكبرى. وتتركز الواردات السورية من قطر أساساً في الغاز الطبيعي والمشتقات النفطية، إلى جانب المواد الغذائية والمعدات الصناعية، في حين تشمل الصادرات السورية إلى السوق القطرية منتجات زراعية مثل الحمضيات والخضار وبعض الصناعات الخفيفة.

ويعتقد اقتصاديون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمواً ملحوظاً في حجم التبادل التجاري، في حال تفعيل الاتفاقيات الجديدة، وانسياب الاستثمارات القطرية في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والسياحة، ما ينعكس مباشرةً على تعزيز حجم المبادلات التجارية الثنائية.

مرحلة جديدة عنوانها الشراكات

ويرى الخبير الاقتصادي السوري، الدكتور عمار اليوسف، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الانخراط القطري المتزايد في الاقتصاد السوري يحمل دلالات سياسية واقتصادية مهمة، ويعكس ثقة نسبية بمرحلة ما بعد العقوبات والعزلة. ويشير اليوسف إلى أن التركيز على قطاع الطاقة يشكّل مدخلاً أساسياً لمعالجة واحدة من أعقد الأزمات التي تواجه الاقتصاد السوري، إذ إن تحسّن التغذية الكهربائية ينعكس مباشرة على الصناعة والاستثمار وبيئة الأعمال، ويسهم في خفض كلف الإنتاج وتحسين تنافسية السلع المحلية.

ويضيف اليوسف أنّ دخول مؤسّسات مالية قطرية إلى السوق السورية، في حال جرى ضمن أطر قانونية واضحة ونظام مصرفي أكثر مرونة، يمكن أن يشكّل نقطة تحوّل في مسار التعافي الاقتصادي، من خلال إعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي وفتح قنوات تمويل جديدة طال انتظارها. لكنه يحذّر في الوقت نفسه من أن نجاح هذه الشراكات يبقى مرتبطاً بقدرة الحكومة على توفير بيئة استثمارية مستقرة، وضمانات حقيقية لرأس المال العربي والأجنبي، وتحديث القوانين الناظمة للاستثمار.

المساهمون