الوقود يحرق جيوب الجزائريين مع بداية عام 2026

03 يناير 2026   |  آخر تحديث: 05:03 (توقيت القدس)
محطة وقود تابعة لشركة نافتال في الجزائر، 19 أبريل 2023 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- من المتوقع أن تؤدي زيادات أسعار الوقود في الجزائر إلى تأثيرات غير مباشرة على الأنشطة التجارية، خاصة في قطاع النقل، حيث قد تُستغل كمبرر لرفع الأسعار بشكل غير متناسب.
- يقترح الخبير سليمان ناصر إعادة النظر في سياسة الدعم لضمان استفادة الطبقات الهشة وتحمل الفئات الأخرى التكاليف الحقيقية، مشدداً على أهمية وجود منظومة إحصائية قوية لدعم الاستراتيجيات الوطنية.
- يعبر مصطفى زبدي عن مخاوفه من استغلال زيادات الوقود لفرض زيادات عشوائية في الأسعار، مؤكداً على ضرورة الرقابة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

من المتوقع ألا تتوقف الزيادات المقررة في أسعار الوقود في الجزائر، على الرغم من كونها طفيفة، عن حد تكاليف استغلال هذه المواد الطاقوية مباشرة، بحكم ارتباط تكاليف النقل والإنتاج بالسعر النهائي لمختلف المنتجات، ويخشى متابعون أن تتحول هذه الزيادات إلى عامل ضغط إضافي على الأسواق، إذا ما استُغلت من بعض المتعاملين مبرراً لرفع الأسعار بشكل غير متناسب. وتعود آخر زيادات مماثلة أقرتها الجزائر على أسعار المواد الطاقوية، إلى مطلع سنة 2024، بعد سنوات من الاستقرار النسبي في الأسعار، وقبل ذلك، سُجّلت زيادات أكثر وضوحاً في سنة 2016 في إطار إصلاحات مالية مرتبطة بتراجع عائدات النفط.

في السياق، يقول الخبير في الشأن المالي والاقتصادي، سليمان ناصر، لـ"العربي الجديد"، إنّ الزيادات في أسعار الوقود ستنعكس على مختلف الأنشطة التجارية والاقتصادية، وبالأخص على التسعيرات المرتبطة بالنقل، وأشار إلى ممارسات قد يلجأ إليها البعض من خلال اتخاذ هذه الزيادة "طفيفة" كذريعة لرفع تكاليف النقل مثلاً، وبالتالي فإنّ مرافقتها من إجراءات رقابية من الجهات المسؤولة أمر ضروري. كما أوضح أن التأثير على القدرة الشرائية للمواطنين سيكون بطريقة غير مباشرة، من منطلق أنّ أسعار المواد الغذائية واسعة الاستهلاك لم ترتفع بطريقة مباشرة، وإن كان ارتفاع سعر الوقود بحكم استعماله في نقل البضائع والمواد الأولية ودورات الإنتاج يزيد من تكلفة، من المنطقي أن تجد انعكاسا لها في السعر النهائي.

ومن الناحية المقابلة، أشار الخبير سليمان ناصر إلى أنّ المواد الطاقوية في مجملها مدعّمة في السوق الجزائرية، بما في ذلك أيضا أسعار الكهرباء والغاز المستعملين في البيوت أو الأنشطة الاقتصادية على السواء، وهذه الأسعار المدعّمة خلقت نوعاً من الممارسات المناقضة للترشيد والاستهلاك العقلاني، غير أنّ الحلّ في رأي الدكتور ناصر هو إعادة النظر في سياسة الدعم، من خلال إيجاد الآليات التي من شأنها تمكين الطبقات الهشة من الاستفادة منه، وتحمل غيرهم التكاليف الحقيقية، ضمن استراتيجية أقرب إلى تجسيد العدالة الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، شدد المتحدث على أهمية الاعتماد على منظومة إحصائية قوية، شفافة ومحيّنة، تكون بمثابة الأرضية لوضع الاستراتيجيات الوطنية، على غرار منظومة الدعم والتحويلات الاجتماعية، ولا سيما أنّ الطابع الاجتماعي للبلاد يعد أحد أهم معايير الجزائر المنصوص عليها في "بيان نوفمبر" (المؤسس لمبادئ الجزائر المستقلة)، وبالتالي حماية الطبقات الهشة في نفس الوقت مع حماية الاقتصاد الوطني والتوازنات المالية للبلاد.

وأوضح رئيس جمعية حماية المستهلك وإرشاده الجزائرية، مصطفى زبدي، أن هذه الزيادات لا ترتبط مباشرة بقانون المالية، كما يعتقد البعض، وإنما تندرج ضمن آلية إعادة تقييم منتوج مدعّم وفق معايير محددة، مشيراً إلى أنّ قانون المالية لسنة 2022 يتيح إمكانية مراجعة أسعار بعض المواد المدعّمة، من خلال لجان مختصة تتولى إعادة التكييف بناء على تكلفة الإنتاج وهوامش الربح. ويشير إلى أنّ تزامن دخول هذه الزيادات حيز التنفيذ مع بداية العمل بمضمون قانون المالية، هو ما خلق حالة من الغموض والالتباس لدى الرأي العام.

المواطن الجزائري يظل مجبراً على استعمال وسائل النقل واستهلاك هذا النوع من الطاقة، ما يجعل هامش تقليص الاستهلاك محدوداً

ورغم إقراره بأن الزيادة كانت مفاجئة نسبيا، إلا أن المتحدث شدد، في تصريحه لـ"العربي الجديد" على أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في قيمة الزيادة في حد ذاتها، والتي وصفها بالمحدودة (من دينار إلى ثلاثة دنانير في اللتر الواحد)، وإنما في الانعكاسات المحتملة وغير المباشرة التي قد تترتب عنها، في حال استُغلت من طرف بعض المتعاملين كمبرر لرفع أسعار خدمات وسلع أخرى.

وفي هذا الإطار، عبّر رئيس جمعية حماية المستهلك عن تخوّف الجمعية من أن تتحول هذه الزيادات إلى ذريعة لأخرى غير مبررة في قطاعات أخرى، على غرار النقل وبعض المواد الاستهلاكية واسعة الاستهلاك، مثل الخضر والفواكه، وهو ما قد يثقل كاهل المواطنين ويمس بقدرتهم الشرائية، الأمر الذي يفرض مرافقة الإجراء بمراقبة لمنع أي انزلاقات قد يتحملها المواطن. وأوضح زبدي أن التجارب السابقة أظهرت لجوء بعض الأطراف إلى استغلال أي تعديل في الأسعار لفرض زيادات عشوائية وغير قانونية، مؤكداً أنّ الجمعية ترفض أن يكون رفع أسعار الوقود مدخلاً لتحميل المستهلك أعباء إضافية لا مبرر لها اقتصادياً.

وعن تأثير هذه الزيادات على سلوك المستهلك، أشار المتحدث إلى أن المواطن الجزائري يظل مجبراً على استعمال وسائل النقل واستهلاك هذا النوع من الطاقة، ما يجعل هامش تقليص الاستهلاك محدوداً، لافتاً إلى أن القدرة الشرائية قد تتأثر فقط في حال غياب الرقابة وترك المجال لارتدادات سعرية غير مضبوطة. وفي ما يخص الجدل المتعلق بإمكانية مراجعة شاملة لسياسة الدعم، نفى زبدي أن تكون هذه الزيادات خطوة أولى في هذا الاتجاه، مؤكداً أنّ الدولة الجزائرية ذات طابع اجتماعي، وأن التخلي عن سياسة الدعم ليس مطروحاً في الظرف الراهن. وذكّر في هذا الصدد بتأكيدات رئيس الجمهورية المتكررة على الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة وحماية الفئات الهشة.