سورية تعيد صياغة النظام العقاري بإعفاءات ضريبية وتسهيلات وسط مخاوف من المضاربة
استمع إلى الملخص
- أكد مدير عام المصالح العقارية على أهمية التسجيل الرسمي للملكية، مشيراً إلى أن الإصلاحات تهدف إلى تعزيز الثقة وتبسيط الإجراءات الضريبية، رغم تسجيل حالات تزوير دفعت لتجميد توثيق العقود مؤقتاً.
- رغم النشاط الملحوظ في السوق العقارية، يحذر الخبراء من مخاطر التهرب الضريبي بسبب الاعتماد على القيمة التعاقدية، مما يتطلب رقابة مؤسسية لضمان الشفافية واستقرار السوق.
في إطار إعادة ضبط المنظومة الضريبية العقارية، اتخذت وزارة المالية السورية مجموعة من القرارات الجريئة التي أعادت تشكيل قواعد اللعبة في السوق العقارية المحلية. أبرز هذه الخطوات تمثلت في إلغاء ضريبة الإيجارات السكنية بين المواطنين السوريين، والإبقاء فقط على نسبة ضريبية تبلغ 1.5% على الإيجارات الموجهة لغير السوريين، في خطوة من شأنها تخفيف الأعباء المالية عن المواطنين وتحفيز سوق الإيجارات الداخلية.
كما قررت الوزارة إلغاء شرط الإيداع البنكي الذي كان يُلزم أطراف البيع والشراء العقاري بتحويل القيمة عبر المصارف الرسمية، وهو بند أثار جدلاً واسعاً خلال السنوات الماضية لما فرضه من تعقيدات مصرفية وقيود بيروقراطية. هذا التوجه يعكس رغبة حقيقية في تسهيل إجراءات الملكية، وتحقيق مرونة أكبر في عمليات نقل الملكية. ولعل أبرز ما ميّز هذه التعديلات هو التحول في احتساب الضريبة العقارية، إذ أصبحت تُحسب على أساس القيمة المحددة في العقد بين البائع والمشتري بدلاً من "القيمة الرائجة" التي لطالما شكّلت نقطة خلاف بين المواطن والمؤسسات المعنية، ما يُعد خطوة نحو تعزيز الثقة والواقعية في تقييمات العقارات.
خطوة إيجابية
وفي سياق التفاعل مع التعديلات الجديدة، أشار مدير عام المصالح العقارية عبد الباسط قيراطة إلى أن الملكية لا تُكتسب إلا بالتسجيل الرسمي في الصحيفة العقارية، وأن أية معاملة خارج هذا الإطار تُعد باطلة قانونًا، مؤكداً في تصريح لـ"العربي الجديد" أن إلغاء البيع بالقيمة الرائجة واعتماد القيمة المصرّح بها في العقد يمثل نقلة نوعية في التعاطي مع المواطن، ويعكس رغبة حقيقية في تجاوز الجمود الذي أصاب سوق العقارات خلال السنوات الماضية. وأضاف أن هذه الخطوة تضع المسؤولية على المواطن للتصريح بالقيمة الحقيقية، خاصة أن النسب الضريبية الجديدة باتت تشمل الإضافات كافة، ما يخفف من المفاجآت المالية لاحقاً.
وحول إلغاء شرط الإيداع البنكي، بيّن قيراطة أن القرار يُعد مناسباً في الوقت الراهن، نظراً لصعوبة تحريك الأموال داخل النظام المصرفي، لكنه يرى أن العودة إلى الإيداع البنكي مستقبلاً قد تكون مفيدة في حال جرى تحرير القيود على التحويلات المالية. أما في ما يتعلق بإلغاء ضريبة الإيجارات السكنية، فقد اعتبرها خطوة إيجابية من شأنها أن تُسهم في خفض الإيجارات، لكنه فضّل أن تبقى هناك رسوم رمزية لقاء الخدمات العقارية كالتوثيق والتسجيل، لضمان استمرارية جودة الخدمة.
150 حالة تزوير لعقود الملكية
وفي معرض حديثه عن التحديات، كشف قيراطة عن تسجيل أكثر من 150 حالة تزوير لعقود ملكية، مشيراً إلى أن معظمها طاول ممتلكات سوريين مقيمين خارج البلاد أو في مناطق غير خاضعة للسلطة الحكومية، الأمر الذي دفع الجهات المعنية إلى تجميد توثيق العقود مؤقتاً حتى الانتهاء من إجراءات التدقيق. وختم مدير عام المصالح العقارية حديثه بأن هذه الحزمة من الإصلاحات تهدف إلى تخفيف الأعباء المالية عن المواطنين، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، مع تبسيط الإجراءات الضريبية، وتشجيع الاستثمار العقاري المحلي.
ورغم ما تشهده البلاد من تحديات اقتصادية متراكمة، لا تزال السوق العقارية السورية تُظهر مؤشرات نشاط ملحوظة، بحسب إحصائيات صادرة عن وزارة المالية للعام 2025. حيث يُسجّل يوميًا أكثر من 1846 صفقة بيع عقاري، إلى جانب 1056 عقد إيجار في مختلف المحافظات السورية، ما يعكس حيوية متواصلة في القطاع العقاري. وتُقدّر القيمة الرائجة اليومية لعقود البيع بنحو 53 مليار ليرة سورية، وهو رقم يكشف عن استمرار الثقة بالعقار أداةً استثماريةً، رغم الجمود الذي يعتري قطاعات اقتصادية أخرى.
وتُظهر البيانات أن محافظة ريف دمشق تستحوذ على الحصة الأكبر من هذه المعاملات بنسبة 25.4%، تليها اللاذقية (12.9%)، حمص (12.4%)، حلب (12.1%). أما دمشق فتسجل نسبة 11.1%، ثم تأتي حماة (9.5%)، طرطوس (7.8%)، السويداء (4.9%)، درعا (3.3%). هذا التوزيع يعكس تفاوتاً في ديناميكية السوق بين المحافظات، بما يتأثر بعوامل متعددة أبرزها الكثافة السكانية، حركة النزوح، ومدى توفر البنية التحتية والتوثيق العقاري. ويرى خبراء أن هذه المؤشرات تؤكد أهمية أن تترافق الإصلاحات الحكومية الأخيرة مع رقابة إدارية ومالية تضمن العدالة وتحد من المضاربات غير المنظمة.
استفحال المضاربات العقارية
بدوره، يؤكد الخبير العقاري حسين العقاد أن اللافت في التعديلات هو محاولة الدولة تجاوز تراكمات الماضي من خلال إغلاق ملفات البيوع العقارية قبل 2021، وهي خطوة شجاعة إن نُفّذت بشفافية تامة، لكنها أيضاً بحاجة إلى إطار قانوني واضح يمنع التلاعب ويحصّن حقوق المواطنين. وأشار في تصريح لـ"العربي الجديد" إلى أن الاعتماد على القيمة التعاقدية من دون رقابة دقيقة قد يفتح الباب أمام عقود صورية أو قيم مصطنعة تهدف إلى التهرب الضريبي، الأمر الذي يتطلب آليات تدقيق ذكية ترتكز على قاعدة بيانات موثوقة وسجل عقاري رقمي متكامل.
وأوضح العقاد أن هذه التعديلات تمثل بداية ضرورية لإصلاح بنية السوق العقارية في سورية، ولكن نجاحها يبقى مرهوناً بوجود رقابة مؤسسية، وإرادة سياسية جدية لضبط السوق، وتفعيل الشفافية في كل مراحل المعاملات. ويتوقع العقاد أن تمنح هذه التسهيلات دفعة إيجابية للسوق العقارية، عبر تقليص الأعباء المباشرة على أطراف المعاملة وتشجيع التداول العقاري الرسمي. إلا أن ذلك قد يؤدي في الوقت نفسه إلى استفحال المضاربات العقارية ورفع الأسعار من دون ضوابط تنظيمية كافية، ما يهدد القدرة الشرائية لذوي الدخل المتوسط والمحدود.
مفترق طرق إصلاحي
وفي ضوء هذه التحولات السريعة في المنظومة العقارية، تبدو سورية أمام مفترق طرق بين الإصلاح الهيكلي والمخاطر الاقتصادية المحتملة. فبينما تفتح الإجراءات الجديدة نوافذ واسعة أمام المواطنين لتملك العقار بأقل تكلفة، فإنها تحمل في طياتها تحديات تتعلق بالرقابة والعدالة واستقرار السوق.
ويجمع مراقبون على أن نجاح هذه التعديلات لا يُقاس فقط بمدى تخفيف الأعباء، بل بقدرة الدولة على ضبط السوق، ومحاربة التلاعب والتزوير، وتوفير منظومة قانونية ورقمية تُعزّز الثقة وتحمي الحقوق العقارية. ومع ترقب المزيد من الإجراءات في الأشهر المقبلة، تبقى الأنظار معلقة على مدى استمرارية هذا الزخم الإصلاحي في ظل واقع اقتصادي متأرجح وتطلعات مشروعة لمواطن يبحث عن ملكية آمنة بلا تعقيدات.