تغيير قواعد اللعبة... سباق عالمي لخفض كلفة الدفاع ضد المسيّرات
استمع إلى الملخص
- تواجه الدول تحديات اقتصادية في الدفاع ضد المسيّرات، مما يدفع الحكومات لإعادة النظر في ميزانياتها الدفاعية، مع التركيز على تطوير أنظمة منخفضة التكلفة، مثل المسيّرات الاعتراضية.
- تتسارع الجهود الأوروبية لتعزيز القدرات الدفاعية ضد المسيّرات، مما يفتح الباب لتحالفات صناعية جديدة ويعيد تشكيل أولويات البحث والتطوير، مع توسع السوق في آسيا والشرق الأوسط.
غيّرت الحرب الروسية الأوكرانية قواعد اللعبة الاقتصادية في ساحات المعارك، إذ باتت المسيّرات الرخيصة (الطائرات بدون طيار) تهدد أنظمة دفاعية تكلف ملايين الدولارات لإسقاطها، ما دفع الجيوش الكبرى إلى سباق محموم لتطوير حلول منخفضة الكلفة تعيد التوازن إلى الكلفة لكل إصابة. وقد تجسد هذا التحول في معرض الصناعات الدفاعية DSEI في لندن، الذي اختتمت فعاليته أمس الجمعة، إذ ازدحمت القاعات بعروض لأنظمة ليزر وتشويش إلكتروني ومسيّرات اعتراضية، جميعها تستهدف خفض تكلفة الدفاع وجعل حماية البنى التحتية الحيوية أكثر استدامة اقتصادياً. ويقدر خبراء الصناعة أن سوق أنظمة مكافحة المسيرات قد تتجاوز 20 مليار دولار عالمياً بحلول 2030، ما يفرض على الحكومات إعادة هيكلة ميزانياتها الدفاعية وتوجيه استثمارات ضخمة نحو تقنيات إنتاج مرنة وقابلة للتوسع، في مؤشر على دورة تسليح جديدة تعيد رسم خريطة الصناعة الدفاعية العالمية.
وبحسب "بلومبيرغ"، فإنّ تكلفة الدفاع ضد المسيّرات غالباً ما تتجاوز تكلفة الهجوم نفسه. فالمسيّرة الهجومية قد لا تتجاوز كلفتها بضع مئات من الدولارات، في حين أن صاروخ الدفاع الجوي التقليدي قد تصل كلفته إلى ملايين الدولارات، ما يخلق فجوة في الكلفة لكل إصابة تضغط على الميزانيات العسكرية.
وأجبر هذا الخلل الاقتصادي صانعي القرار على إعادة التفكير في بنية الإنفاق الدفاعي وتوجيه استثمارات أكبر نحو أنظمة منخفضة التكلفة مثل التشويش الإلكتروني، الليزر، والمسيّرات الاعتراضية الرخيصة. وتعمل شركات ناشئة مثل Tytan Technologies الألمانية على تطوير مسيّرات اعتراضية يمكن إنتاجها بكثافة وبيعها بأسعار تنافسية، وقد جمعت مؤخراً 19 مليون دولار تمويلاً من مستثمرين أوروبيين، ما يشير إلى دخول رأس المال المغامر بقوة إلى قطاع الدفاع ضد المسيّرات.
يقدر خبراء الصناعة أن سوق أنظمة مكافحة المسيرات قد تتجاوز 20 مليار دولار بحلول 2030، ما يفرض على الحكومات إعادة هيكلة ميزانياتها الدفاعية وتوجيه استثمارات ضخمة نحو تقنيات إنتاج مرنة وقابلة للتوسع
وأعلنت ألمانيا عن خطة لامتلاك نحو 5,700 مسيرة غير مأهولة و560 نظام اعتراض و2070 نظام ذخيرة جوالة بحلول 2029، في إطار إعادة هيكلة شاملة لقدراتها الدفاعية. وتأتي هذه الخطوة ضمن توجه أوروبي أوسع لتعويض النقص في منظومات الدفاع الجوي بعد استنزاف المخزونات بسبب دعم أوكرانيا. وتشير تقديرات خبراء الدفاع إلى أن الطلب الأوروبي على حلول مكافحة المسيّرات قد يتضاعف بحلول 2030، ما يخلق سوقاً بمليارات اليوروهات للشركات الدفاعية. ويفتح هذا الطلب المتزايد الباب أمام تحالفات صناعية جديدة ويعيد تشكيل أولويات البحث والتطوير في شركات مثل لوكهيد مارتن وبي إيه إي سيستمز، ويشكل ارتفاع وتيرة الإنفاق على أنظمة الدفاع ضد المسيّرات ضغطاً كبيراً على الميزانيات الدفاعية، خصوصاً لدى الدول التي توازن بين متطلبات الأمن الداخلي وقيود العجز المالي.
ووفقاً لمحللي بلومبيرغ، فإنّ تكلفة تزويد حلف الناتو بأنظمة دفاع فعّالة قد تتجاوز عشرات المليارات خلال الأعوام الخمسة المقبلة، في وقت تعاني فيه بعض الدول الأعضاء من تباطؤ اقتصادي. وهو ما قد يدفع الحكومات إلى إعادة توزيع بنود الإنفاق الدفاعي على حساب برامج أخرى، أو إلى الشراكة مع القطاع الخاص لتقاسم المخاطر التمويلية وتسريع الإنتاج. ويشهد قطاع "مكافحة المسيّرات" توسعاً لافتاً في أسواق آسيا والشرق الأوسط، إذ تسعى دول مثل تايوان والسعودية لتعزيز قدراتها تحسباً لتهديدات محتملة. وتبرز شركات تكنولوجية أميركية مثل Droneshield وDedrone التي تقدم حلولاً محمولة أشبه ببنادق قادرة على تعطيل المسيّرات، إضافة إلى حلول هجينة تجمع بين الرادار والذكاء الاصطناعي.
ويتوقع خبراء الصناعة أن يتضاعف حجم سوق الدفاع ضدّ المسيّرات إلى أكثر من 20 مليار دولار بحلول 2030، مدفوعاً بالطلب المتزايد على حلول رخيصة وقابلة للتوسع، لا سيّما مع انتشار هجمات "الأسراب" التي قد تشل البنية التحتية الحيوية مثل حقول النفط والمطارات.
وعلى الرغم من زيادة الطلب، يشير خبراء مثل فابيان هينز من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن المقياس الأهم ليس الكلفة بل قدرة الإنتاج على التوسع بسرعة لتلبية احتياجات الجيوش. فحتى لو توفرت الموارد المالية، يبقى خطر نقص الإنتاج قائماً بسبب محدودية سلاسل الإمداد، وهو ما قد يعيق تحقيق التوازن بين العرض والطلب. ويفتح هذا التحدي الصناعي الباب أمام فرص للاستثمار في توطين صناعة الأنظمة المضادة للمسيّرات وتطوير خطوط إنتاج مرنة قادرة على تلبية الطلب في أوقات الأزمات.