انهيار نوفمبر يمحو مكاسب الشباب الخليجي في بيتكوين

27 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:57 (توقيت القدس)
إقبال خليجي على الاستثمارات الرقمية، 28 أكتوبر 2025 (فايز نور الدين/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت بيتكوين تراجعًا بنسبة 29% في نوفمبر 2025، مما أدى إلى محو مكاسبها السنوية، نتيجة البيع الإجباري والقلق من السياسات النقدية الأمريكية وخروج رؤوس الأموال المؤسسية.
- يوضح باسكال ضاهر أن الهبوط يعود لعوامل هيكلية مثل جني الأرباح وتصاعد المخاطر الاقتصادية، مشددًا على أهمية إدارة المخاطر وتنويع المحفظة.
- يشير علي أحمد درويش إلى أن التراجع يعكس المخاطر المرتفعة للعملات الرقمية، محذرًا من الاعتماد الكلي عليها وضرورة حساب قدرة المستثمر على تحمل الخسائر.

شهدت قيمة عملة بيتكوين انهيارًا حادًا خلال نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، حيث تراجع السعر ليصل إلى مستويات دون 90 ألف دولار بعد أن تجاوزت 126 ألف دولار في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ما أدى إلى محو كامل مكاسب العملة الرقمية الأولى خلال عام 2025 وخاصة للشباب الخليجي.

فالانخفاض الحاد لقيمة بيتكوين بنسبة 29% من ذروة أكتوبر/تشرين الأول الماضي يعكس موجة من البيع الإجباري والقلق المتعاظم حول السياسات النقدية الأميركية، ما أضعف جاذبية الأصول عالية المخاطرة، بالإضافة إلى موجات واسعة من تصفية الصفقات الممولة بالاستدانة وخروج رؤوس الأموال المؤسسية من صناديق بيتكوين بقيمة تجاوزت 1.38 مليار دولار خلال ثلاثة أسابيع.
وتشير البيانات التقنية إلى أن هذا تصحيح دوري طبيعي وليس انهيارًا حقيقيًا، فسقوط بيتكوين 29% يتماشى مع الأنماط التاريخية للتصحيحات الصحية التي حدثت في 2017 و2021، وكلاهما سبق فترات ارتفاع انفجاري، حسب تحليل نشرته منصة Investing، المتخصصة في التحليل المالي والتقني. وينصح تقدير المنصة المستثمرين الشباب بدول الخليج بتقسيم المحفظة بين بيتكوين والعملات الرقمية الأخرى، مع الاستثمار في الذهب وصناديق الاستثمار المتوازنة، مؤكدًا أن استراتيجية الشراء بالمتوسط المنتظم والعملات المستقرة تقلل من تأثير تقلبات السوق بشكل كبير.

عوامل هيكلية للتراجع 

يؤكد الأكاديمي والمحاضر المتخصص في الرقابة القضائية على المصارف، باسكال ضاهر، لـ "العربي الجديد"، أن الهبوط الأخير في سعر بيتكوين يعود إلى تضافر مجموعة من العوامل الهيكلية والظرفية التي تكشف عن تعقيدات السوق الرقمية وارتباطها الوثيق بالديناميكيات الاقتصادية الأوسع. ويوضح ضاهر أن جني الأرباح ودورة التصحيح الطبيعي جاء بعد موجة صعود حادة، وهو من بين الأسباب الجوهرية للهبوط الأخير، فبعد أن وصل السعر إلى مستويات قياسية عند 126 ألف دولار، دخلت السوق مرحلة ما يُعرف بـ "التصحيح الصحي"، حيث سعى المستثمرون الكبار إلى إعادة توازن محافظهم عبر تحويل أرباحهم إلى سيولة أو أصول أكثر استقرارًا، ما ولّد ضغطًا بيعيًا طبيعيًا في سوق يشهد دورات اندفاعية (Parabolic Phases) تتسم بالصعود الأسرع من قدرة السوق على الاستيعاب.

ويلعب تصاعد المخاطر الاقتصادية الكلية دورًا محوريًا في تراجع بيتكوين أيضًا، حسب ضاهر، فتباطؤ توقعات خفض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة، وارتفاع عوائد السندات الحكومية، وتنامي مخاوف التباطؤ الاقتصادي العالمي، دفعت المستثمرين إلى اتباع ما يُعرف بسلوك "الابتعاد عن المخاطرة" (Risk-Off Sentiment)، وهو ما يعني سحب السيولة من الأصول عالية التقلب، ومنها العملات الرقمية، وإعادتها إلى أدوات أكثر أمانًا. ويضيف ضاهر أن استخدام الرافعة المالية بكثافة من قبل المتداولين ساهم في تسريع الهبوط، إذ أدت خسائر المراكز المرتفعة إلى تفعيل أوامر الإغلاق التلقائي، ما ولّد ما يُعرف بـ "تسلسل التصفية"، وهو آلية تضخمية هابطة تزيد من وتيرة الانخفاض لحظيًا.

تغير المزاج العام للمستثمرين سلبًا كان أحد عوامل تراجع بيتكوين أيضًا بحسب ضاهر، خصوصًا مع ارتباط العملة الرقمية المتزايد بأسهم التكنولوجيا عالية التقلب، والتباطؤ في مكاسب شركات الذكاء الاصطناعي، وارتفاع مؤشرات التقلب، ما جعله أكثر عرضة لأي اهتزاز في ثقة السوق.

ويرى ضاهر أن هذا التراجع يحمل 3 دلالات أساسية: الأولى تتمثل في تأكيده على طبيعة البيتكوين أصلا عالي التقلب هيكليًا، ما يستدعي من المستثمرين، وخاصة الشباب الخليجي المتأثر بقصص النجاح السريعة، فهم أن الخسارة قد تكون أسرع من الربح وأقسى. وتتمثل الدلالة الثانية في أن هذا التصحيح قد يُعد فرصة لإعادة التموضع على المدى الطويل، شرط أن يُنظر إليه في سياقه الدوراني وليس بوصفه مؤشرا على انهيار هيكلي، حسبما يرى ضاهر.

أما الدلالة الثالثة، حسب ضاهر، فهي ضرورة اعتماد استراتيجيات إدارة مخاطر صارمة، تشمل تنويع المحفظة، وتجنب الاعتماد على أصل واحد، والتمييز بين المضاربة والاستثمار، وتحديد نسب مقبولة من رأس المال للمخاطرة دون المساس بالاستقرار المالي الشخصي. وعلى الصعيد العالمي، يرى ضاهر أن هناك قراءتين رئيسيتين للهبوط: السيناريو الأول، وهو الأرجح، يراه جزءًا من دورة السوق الطبيعية، مدعومًا بوجود مستويات دعم قوية بين 95 و100 ألف دولار واستمرار مشتريات مؤسسية، ما يبقي بيتكوين ضمن اتجاه صاعد طويل الأجل.

أما السيناريو الثاني، الأقل احتمالًا حسب تقدير ضاهر، فيتحقق فقط في حال استمرار الضغوط، وتراجع التدفقات المؤسسية بشكل حاد، أو تصاعد التشريعات التقييدية، أو حدوث صدمات سيولة كبرى، ما قد يؤدي إلى "إعادة تقييم هيكلي" للسوق بأسعار أقل لفترة ممتدة.

ويشير ضاهر إلى أهمية التحوط عبر أدوات متنوعة، كالعقود الآجلة (باستخدام حذر)، أو التحول المؤقت إلى أصول أكثر استقرارًا، أو البيع التدريجي عند مستويات محددة. ويخلص ضاهر إلى أن تراجع بيتكوين يبقى تحذيرًا من هشاشة الأسواق الرقمية أمام الصدمات الكلية، لكنه لا يلغي الإمكانات طويلة الأجل، ويبقى المفتاح أمام المستثمر الخليجي الشاب هو الجمع بين الوعي والتحليل وإدارة المخاطر والتنويع، فـ "السوق الرقمية فرصة قائمة، لكنها تعاقب بقسوة أي استثمار غير محسوب" حسب تعبيره.

غياب الظهير الاقتصادي

بدوره، يشير الخبير الاقتصادي والمستشار المالي علي أحمد درويش، لـ "العربي الجديد"، إلى أن التراجع الحاد في أسعار العملات الرقمية، ومن بينها بيتكوين، يأتي في سياق تحذيرات سابقة من المخاطر المرتفعة المرتبطة بهذا النوع من الأصول، لما تمتاز به من تقلب شديد وعدم وضوح في الأسس الاقتصادية الداعمة لها، مرجعًا هذا الهبوط إلى مجموعة من العوامل المتضافرة، أبرزها ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا، الذي دفع المستثمرين إلى سحب أموالهم من الأصول عالية المخاطر والتحول إلى استثمارات أكثر أمانًا وعوائد ثابتة نسبيًا. ويوضح درويش أن غياب "ظهير اقتصادي" واضح للعملات الرقمية، مثل آليات إصدارها أو طبيعة العمولات المرتبطة بها، أو غموض جزء من بنيتها الأساسية، يزيد من هشاشتها في أوقات التقلب، وقد تفاقم هذا الاتجاه الهبوطي مع كسر حاجز نفسي عند مستوى 100 ألف دولار، ليتراجع السعر إلى أقل من 92 ألفًا، ما أدى إلى انسحاب شرائح واسعة من المستثمرين.
وينوه درويش إلى أن الهبوط الذي تجاوز 25% لا يعد تصحيحًا عابرًا، بل قد يكون بداية لمرحلة أعمق من التراجع، ما يعني أن أي انتعاش محتمل للأسعار قد يستغرق وقتًا طويلًا إن حصل، مؤكدًا أن هذا التصحيح كشف طبيعة هذه الاستثمارات كأصول مضاربية تفتقر إلى الاستقرار، وعرضة لانسحابات سريعة بمجرد تغير المزاج الاستثماري العالمي، وهو ما يعزز التحفظات حول جدواها على المدى المتوسط والطويل.
ويخلص درويش إلى التأكيد على أن قدرة المستثمر على تحمل الخسائر يجب أن تكون محسوبة بدقة، بحيث لا تمس استقراره المالي على المديين المتوسط أو الطويل، معتبرًا أن مصير العملات الرقمية في المرحلة المقبلة سيتوقف على عوامل متعددة، أبرزها اتجاه أسعار الفائدة ومستوى السيولة العالمية وقدرة هذه الأصول على جذب المستثمرين مجددًا في ظل بيئة محفوفة بالمخاطر، وعليه فإن الاعتماد الكلي على هذه الأسواق يبقى مجازفة لا تتناسب مع استراتيجيات الاستثمار الحصيفة.