المواهب الصينية محرك خفي لريادة أميركا في الذكاء الاصطناعي

19 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 13:57 (توقيت القدس)
مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في أميركا، أوهايو 24 يوليو 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- كشف مارك زوكربيرغ عن مختبر الذكاء الخارق لشركة ميتا، مشيرًا إلى انضمام 11 باحثًا في الذكاء الاصطناعي، معظمهم من الصين، مما يبرز دور العقول الصينية في الأبحاث الأميركية رغم التوترات السياسية.
- تُظهر الأبحاث أن الباحثين الصينيين يشكلون جزءًا كبيرًا من أفضل المواهب العالمية في الذكاء الاصطناعي، ويعمل معظمهم في شركات وجامعات أميركية، مع تحذيرات من أن القيود على الهجرة قد تضر بالأبحاث الأميركية.
- تعتمد شركات التكنولوجيا الكبرى مثل ميتا ومايكروسوفت على التعاون مع الباحثين الصينيين، لكنهم يواجهون تحديات في الحصول على التأشيرات، مما يثير مخاوف من تراجع تدفق الكفاءات وتأثيره على الابتكار في وادي السيليكون.

كشف مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، عن مختبر الذكاء الخارق الخاص بالشركة في يونيو/ حزيران، وذكر أسماء 11 باحثًا في الذكاء الاصطناعي ينضمون إلى جهوده الطموحة لبناء آلة أقوى من الدماغ البشري. كان جميع هؤلاء الـ11 مهاجرين تلقّوا تعليمهم في دول أخرى، سبعة منهم وُلدوا في الصين، وفقًا لمذكرة اطّلعت عليها صحيفة نيويورك تايمز. على الرغم من أن بعض التنفيذيين في وادي السيليكون يصوّرون الصين عدواً، فإن العقول الصينية تواصل لعب دور كبير في الأبحاث الأميركية.

تُظهر دراستان جديدتان أنّ الباحثين المولودين والمتعلمين في الصين لعبوا لسنوات أدوارًا رئيسية داخل مختبرات الذكاء الاصطناعي الأميركية الرائدة. كما أنهم يواصلون دفع أبحاث مهمة في الصناعة والأوساط الأكاديمية، على الرغم من حملة إدارة ترامب على الهجرة وتنامي المشاعر المناهضة للصين في وادي السيليكون. وتُقدّم الأبحاث، الصادرة عن منظمتين، نظرة تفصيلية على مدى اعتماد صناعة التكنولوجيا الأميركية على المهندسين من الصين، خصوصًا في الذكاء الاصطناعي. كما توفر نتائجها فهمًا أكثر دقة لكيفية استمرار الباحثين في البلدين في التعاون، رغم اللغة المتصاعدة بين واشنطن وبكين.

في عام 2020، قدّرت دراسة من معهد بولسون، الذي يروّج للعلاقات البنّاءة بين الولايات المتحدة والصين، أن الباحثين الصينيين في مجال الذكاء الاصطناعي يشكلون نحو ثلث أفضل المواهب العالمية في الذكاء الاصطناعي، وكان معظم هؤلاء الباحثين الصينيين يعملون لدى شركات وجامعات أميركية.

وتُظهر دراسة جديدة من "وقف كارنيغي للسلام الدولي" أن الغالبية العظمى من هؤلاء الباحثين الصينيين استمروا في العمل لصالح مؤسسات أميركية. فمن بين أفضل 100 باحث صيني في الدراسة الأصلية الذين كانوا في جامعات أو شركات أميركية في 2019، أي قبل ثلاث سنوات من ظهور ChatGPT الذي أطلق طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية، ما زال 87 منهم يجرون أبحاثًا في الجامعات أو الشركات الأميركية.

في السياق، قال مات شيهان؛ المحلل الذي ساعد في كتابة الدراستين لصحيفة نيويورك تايمز: "صناعة الذكاء الاصطناعي الأميركية هي أكبر المستفيدين من المواهب الصينية. فهي تحصل على عدد كبير من الباحثين الصينيين من المستوى الأعلى الذين يأتون للدراسة في الولايات المتحدة والعمل فيها ويبقون فيها، كما تظهر هذه الدراسة، رغم كل التوترات والعقبات التي وُضعت في طريقهم في السنوات الأخيرة".

وما يزال هناك قدر كبير من التعاون بين البلدين. وتُظهر دراسة منفصلة من ALPHAXIV، وهي شركة تساعد الناس على تتبّع واستخدام أحدث أبحاث الذكاء الاصطناعي، أنه منذ 2018 تحدث الأبحاث المشتركة بين أميركا والصين أكثر مما يحدث بين أي دولتين أخريين.

في المقابل، يخشى كثيرون في وادي السيليكون من أن يسرق مواطنون صينيون أسرار الشركات الأميركية، ثم مشاركتها مع الحكومة الصينية. وهذه المخاوف ليست بلا أساس؛ ففي أوائل 2023، على سبيل المثال، تمكن مقرصن من الوصول إلى أنظمة المراسلة الداخلية لشركة OpenAI وسرقة تفاصيل عن تصميم تقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بالشركة. كما رفعت صحيفة نيويورك تايمز دعوى ضد OpenAI ومايكروسوفت بتهمة انتهاك حقوق النشر لمحتوى إخباري مرتبط بأنظمة الذكاء الاصطناعي، وهو ما نفته الشركتان.

لكن محللين، مثل شيهان، يجادلون بأن مخاطر التجسس تفوقها بكثير فوائد توظيف والتعاون مع المواهب الصينية، ويخشون أنه إذا وسّعت إدارة ترامب حملتها على المواهب الصينية في الولايات المتحدة، فقد يضر ذلك بشكل خطير بالأبحاث الأميركية. وقالت هيلين تونر، المديرة التنفيذية المؤقتة لمركز الأمن والتقنيات الناشئة في جامعة جورجتاون: "يُنظر إلى هذا على أنه تهديد حقيقي لميزة الشركات الأميركية في مجال الذكاء الاصطناعي"، ومن دون تدفق الباحثين الصينيين الموهوبين إلى الولايات المتحدة، ستتراجع شركات وادي السيليكون عن الركب العالمي، ولا سيما خلف الصين.

حتى قبل أن يبدأ زوكربيرغ التوظيف بقوة لمختبر الذكاء الخارق الجديد، كانت جهود ميتا في الذكاء الاصطناعي تعتمد بشكل كبير على المواهب الصينية. هذا العام، حصلت ميتا على موافقات لحوالي 6300 تأشيرة H1-B، التي تسمح للشركات بتوظيف عمال مهرة من دول أخرى، وكانت في المركز الثاني بعد أمازون، وفقًا لبيانات دائرة خدمات الهجرة والجنسية الأميركية. كما تعاونت الشركة مع منظمات صينية في ما لا يقل عن 28 ورقة بحثية بارزة منذ 2018، وفقًا لـ ALPHAXIV.

ومنذ 2018، تعاونت شركات مثل Apple وGoogle وIntel وSalesforce مع منظمات صينية في أوراق بحثية واسعة الانتشار، وفقًا للدراسة، وتُعد مايكروسوفت، التي تُشغّل منذ زمن طويل مختبرات أبحاث في الصين، الشركة الأكثر تعاونًا مع جهات صينية، حيث شاركت الائتمان في ما لا يقل عن 92 ورقة مهمة.

ويقول باحثون صينيون إن الدراسة والعمل في الولايات المتحدة أصبحا أكثر صعوبة. فكثيرًا ما يواجهون مشاكل في الحصول على التأشيرات، ويخشون مغادرة البلاد خوفًا من أن تمنعهم السلطات الأميركية من العودة. لكن كما تُظهر دراسة وقف كارنيغي، عاد بعض الباحثين الصينيين البارزين إلى مؤسسات في الصين بعد فترات قضوها مع مؤسسات أميركية.

كما تتصاعد التوترات داخل بعض الشركات الأميركية. ففي الشهر الماضي، قال الباحث الصيني ياو شونيو، في منشور على مدونة، إنه غادر شركة Anthropic الناشئة في سان فرانسيسكو إلى Google جزئيًا لأن التنفيذيين في الشركة وصفوا الصين علنًا بأنها تهديد أمني خطير. وكتب الدكتور شونيو: "أعارض بشدة تلك التصريحات المناهضة للصين. أعتقد أن معظم الناس في Anthropic سيعارضون مثل هذا التصريح، لكنني لا أرى طريقة تمكنني من البقاء".

تكشف هذه المعطيات أن تفوق الولايات المتحدة في الذكاء الاصطناعي لا يستند فقط إلى قوتها الاستثمارية والتكنولوجية، بل إلى قدرتها على استقطاب المواهب العالمية، وعلى رأسها المواهب الصينية التي أثبتت أنها ركيزة أساسية في منظومة الابتكار الأميركية. أي تراجع في تدفّق هذه الكفاءات، سواء بسبب قيود الهجرة أو التوترات السياسية، سيحمل تبعات اقتصادية مباشرة، أبرزها تباطؤ وتيرة التطوير في قطاع يُعدّ اليوم المحرك الرئيسي للنمو في وادي السيليكون وللاستثمارات الرقمية حول العالم. ومع اشتداد المنافسة مع الصين، تبدو واشنطن أمام معادلة دقيقة: الحاجة لحماية الأمن القومي، مقابل ضرورة الحفاظ على انفتاح اقتصادي يسمح باستمرار تدفق العقول التي تمنحها التفوّق ذاته.

المساهمون