العراق: بيانات رسمية لتراجع التضخم تصطدم بشكاوى ارتفاع الأسعار
استمع إلى الملخص
- رغم انخفاض التضخم السنوي بنسبة 1.2% في ديسمبر 2025، تشهد الأسواق ركودًا وارتفاعًا في أسعار السلع الأساسية بسبب ارتفاع الضرائب وتقلبات الدولار، مما يزيد كلف الاستيراد والتوزيع.
- انخفاض مؤشر أسعار المواد الغذائية لا يعني تراجع جميع الأسعار، حيث تستمر بعض السلع والخدمات في الارتفاع، مما يتطلب تدخلات لضبط الأسواق وتحسين كفاءة الاستيراد.
قال المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح، إن المؤشرات التي أعلنتها وزارة التخطيط حول تراجع معدل التضخم تعكس مرحلة انتقالية في أداء السوق، تقوم على ضبط وتيرة الارتفاع في الأسعار وليس خفضها بشكل مباشر. وأوضح صالح، لـ"العربي الجديد"، أن ما تشهده الأسواق حالياً هو نتيجة طبيعية لإعادة تنظيم آليات الاستيراد والرقابة المالية، بعد سنوات من الاختلالات التي انعكست على سلوك السوق وتكاليف التداول.
وبيّن أن استمرار شعور بعض المواطنين بارتفاع الأسعار لا يتعارض مع استقرار المؤشرات العامة، إذ إن الأسعار التي تشكّلت خلال الفترات السابقة ما زالت تمثل قاعدة مرتفعة لكلفة المعيشة، إضافة إلى انتقال جزء من كلف التنظيم الجديدة إلى بعض السلع غير الأساسية. وأكد صالح أن السياسة الحكومية تركز في هذه المرحلة على تحصين السلع الأساسية ومنع انتقال الضغوط السعرية إلى الغذاء والدواء والنقل، وتنظر إلى هذه المؤشرات بوصفها خطوة أولى في مسار إصلاحي أوسع، يهدف إلى تحقيق التوازن وتنظيم التجارة.
وأضاف أن الحكومة جادة في تعزيز الإيرادات غير النفطية، والحفاظ على الاستقرار المعيشي، مشدداً على أن نجاح هذه المرحلة يقاس بقدرة الدولة على حماية القوة الشرائية للمواطن، لا بمجرد تحسن المؤشرات الإحصائية. وأعلنت وزارة التخطيط العراقية، أول من أمس السبت، انخفاض معدل التضخم السنوي بنسبة 1.2% خلال شهر ديسمبر/كانون الأول من عام 2025، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024، في مؤشر يأتي بعد سنة شهدت تباطؤاً نسبياً في الضغوط التضخمية.
وكان معدل التضخم السنوي قد تراجع خلال عام 2024 إلى مستويات أقل مما سجّله في عام 2023، إذ بلغت معدلات التضخم في العراق نحو 2.6% خلال 2024 بعد أن كانت بحدود 4.4% في 2023. وأضافت الوزارة أن معدل التضخم الشهري خلال ديسمبر حافظ على استقراره، مقارنة بشهر نوفمبر/تشرين الثاني. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة التخطيط، عبد الزهرة الهنداوي، في تصريح صحافي السبت، إن معدل التضخم الأساس سجل انخفاضاً بنسبة 0.4% خلال شهر ديسمبر.
وأوضح الهنداوي أن سبعة أقسام شهدت ارتفاعات في أسعارها، مقابل ثلاثة أقسام سجلت انخفاضاً، فيما حافظ قسمان على مستويات الأسعار ذاتها، مؤكداً أن هذه المؤشرات تعكس حالة من الاستقرار النسبي في المستوى العام للأسعار. وتأتي هذه البيانات في وقت تظهر فيه تباينات واضحة في أسعار السلع والخدمات داخل السوق. وعلى الرغم من التراجع العام في المؤشر السنوي، شهدت أسعار بعض المواد الغذائية ومتطلبات الأسر ارتفاعات نسبية، ما يعكس استمرار تأثير عوامل سعرية متعددة على القوة الشرائية للمستهلك العراقي.
ركود وارتفاع الأسعار رغم تراجع التضخم
من جانبه، قال التاجر محمد الراوي إن الأسواق العراقية، ولا سيما في بغداد، تمرّ بحالة ركود غير طبيعية بالتزامن مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية، مشيراً إلى أن التجار يواجهون ضغوطاً متراكمة لم تعد مرتبطة بالتضخم وتقلبات سعر الصرف وحدها. وأوضح الراوي، خلال حديثه لـ"العربي الجديد"، أن تقلبات الدولار تبقى عاملاً مؤثراً في اقتصاد يعتمد بدرجة عالية على الاستيراد، لكنها ليست السبب الوحيد في ارتفاع الأسعار. وأضاف أن ارتفاع الضرائب والرسوم المتعددة، إلى جانب الجبايات غير الرسمية المفروضة على حركة البضائع، أسهم بشكل مباشر في زيادة كلف الاستيراد والتوزيع، وهو ما انعكس على الأسعار النهائية للمستهلك.
وأشار الراوي إلى أن ضعف الرقابة وعدم توحيد آليات التسعير فتح المجال أمام تفاوت كبير في الأسعار، وأربك حركة البيع والشراء، فضلاً عن أن ارتفاع كلف النقل والتخزين، وعدم استقرار الإجراءات التجارية والجمركية، فاقم من معاناة التجار، ودفع الكثير منهم إلى تقليص نشاطهم أو العمل بهوامش ربح محدودة جداً لتجنب الخسائر. وحذّر الراوي، من أن استمرار هذه الظروف سيؤدي إلى مزيد من الركود وخروج تجار صغار من السوق، ما لم تُتخذ إجراءات حقيقية لضبط الرسوم، وتفعيل الرقابة، وتحقيق استقرار في السياسة الاقتصادية والتجارية، واستمرار الضغط وضرورة المعالجة.
ضغوط معيشية مستمرة
من جانب آخر، أوضح الباحث الاقتصادي، أحمد صباح، أن انخفاض المؤشر العام لأسعار المواد الغذائية الذي أعلنته وزارة التخطيط لا يعني بالضرورة تراجع أسعار جميع السلع الغذائية، مشيراً إلى أن السوق شهد خلال الفترة الماضية ارتفاعات في أسعار بعض المواد الغذائية الأساسية بالتوازي مع انخفاض أو استقرار مواد أخرى، وهو ما انعكس على النتيجة النهائية للمؤشر.
ويبيّن صباح، لـ"العربي الجديد"، أن الارتفاعات السعرية التي أشارت لها الوزارة شملت، إلى جانب بعض المواد الغذائية، أقساماً أخرى تمس الإنفاق اليومي للمواطنين، من بينها السكن والخدمات المرتبطة به، والملابس، والصحة، والمطاعم والفنادق، والأثاث والتجهيزات المنزلية، والسلع والخدمات المتنوعة. ولفت إلى أن هذه الأقسام تشكل عبئاً مباشراً على كلفة المعيشة، حتى مع غياب أي ارتفاع في أسعار الوقود أو النقل، وأن هذا التفاوت داخل الأقسام هو ما يفسّر الفجوة بين المؤشرات الرسمية وإحساس المواطنين بارتفاع الأسعار، مؤكداً أن المواطن يتأثر بالسلع التي يشتريها يومياً، لا بمتوسطات رقمية عامة.
وحذر صباح من أن استمرار ارتفاع أسعار سلع غذائية محددة وخدمات أساسية، دون معالجات دقيقة، سيُبقي الضغط المعيشي قائماً في ظل السياسات التقشفية التي تنتهجها الحكومة العراقية، وكان آخرها إلغاء مخصصات الخدمة الجامعية التي حرمت عشرات الآلاف من الموظفين من نصف مرتباتهم الشهرية. وشدد على أهمية أن تكون هنالك تدخلات مباشرة ومحددة، في مقدمتها تشديد الرقابة على الأسواق، وضبط هوامش الربح، ومراجعة الرسوم والجبايات المفروضة على السلع الأساسية، إلى جانب دعم سلاسل التوريد وتحسين كفاءة الاستيراد، بما يضمن انعكاس أي تحسّن في المؤشرات الاقتصادية على الواقع المعيشي للمواطنين بشكل فعلي، لا رقمي فقط.