سفن تائهة في الخليج... كيف يتم التلاعب بإشارات GPS وAIS؟

03 مارس 2026   |  آخر تحديث: 14:12 (توقيت القدس)
سفن حاويات وصيد تبحر في مضيق هرمز، 23 ديسمبر 2019 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- شهدت مياه الخليج ومضيق هرمز اضطرابات ملاحية غير مسبوقة، حيث أظهرت بيانات التتبع البحري مواقع غير منطقية لعشرات السفن، مما خلق مخاطر كبيرة للملاحة البحرية.
- تعرضت أكثر من 1100 سفينة لاضطرابات في إشارات نظامي GPS وAIS، مما أدى إلى تموضع خاطئ للسفن في مواقع غير متوقعة، وزاد من مخاطر الامتثال القانوني لشركات الشحن.
- أوضح الأكاديمي محمود السنهوري أن التلاعب بإشارات تحديد المواقع يمكن أن يحدث عبر التشويش أو الانتحال، مع احتمالية تورط إيران أو الولايات المتحدة في هذه العمليات.

تحولت مياه الخليج ومضيق هرمز خلال الأيام الأخيرة إلى ساحة ارتباك ملاحي غير مسبوق، بعدما أظهرت بيانات التتبع البحري مواقع عشرات السفن في نقاط برية غير منطقية، بينها مطارات ومنشآت صناعية ومحطة طاقة نووية، فيما بدت سفن أخرى وكأنها ترسم مسارات دائرية منتظمة في عرض البحر. ما خلق مخاطر كبيرة للملاحة البحرية لما يزيد عن عشرة آلاف سفينة بأكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم. وتتجاوز خطورة هذه الظاهرة الجانب التقني البحت، إذ تمس مباشرة سلامة الملاحة وترفع احتمالات الاصطدام. كما تؤدي إلى إطلاق إنذارات امتثال زائفة تتعلق بدخول مياه إقليمية أو مناطق خاضعة لعقوبات.

وبحسب بيانات شركة التحليلات البحرية "ويندوورد" فإن أكثر من 1100 سفينة تعرضت خلال 24 ساعة لاضطرابات في إشارات نظامي تحديد المواقع العالمي (GPS) والتعريف الآلي للسفن (AIS) في الخليج، وسط تصاعد الحرب في المنطقة. وأظهرت بيانات التتبع تموضع سفن بشكل خاطئ في مطارات، ومحطة براكة للطاقة النووية في الإمارات، وعلى اليابسة في مناطق من إيران وعمان، ما خلق مخاطر ملاحية ومخاطر امتثال قانوني لشركات الشحن والبنوك وشركات التأمين. وأوضحت "ويندوورد" أنها رصدت ما لا يقل عن 21 بؤرة جديدة لتشويش إشارات AIS في مياه الإمارات وقطر وعُمان وإيران، مشيرة إلى أن التدخل الإلكتروني كان متفشياً في المنطقة حتى قبل العملية العسكرية الأخيرة، في ممر بحري يعمل فيه نحو عشرة آلاف سفينة في أي وقت.

وسجلت بعض السفن أنماط حركة دائرية غير طبيعية قبالة سواحل الإمارات وقطر وعُمان، فيما جرى تحويل إشارات ناقلة نفط عملاقة كانت تنتظر التحميل قبالة قطر إلى ست مناطق مختلفة خلال يوم واحد. كما تم توجيه إشارات سفن أخرى إلى موانئ إيرانية مثل عسلوية، ما أدى إلى إطلاق إنذارات إيجابية كاذبة تتعلق بانتهاكات عقوبات أو مخاطر امتثال. كما لوحظ أن بعض الناقلات عبرت المضيق دون تشغيل نظام AIS، في وقت باتت فيه بيانات التتبع أقل موثوقية لمراقبة حركة الملاحة. ووفق بيانات صندوق النقد الدولي، يمر عبر المضيق نحو 20% من صادرات النفط والغاز العالمية، وتشكل ناقلات النفط نحو 60% من حركة المرور في المضيق، تليها ناقلات البضائع السائبة بنسبة 17% وسفن الحاويات بنسبة 16%. وحذرت "ويندوورد" من أن استمرار التشويش يزيد مخاطر الاصطدام والتنبيهات الزائفة المتعلقة بالامتثال، ويعمق حالة عدم اليقين التشغيلي في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

كيف يتم تضليل السفن؟

ووسط تساؤلات حول كيفية التلاعب بإشارات تحديد المواقع ونظام التعريف الآلي بحيث تفقد السفن والطائرات إدراكها الحقيقي لموقعها؟ قال الأكاديمي والباحث في أنظمة الملاحة والروبوتات بجامعة فازا الفنلندية، محمود السنهوري، عبر حسابه الشخصي على "فيسبوك"، أوضح أن فهم ما يحدث يبدأ أولاً بفهم آلية عمل نظام تحديد المواقع. فالنظام يعتمد على إشارات ترسلها أقمار صناعية تدور على ارتفاع يقارب 20 ألف كيلومتر، وتحمل معلومات دقيقة جداً عن موقع القمر في مداره، والتوقيت الصحيح لإرسال الإشارة، وخصائص المدار وزاويته وشكله وفق معادلات فلكية معروفة. ويقوم جهاز الاستقبال - سواء في سفينة أو طائرة أو هاتف - بحل معادلات حسابية تعتمد على هذه البيانات لتحديد موقعه على سطح الأرض بدقة مترية.

ويشير السنهوري إلى أن أي خلل أو تلاعب في هذه البيانات، سواء عبر إضعافها أو استبدالها، يؤدي ببساطة إلى موقع خاطئ. فإذا كانت المعلومات القادمة من القمر الصناعي مزيفة أو مشوهة، فإن نتيجة المعادلة ستكون موقعاً مزيفاً أيضاً، ما يعني أن السفينة قد تكون فعلياً في عرض البحر بينما تظهرها الأنظمة على اليابسة، أو في دولة أخرى، أو تدور حول نقطة وهمية. ويضيف: "هناك نوعان رئيسيان من التدخل الإلكتروني في هذا المجال. الأول هو التشويش بالحجب، إذ تبث معدات أرضية إشارات قوية على نفس تردد القمر الصناعي، فتغمر الإشارة الأصلية وتمنع استقبالها، ما يؤدي إلى توقف الخدمة بالكامل. هذا النوع هو الأكثر شيوعاً، لكنه ليس الأخطر، لأنه يكشف نفسه سريعاً بانقطاع الإشارة."

أما النوع الثاني، فهو الانتحال، وهو الأخطر، بحسب السنهوري. ففي هذه الحالة لا تحجب الإشارة، بل ترسل إشارة أرضية تحاكي تماماً خصائص الإشارة الأصلية، لكنها تحتوي بيانات ملاحية مضللة. وبسبب ضعف الإشارة القادمة من الفضاء مقارنة بإشارة أرضية أقوى، قد ينجح جهاز الاستقبال في التقاط الإشارة المزيفة واعتبارها صحيحة، فيحسب موقعاً خاطئاً من دون أن يدرك أنه تعرض للخداع. وهنا لا يتوقف النظام، بل يعمل بكفاءة ظاهرية على بيانات مزورة. ويضيف السنهوري أن هذا النوع من العمليات يمكن أن ينفذ عبر محطات أرضية متحركة تبث إشارات موجهة، أو عبر وسائل أكثر تعقيداً لا تمتلكها إلا جيوش نظامية متقدمة. وفي كلتا الحالتين، فإن الهدف لا يكون تعطيل الملاحة فحسب، بل إعادة توجيهها أو خلق فوضى ملاحية واسعة النطاق.

من المستفيد؟

وفي ما يتعلق بالمستفيد من تضليل إشارات تحديد المواقع (GPS) ونظام التعريف الآلي (AIS)، أشار السنهوري إلى سيناريوهين محتملين للجهة المستفيدة من هذه الاضطرابات في مضيق هرمز. الأول أن تكون إيران هي من يقف خلف عمليات الانتحال، مستفيدة من كونها لا تعتمد بشكل أساسي على النظام المدني الأميركي، بل تستخدم أنظمة ملاحة أخرى تعمل على ترددات مختلفة. وفي هذه الحالة، يكون المتضررون هم السفن والطائرات التي تعتمد على النظام المدني. أما السيناريو الثاني، فيفترض أن تكون الولايات المتحدة قد فعلت عمليات تشويش تكتيكية بهدف حرمان خصومها من استخدام النظام المدني في المنطقة، مع الإبقاء على النظام العسكري الخاص بها الذي يعمل على ترددات منفصلة ومشفرة. ويرى السنهوري أن هذا الاحتمال يبقى أقل ترجيحاً في ظل طبيعة الأضرار المسجلة.

ويضيف السنهوري: "في حال ثبوت استخدام أسلوب الانتحال على نطاق واسع، فإن ذلك يعني عملياً أن السيطرة على مسار السفينة أو الطائرة قد تنتقل – من حيث البيانات – إلى الجهة التي تبث الإشارة المزيفة، من دون أن يشعر الطاقم بذلك فوراً". وهذا ما يفسر التقارير عن مسارات دائرية أو تحركات غير طبيعية رصدت في الأيام الماضية.