سعران لليورو في الجزائر وسط اختبار لسياسة الصرف

02 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 03 ديسمبر 2025 - 11:42 (توقيت القدس)
أشخاص يسيرون بمحاذاة شارع السكوار، 21 يوليو 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت الجزائر في 2025 تباينًا بين سعر اليورو الرسمي والموازي، حيث ارتفع الأخير بسبب الطلب على السفر والاستيراد و"تجارة الكابة"، ليصل إلى 265.06 دينار في يناير.
- استقر سعر اليورو الموازي بين 250 و260 دينارًا حتى يوليو، ثم ارتفع إلى 271 دينارًا في أكتوبر بسبب الطلب الجامعي، وبلغ 286 دينارًا في نوفمبر.
- تحرك السعر الرسمي بين 141 و153 دينارًا بزيادة 7-8%، مما يعكس فجوة 70% بين السعرين بسبب القيود على العملة الصعبة.

منذ مطلع عام 2025 أصبح لليورو في الجزائر وجهان لا يلتقيان، سعر رسمي يتحرك ببطء تحت رقابة بنك الجزائر، وسعر آخر منفلت في السوق الموازية يقفز صعوداً وهبوطاً في يوم واحد، بلا ضوابط نقدية أو شفافية. في هذا الفضاء غير الرسمي يمكن أن ينخفض اليورو أربعة دنانير في 24 ساعة أو يرتفع بالقدر نفسه من دون إعلان ولا تدخل واضح، لأن ما يحكمه ليس قرارات البنك المركزي بل موجات الطلب على السفر والاستيراد و"تجارة الكابة" (استيراد مصغر للبضائع بغرض إعادة بيعها) وفتح بعض قنوات الاستيراد، وفي مقدمِها السيارات وقطع الغيار.

في بداية العام، وبالاستناد إلى بيانات موقع "يورو دي زاد" (EuroDZ) المتخصص في رصد أسعار السوق الموازية، كان اليورو في السكوار يدور حول 243.5 دينارا لليورو الواحد، قبل أن يقفز في 13 يناير/كانون الثاني إلى حوالي 253.5 دينارا، ثم يرتفع  إلى نحو 265.06 دينارا في 31 يناير. خلال أقل من شهر، انتقل اليورو من نطاق 243 إلى 253 دينارا إلى عتبة 266 دينارا. هذه القفزة المبكرة ارتبطت بتزايد الطلب على اليورو لتمويل السفر وبداية موسم الحجوزات، إلى جانب حركة التجار الذين يستعدون لاستيراد السلع الاستهلاكية الخفيفة عبر "تجارة الشنطة" من أوروبا وتركيا، مستفيدين من كل مؤشر عن تيسير واردات أو تخفيف القيود على بعض الفروع التجارية.

من الربيع إلى نهاية يوليو/تموز 2025 ظل اليورو في السكوار فوق 250 دينارا مع تذبذب داخل نطاق 250 إلى 260 دينارا تقريبا. تقرير لمجلة "فايننشال أفريك" (Financial Afrik) حول الفجوة بين السعر الرسمي والموازي يشير إلى أن اليورو كان بنهاية يونيو/حزيران عند حدود 259 دينارا للشراء و263 دينارا للبيع، أي أن 100 يورو كانت تعادل بين 25,900 و26,300 دينار. في هذه الفترة، لم يكن الارتفاع حادا بقدر ما كان تعبيرا عن ضغط ثابت على العملة الأوروبية: توسع "تجارة الشنطة" نحو وجهات أوروبية وآسيوية، واحتياجات مستمرة لتمويل استيراد قطع الغيار والسيارات المستعملة أو الجديدة بعد فتح باب الاستيراد تدريجيا، إضافة إلى طلب عائلات تموّل أبناءها في الخارج، وكل ذلك خارج القنوات البنكية الرسمية.

اقتصاد عربي
التحديثات الحية

خريف السوق الموازية

مع دخول الخريف تغيّر إيقاع السوق الموازية. في 4 أكتوبر/تشرين الأول تقريبا، بلغ اليورو في السكوار 264 دينارا، ثم صعد بدينارين خلال يومين ليستقر حول 266 دينارا طيلة الشهر تقريبا، قبل أن يسجل في 30 أكتوبر قفزة استثنائية إلى حوالي 271 دينارا لليورو الواحد. هذه الحركة تعكس تداخل عوامل موسمية وبنيوية: عودة الطلب الجامعي مع بداية السنة الدراسية في أوروبا، ارتفاع تحويلات أولياء الطلبة باليورو، وزيادة عمليات تمويل واردات موسمية من الأجهزة والسلع قبيل نهاية السنة، مع استفادة المضاربين من كل شائعة تتعلق بشروط استيراد السيارات أو تعديل أنظمة الصرف والسفر.

نوفمبر الاستثناء

في نوفمبر/تشرين الثاني، بدأ التسارع الحقيقي. بعد أسبوع أول حافظ فيه اليورو على مستوى 271 دينارا تقريبا، ارتفع السعر دينارا واحدا في 12 نوفمبر/تشرين الثاني، ثم صعد إلى حوالي 276 دينارا في 24 نوفمبر، قبل أن يلامس مستوى قياسيا عند 286 دينارا في 30 نوفمبر. مع دخول ديسمبر/كانون الأول بدأت موجة تصحيح محدودة، فنزل السعر في ظرف 24 ساعة إلى حوالي 282 دينارا لليورو الواحد. بهذه الحركة يكون اليورو في السكوار قد انتقل خلال العام من 243.5 دينارا في بداية يناير إلى نحو 282 دينارا يوم الثلاثاء 2 ديسمبر 2025، مع قمم قاربت 287 دينارا في أواخر نوفمبر، أي زيادة تناهز 16%.

اليورو بين البنك و"سكوار" الجزائر عام 2025

هذه القفزة الخريفية مرتبطة بتخزين التجار للعملة الصعبة استعدادا لموسم نهاية السنة، وازدياد عمليات الاستيراد عبر "الشنطة" والسيارات، واحتقان عرض اليورو في مواجهة طلب متزايد في سوق ضيقة لا يضبطها بنك مركزي بل شبكة صرافين ومضاربين وشائعات.

اليورو الرسمي

على النقيض من ذلك، كان مسار اليورو رسميا أكثر هدوءا لكنه صاعد بدوره. ووفق بيانات بنك الجزائر تم تداول اليورو بين الأول و31  يناير 2025 بين 141.48 دينارا إلى 141.62 دينارا، ووثقت منصة "إكستشاينج - ريتس دوت أورغ" (exchange-rates.org)" أن سعر 1 يورو في 13 يناير/كانون الثاني الماضي بلغ حوالي 139.76 دينارا، وأن متوسط السنة وقممها يضعان اليورو في حدود 148.47 دينارا. وبلغ أعلى مستوى رسمي مسجل خلال العام حوالي 153.35 دينارا لليورو الواحد، ما يعني أن اليورو تحرك رسميا في نطاق يقارب 140 إلى 153 دينارا فقط على مدار السنة.

في الخريف ونهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تظهر جداول منصات مثل "كانتري إيكونومي (Country Economy) و"إنفستينغ دوت كوم" (Investing.com) أن اليورو كان يتداول رسميا خلال نوفمبر بين 150 و151 دينارا، مع قيم يومية تدور حول 150.80 إلى 151.80 دينارا لليورو في الفترة من 10 إلى 30 نوفمبر. 

أما اليوم الثلاثاء 2 ديسمبر 2025، فتشير صفحة "سعر الصرف اليومي" في موقع بنك الجزائر بوضوح إلى أن السعر الرسمي لليورو هو 151.1663 دينارا. وهكذا يكون اليورو قد انتقل رسميا من حوالي 141 دينارا في بداية يناير إلى نحو 151 دينارا في 2 ديسمبر، أي زيادة رسمية في حدود 7 إلى 8% فقط، مقارنة بقفزة تقارب 16% في السكوار.

الفجوة الغريبة

هذه الفجوة بين السعرين ليست تفصيلاً تقنياً، بل أصبحت عنواناً لاختبار حقيقي لسياسة الصرف في الجزائر. إذ أشار صندوق النقد الدولي في تقرير "مشاورات المادة الرابعة" لسنة 2025 إلى أن "علاوة السوق الموازية" على السعر الرسمي اتسعت منذ 2022 لتصل إلى حوالي 70%، وهو ما ينسجم مع الصورة الحالية حيث واصل الفارق الاتساع مع نهاية 2025. هذه العلاوة تعكس مزيجا واضحا: استمرار القيود على الحصول على العملة الصعبة عبر البنوك، وتوسع الاعتماد على السكوار لتمويل الاستيراد الصغير والمتوسط و"تجارة الشنطة"، وتأخر عودة الثقة الكاملة في المنظومة الرسمية للصرف.

ويقترب عام 2025 من إسدال ستارته بيورو رسمي يتقدم بخطوات محسوبة تحت رقابة بنك الجزائر، ويورو موازٍ في السكوار يتحرك بخطوات سريعة تحكمها تجارة السيارات و"الشنطة" والسفر والمضاربة، لتبدو الفجوة بين السوقين كأنها مرآة للتوتر بين الاقتصاد الرسمي واقتصاد الظل في الجزائر.

المساهمون