سورية: هل تكفي الحوافز المغرية في قانون الاستثمار لجذب رؤوس الأموال؟
استمع إلى الملخص
- التعاون الإقليمي والدولي: تسعى سورية لتعزيز شراكاتها الاقتصادية مع دول عربية مثل السعودية والإمارات وقطر، بهدف دعم الاستثمارات الأجنبية وفتح الأسواق الإقليمية للاستثمارات السورية.
- التحديات والفرص الاقتصادية: رغم التفاؤل بالقانون الجديد، تواجه سورية تحديات مثل العقوبات وضعف البنية التحتية، لكن توجد فرص في قطاعات الطاقة والصحة والصناعة والسياحة، مما يتطلب تحسين البيئة التنظيمية والاستقرار المؤسسي.
في محاولة لإعادة تسويق سورية كوجهة جاذبة لرؤوس الأموال، جاءت تصريحات رئيس هيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي من مدينة عرعر السعودية يوم أمس الثلاثاء لتسلط الضوء على ملامح المرحلة الاستثمارية المقبلة، وحدود ما يعد به قانون الاستثمار الجديد الصادر خلال عام 2025.
على هامش منتدى الحدود الشمالية للاستثمار، أكد الهلالي أن القانون يمنح المستثمرالأجنبي حق التملك الكامل بنسبة 100% من دون اشتراط وجود شريك محلي، في خطوة تسعى الحكومة من خلالها إلى تبديد المخاوف التقليدية المرتبطة ببيئة الأعمال في البلاد. وأوضح أن القانون يتضمن حزمة من الضمانات التي تحمي حقوق المستثمرين، مع حوافز ضريبية قد تصل في بعض القطاعات إلى الإعفاء الكامل.
الهلالي وصف القانون الجديد بأنه من بين "أفضل عشرة قوانين استثمارية على مستوى العالم"، معتبراً أن أهم ما يميّزه هو النص الصريح على منع وضع اليد على أي مشروع استثماري، سواء كان مملوكاً لمستثمر سوري أم أجنبي. كما يسمح القانون للمستثمر غير السوري باستقدام ما لا يقل عن 40% من العمالة الأجنبية، ويمنح إعفاءات ضريبية كاملة لقطاعي الزراعة والصحة، إلى جانب حوافز لقطاع الصناعة عند تصدير نصف الإنتاج الصناعي إلى الخارج.
وتأتي هذه الخطوة ضمن سلسلة اتفاقيات تعاون وقّعتها هيئة الاستثمار السورية مع دول عدة، بينها السعودية، الإمارات، الأردن، لبنان وقطر، بهدف دعم وحماية الاستثمارات الأجنبية في سورية، وفتح المجال أمام الاستثمارات السورية للدخول إلى هذه الأسواق. وتكشف هذه الاتفاقيات عن مسعى متزايد للحكومة لتعزيز الشراكات الاقتصادية مع الدول العربية والإقليمية، ومحاولة تقديم بيئة استثمارية أكثر وضوحًا واستقرارًا.
ومن منظور اقتصادي، لا تمكن قراءة التدفقات الاستثمارية الأخيرة في سورية بمعزل عن الحجم الحقيقي للمعونات والتدفقات المالية منذ عام 2024. في الأشهر الستة الأولى فقط بعد الإطاحة بالنظام السابق، بلغت قيمة الاستثمارات والمساعدات الدولية نحو 16 مليار دولار، كان أكبرها استثمار شركة قطرية يقارب 7 مليارات دولار في مشاريع للطاقة والبنية التحتية، إضافة إلى مشاريع استراتيجية في مطار دمشق الدولي والطاقة المتجددة، وهو ما يعكس بداية موجة من الانخراط الأجنبي في سوق كانت شبه متوقفة لفترة طويلة بسبب الحرب والعقوبات.
بدوره يرى الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن ما أعلنته هيئة الاستثمار يمثل "خطوة إيجابية نحو إعادة دمج سورية في الأسواق الإقليمية والدولية"، لكنه يشدد على أن القانون وحده لا يكفي لضمان تدفق الأموال الأجنبية وتحقيق نمو اقتصادي ملموس.
ويضيف قوشجي لـ"العربي الجديد": "المفتاح الحقيقي هو قدرة الدولة على ترجمة الاتفاقيات والتعهدات إلى مشاريع قائمة على الأرض. الاستثمارات القطرية والخليجية، على سبيل المثال، تقدم دفعة نوعية للقطاعات الحيوية مثل الطاقة والمطارات واللوجستيات، لكنها تحتاج إلى إطار قانوني وتنفيذي متكامل يحدّ من البيروقراطية ويزيد من الشفافية".
ويشير الخبير إلى أن التحديات الأساسية أمام المستثمر الأجنبي لم تتغير بشكل جذري، فهي تشمل العقوبات الدولية، ضعف البنية التحتية، نقص الضمانات القانونية، وصعوبات التمويل المصرفي. ويضيف: "حتى لو كانت هناك حوافز ضريبية وإعفاءات كاملة في بعض القطاعات، فإن المستثمر يظل حذراً طالما لم تتضح قدرة الدولة على تأمين حقوقه وتحويل أرباحه بسهولة، وضمان استقرار المشاريع طويلة الأجل".
في المقابل، يرى قوشجي أن الفرص موجودة بالفعل، خصوصاً في قطاعات الطاقة، الصحة، الصناعة، والسياحة، التي تمثل محركات رئيسية للنمو وخلق فرص العمل. ويشير إلى أن استثمارات قطرية تجاوزت 7 مليارات دولار في مشاريع استراتيجية، بما فيها مطار دمشق الدولي ومحطات الطاقة، ما قد يسهم في إعادة تنشيط القطاعات المرتبطة بها بشكل مباشر وغير مباشر. ويختتم قائلاً: "إذا تمكنت الدولة من تسريع تنفيذ المشاريع، وتحسين البيئة التنظيمية، وضمان الاستقرار المؤسسي، فإن هذه الاستثمارات يمكن أن تكون البداية الحقيقية لمرحلة جديدة من النمو الاقتصادي المستدام في سورية، بعيداً عن مجرد التعهدات على الورق".
المنتدى الذي احتضن هذه التصريحات في مدينة عرعر، من المتوقع أن يشهد طرح أكثر من 240 فرصة استثمارية تتجاوز قيمتها الإجمالية 40 مليار ريال سعودي، إلى جانب الإعلان عن تسعة مشاريع استثمارية واعدة في المنطقة، وتوقيع أكثر من 20 اتفاقية تعاون بين القطاعين العام والخاص.
ورغم اللغة المتفائلة التي تحيط بالقانون الجديد، تبقى الأسئلة مفتوحة حول مدى قدرة هذه النصوص على التحول إلى واقع عملي، في ظل التحديات السياسية والاقتصادية القائمة، ومدى استعداد البيئة القانونية والمؤسساتية في سورية لاستيعاب استثمارات أجنبية واسعة النطاق، تتطلب قبل كل شيء استقراراً وضمانات قابلة للتنفيذ، لا مجرد وعود على الورق.