العملات الرقمية... خسائر هائلة للشباب المصري الساعي للثراء السريع

27 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:24 (توقيت القدس)
بيتكوين خسرت نحو 30% من قيمتها العام الجاري (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- التحديات القانونية والاقتصادية: سوق العملات المشفرة في مصر تواجه تحديات بسبب الهبوط العالمي في الأسعار والحظر القانوني الذي يهدد بالسجن والغرامات، مع غياب ترخيص رسمي ومنصات خاضعة للرقابة.

- المخاطر والاستثمار السري: المصريون يتداولون بمئات الملايين من الجنيهات سنويًا في العملات المشفرة عبر منصات عالمية، رغم المخاطر العالية وغياب الحماية القانونية، مما يجعل الاستثمار عالي المخاطر.

- التوجهات العالمية والتنظيم: عالميًا، يتجه السوق نحو تقنين مشدد كما في الاتحاد الأوروبي، بينما تظل مصر تحظر العملات الرقمية دون ترخيص، مما يترك السوق المصري مستهلكًا للخدمات الخارجية.

تلقت سوق العملات المشفرة في مصر خسائر هائلة متأثرة بالهبوط الكبير في أسعار "بيتكوين" وباقي العملات المشفرة عالمياً في الفترة الأخيرة، في ظل حظر قانوني على النشاط يهدد ممارسيها بالسجن وغرامة مالية تصل إلى 10 ملايين جنيه.

وفي ظل غياب ترخيص قانوني ومنصات خاضعة للرقابة، تظل خسائر المصريين غير مرصودة رسمياً، ما يفسر لهجة التحذير المتكررة من البنك المركزي المصري والجهات الرقابية مؤخراً من أخطار المضاربة في الأصول المشفرة غير المنظمة، بينما تشهد أسواق العملات المشفرة، إقبالاً ملحوظاً من الشباب الباحثين عن أرباح سريعة في ظل ضغوط المعيشة وضعف فرص الاستثمار التقليدية.

تداول سري وعمليات نصب

يقدر خبراء معاملات المصريين عبر المنصات العالمية للعملات المشفرة، بمئات الملايين من الجنيهات سنوياً، رغم ما تحمله من مخاطر عالية، بحثًا عن المكاسب التي تحققت عبر قفزات سعرية منذ بداية العام، مستدركين بأن التراجع الأخير كشف هشاشة سوق العملات المشفرة، حيث تعرض المتداولون الذين يمارسون أعمالهم سرًّا عبر شبكات الإنترنت أو يسافرون إلى دول مجاورة لإتمام صفقاتهم، لخسائر حادة بسبب تقلبات السوق وغياب الحماية القانونية وعمليات النصب، التي تجعل الاستثمار في العملات المشفرة "الكريبتو" عالي المخاطر وخارج الرقابة تمامًا.

يؤكد خبير الأبحاث في مجموعة "إكويتي المالية" أحمد عزام، أنه رغم القيود القانونية في دول مثل مصر والجزائر والمغرب، أصبحت المنطقة العربية جزءًا من سوق العملات المشفرة "كريبتو" ضخم بالفعل، مشيرًا إلى تقارير تضع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المرتبة السابعة عالميًّا بحجم تدفقات يُقدّر بنحو 338.7 مليار دولار خلال الفترة من يوليو/تموز 2023 إلى يونيو/ حزيران 2024، أي نحو 7.5% من حجم التعاملات العالمية، مع هيمنة تركيا والإمارات والسعودية على النصيب الأكبر من السيولة.

بوابة ثراء لجيل زد

وفي حوار هاتفي مع "العربي الجديد" يؤكد عزام انجذاب الأجيال الجديدة للعملات الرقمية، وفق استطلاعات دولية من أحدثها تقرير Gemini لعام 2025 الذي يظهر أن نحو 48% من جيل الإنترنت Z و52% من جيل الألفية بين 18 و44 عامًا يمتلكون أو سبق أن امتلكوا عملات رقمية، مقابل 35% فقط من عموم السكان عالميًّا، أي إن "الكريبتو" أصبح الأصل المفضل للأجيال الرقمية الأولى.

وبيّن اجتماع عاملين مشجعين على ذلك في المنطقة العربية عمومًا: ديمغرافيا شابة للغاية، مقابل فجوة شمول مالي عند البالغين، تُقدّر بنحو 50% من المواطنين، ما دفع هذا الجيل الذي يعيش على الهاتف الذكي، ولم يعتد التعامل مع الفروع البنكية، إلى أن يهرب بعضهم من التضخم في الدول التي تعاني تكلفة المعيشة وضعف العملة إلى الدولار والعملات المستقرة، بينما البعض الآخر يبحث عن المضاربة في الأصول عالية المخاطر عبر منصات وتطبيقات بسيطة، مدفوعًا بمحتوى مكثف على منصات التواصل الاجتماعي. وأضاف: أصبح "الكريبتو" عند هؤلاء ليس مجرد أصل استثماري فقط، بل بوابة مبكرة لعالم الاستثمار كله في محاولة لتحقيق الثراء السريع، حتى لو كانت البوابة غير مرخصة محليًّا.

يؤكد خبير العملات المشفرة أنه على مستوى العالم، فإن الاتجاه الحاكم اليوم لسوق العملات الرقمية، هو "التقنين المشدد" لا الحظر الشامل، بعد أن فَعَّل الاتحاد الأوروبي لائحة قانونية منظمة لتلك الممارسات منذ 30 ديسمبر/ كانون الأول 2024، المعروفة بـ MICA، بحيث أصبحت جهات إصدار العملات المستقرة ومقدمو خدمات الأصول المشفرة مطالبين بترخيص موحّد، ورأسمال، وحوكمة، وإفصاح، ورقابة على غرار قطاع الأوراق المالية التقليدي. وأشار إلى أن مصر لا تزال في الضفة الأخرى من النهر، حيث يحظر قانون البنك المركزي رقم 194 لسنة 2020، إصدار أو تداول أو ترويج العملات الرقمية من دون ترخيص من البنك المركزي، ولم يصدر أي ترخيص بالعمل لأي جهة حتى الآن، بما يجعل أي نشاط "كريبتو" فعليًّا غير قانوني ويعرّض أصحابه لغرامات وملاحقة قانونية.

لا جدول زمنياً للتقنين

يشير عزام إلى عدم وجود إشارة مصرية رسمية لتحديد جدول زمني لتقنين العملات المشفرة، رغم أن الدولة تدفع بقوة في اتجاه "مصر الرقمية 2030" واستراتيجية الاقتصاد الرقمي وتوسيع قطاع التكنولوجيا المالية والمدفوعات الإلكترونية وتأسيس بنوك رقمية، مذكّرًا بأن البنوك والشركات التي تريد الاستثمار في الرقمنة وسوق "الكريبتو المنظم"، أو حلول الدفع القائمة على الشبكات المغلقة "البلوك تشين" تضطر إلى بناء هذه الأنشطة من دبي أو أبوظبي أو تحت مظلة تشريعات أوروبية، بينما يظل السوق المصري مستهلكًا للخدمات من الخارج لا مُنتجًا لها.

وحول الصعود الهائل لمكاسب بيتكوين والهبوط الصاروخي الذي وقع مؤخرًا، يقول عزام إن الصورة مختلفة تمامًا عن قصص الربح السريع التي تظهر على منصات التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى استمرار خسائر بيتكوين والعملات المشفرة بسبب تعدد الجرائم الإلكترونية، حيث بلغت سرقات العملات الرقمية عبر الاختراقات وحدها نحو 2.2 مليار دولار في 2024، بما يعكس حجم الألم المالي خلف الضجيج الدعائي، الذي يجري حول المكاسب الكبيرة لبيتكوين أو غيره من العملات الرقمية. أما على مستوى مصر ودول الجوار فلا يرى عزام أية أرقام رسمية تفصيلية عن حجم الخسائر المحققة لكل دولة، مستدركًا بأن حجم التعرّض للخسائر الكلية، يعطي فكرة عن شدة الصدمة في بيئة تحظر معاملاتها وتخشى التحدث حول المعاملات ذاتها، ومع تذبذب سعر بيتكوين بأكثر من 70% بين 2022 و2024 وقرابة 30% في الهبوط الأخير، يمكن القول إن شريحة واسعة من المتعاملين الأفراد في مصر والمنطقة تأثرت.

عمليات احتيال واسعة

في السياق ذاته، يؤيد أغلب الاقتصاديين المصريين البنك المركزي في اعتبار العملات المشفرة عالية المخاطر "معرضة لخسارة مفاجئة لجميع القيمة" لأنها "غير ملموسة وغير منظمة"، ويحظر الاستثمار في بيتكوين والعملات المشفرة، وفقًا لقانون "المركزي" رقم 18 لسنة 2020، باعتبارها غير قانونية، تدفع من يمارسها إلى السجن وغرامة تصل إلى 10 ملايين جنيه، "إذا تم الترويج لها أو التداول فيها بطريقة غير قانونية".

تدعم تلك المخاوف تقارير صحافية وقانونية، ترصد احتيال بعض الأفراد على مواطنين، بجمع أموال لاستثمارها في العملات المشفرة، عبر عدد من المنصات الرقمية، وقع أشهرها عام 2023، عندما استولت منصة تعدين تدعى "HoggPool"، على نحو 6 مليارات دولار، دفعها 800 ألف مصري، للاستثمار في "بيتكوين" واختفى المنظمون للمعاملات، في ممارسة وصفتها – في حينه - السلطات الأمنية بـ "عملية احتيال واسعة". لم تسفر التحقيقات التي أشرفت عليها النيابة العامة والأجهزة الأمنية، عن نتائج حاسمة للقضية حتى الآن في وقت جرت عمليات قرصنة على معاملات لمصريين على "بيتكوين والإيثيريوم" في فترة لاحقة، لم يستطع أصحابها الحصول على حقوقهم أو تحويل القضية إلى التحقيق رسميًّا، في ظل غياب التنظيم القانوني، الذي يضع المستثمرين المصريين في موقف ضعيف إذا ما تعرضوا للاحتيال، مع عدم قدرتهم على استعادة حقوقهم بسهولة.