خلافات حول الإنفاق العام وعوائد النفط وراء استقالة محافظ محافظ مصرف ليبيا الركزي
أكّدت مصادر مقربة من محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، لـ"العربي الجديد"، أن استقالته وطلبه الإعفاء من منصبه جاء على خلفية "عدم تعاون" الأطراف المنقسمة في الدولة بشأن ضبط الإنفاق العام، وتوريد عوائد النفط إلى المصرف المركزي، في وقت تتواصل فيه الخلافات السياسية والمؤسسية بشأن إدارة الموارد العامة، بما يفرض ضغوطاً متزايدة على الوضع الاقتصادي والمالي في البلاد.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
وأضافت المصادر أن عيسى يرى أن استمرار الخلافات بشأن الإنفاق العام وتدفقات الإيرادات النفطية يحدّ من قدرة المصرف المركزي على أداء مهامه المتعلقة بالحفاظ على الاستقرار النقدي وإدارة النقد الأجنبي، في ظل تزايد الضغوط على سعر صرف الدينار والاحتياطيات. وبحسب المصادر نفسها، فإنّ المحافظ أبلغ الجهات المعنية بقراره، لكنه لم يكشف علناً عن جميع الأسباب التي دفعته إلى طلب الإعفاء، وأشار إلى أن بعضها يرتبط بملفات حساسة.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه ليبيا تحديات متزايدة تتعلق بتوحيد الإنفاق العام، وضمان توريد الإيرادات النفطية إلى القنوات الرسمية، والحد من توسع الإنفاق، وهي ملفات ترتبط بصورة مباشرة بقدرة مصرف ليبيا المركزي على إدارة السياسة النقدية وسوق النقد الأجنبي.
تأتي استقالة ناجي عيسى في وقت تواجه فيه ليبيا تحديات متزايدة تتعلق بتوحيد الإنفاق العام، وضمان توريد الإيرادات النفطية إلى القنوات الرسمية، والحد من توسع الإنفاق
وفي السياق ذاته، اعتبر أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة عبد الحميد الفضيل أن استقالة المحافظ "تمثل مؤشراً بالغ الخطورة إلى الوضع الاقتصادي في البلاد"، محذراً من أن التطورات الحالية "قد تكون أكثر كارثية مما يتصوره كثيرون"، وقال الفضيل لـ"العربي الجديد" إن "الاستقالة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد إجراء إداري، وإنما باعتبارها جرس إنذار يعكس عمق الأزمة المالية والنقدية التي تواجه ليبيا"، مشيراً إلى مجموعة من العوامل التي يرى أنها تقف وراء هذه التطورات.
ومن أبرز هذه العوامل، وفقاً لتقدير الفضيل، استمرار الإنفاق المزدوج وتراجع الوعود المتعلقة بتوحيد الإنفاق العام، إلى جانب الضغوط المتزايدة على الإيرادات النفطية. كما أشار الفضيل إلى الارتفاع الكبير في كلفة واردات المحروقات، موضحاً أنها بلغت نحو 1.41 مليار دولار خلال شهر يونيو/حزيران وحده، إضافة إلى ما وصفه بـ"وجود عمليات تهريب وتصدير للنفط الخام عبر قنوات غير رسمية، وهو ما يزيد الضغوط على الموارد المالية للدولة".
وتطرق أستاذ الاقتصاد كذلك إلى ما وصفه بـ"التآكل المتسارع في الاحتياطيات الأجنبية، مع تفاقم عجز النقد الأجنبي"، معتبراً أن استمرار هذا المسار "يمثل تهديداً للاستقرار النقدي وقد ينعكس سلباً على الاقتصاد الليبي". وبحسب بيان خبراء صندوق النقد الدولي الصادر في إبريل/نيسان 2026، بلغ العجز المالي نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025، بينما ارتفع الدين العام إلى نحو 146% من الناتج، بعدما تضاعف تقريباً خلال عامين.
وبحسب بيانات الصندوق فإن الإنفاق العام توسع إلى مستويات غير مستدامة، وإن استمرار الضغوط المالية يهدد الاستقرار الخارجي والنقدي. ويرى الصندوق أن "الفجوة الكبيرة بين سعر الصرف الرسمي والسوق الموازية، رغم تقلصها عن مستويات الذروة، تعكس استمرار الطلب الزائد على العملة الأجنبية، فيما ساهمت الضغوط المالية في دفع التضخم إلى مستويات من خانتَين وإضعاف القوة الشرائية".
ويؤكد الصندوق أن الإنفاق الحكومي توسع إلى مستويات تتجاوز قدرة الاقتصاد على التحمل، وإن "استمرار هذا المسار يفرض ضغوطاً متزايدة على سعر صرف الدينار والاحتياطيات الأجنبية والتضخم"، كما حذر من أن "استخدام إيرادات النفط الإضافية لتمويل إنفاق جديد قد يزيد هشاشة الاقتصاد"، داعياً بدلاً من ذلك إلى ادّخار جزء من الإيرادات الاستثنائية وإعادة بناء الاحتياطيات وتنفيذ إصلاحات مالية طال انتظارها.
بحسب بيانات صندوق النقد فإن الإنفاق العام توسع إلى مستويات غير مستدامة، وإن استمرار الضغوط المالية يهدد الاستقرار الخارجي والنقدي
بدوره، قال المصرفي معتز هويدي إن طلب إعفاء محافظ مصرف ليبيا المركزي ينبغي قراءته في سياق أوسع من مسألة بقاء المحافظ أو رحيله، مشيراً إلى أن جوهر المشكلة يتعلق بقدرة المؤسسة النقدية على إدارة السياسة النقدية في ظل استمرار الضغوط المالية وتعدد مراكز القرار بشأن الإنفاق العام.
وأضاف هويدي في حديث لـ"العربي الجديد" أن "المصرف المركزي يستطيع إدارة السيولة وسوق النقد الأجنبي، لكنه لا يستطيع بمفرده معالجة مشكلة الإنفاق العام أو ضمان توريد الإيرادات النفطية"، معتبراً أنّ "استمرار الفجوة بين الإنفاق والإيرادات يضع المصرف أمام خيارات صعبة للحفاظ على استقرار سعر الصرف".
ووفق المصرفي الليبي فإن "أي تغيير في قيادة المصرف في هذه المرحلة يحتاج إلى توافق سياسي واسع، لأنّ أخطر ما يمكن أن يحدث هو الدخول في أزمة جديدة حول شرعية المحافظ أو استقلالية المصرف"، محذراً من أنّ "مثل هذا السيناريو قد ينعكس سريعاً على ثقة المتعاملين والسوق الموازية".
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي أحمد المبروك إنّ "المشكلة الأساسية تكمن في العلاقة بين السياسة المالية والسياسة النقدية"، موضحاً أن "كل توسّع غير ممول في الإنفاق يخلق طلباً إضافياً على العملة الأجنبية، والمصرف المركزي يجد نفسه في النهاية أمام مهمة احتواء آثار هذا الإنفاق على سعر الصرف". وأضاف متحدثاً لـ"العربي الجديد" أن استمرار الاعتماد على النفط مصدراً رئيسياً للإيرادات يجعل المالية العامة شديدة الحساسية لأي خلاف بشأن إنتاج النفط أو توريد عائداته أو طريقة توزيعها.
وحذر المبروك من أنّ "استمرار الضغوط على النقد الأجنبي قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، وهو ما ينعكس على أسعار السلع والخدمات وعلى القوة الشرائية للدينار". وخلص إلى أنّ التطور الأهم في المرحلة المقبلة لن يكون اسم المحافظ الجديد، وإنما ما إذا كانت السلطات الليبية ستنجح في توحيد القرار المالي والنقدي، وضبط الإنفاق، وضمان توريد عوائد النفط، ما يسمح للمصرف المركزي بإدارة سعر الصرف والاحتياطيات ضمن بيئة أكثر استقراراً.