العراق: أزمة السيولة تهدد رواتب الموظفين والمتقاعدين

30 نوفمبر 2025
تأخرت رواتب الموظفين والمتقاعدين بسبب نقص السيولة، بغداد، 25 يناير 2023 (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه العراق أزمة سيولة مالية تهدد رواتب الموظفين والمشاريع الخدمية بسبب الفجوة بين الإنفاق الحكومي وإيرادات النفط، وتأخر الرواتب يعكس أزمة حقيقية تعيشها الحكومة.
- تعتمد الحكومة بشكل كبير على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات، مما يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، وتلجأ إلى الاقتراض وسحب الأموال من الاحتياطات لتغطية العجز المالي.
- يسعى البنك المركزي لتعزيز احتياطاته وتنويعها، لكن أزمة السيولة تؤدي إلى شلل اقتصادي وارتفاع الدين الداخلي يعكس عمق الأزمة الهيكلية.

تهدد أزمة السيولة المالية رواتب الموظفين والمتقاعدين وبعض المشاريع الخدمية في العراق، خصوصاً أن الأشهر الماضية شهدت تأخراً بصرف المرتبات الشهرية في البلاد، وهو ما حذّرت منه أوساط برلمانية واقتصادية في وقت سابق، إذ يظهر في العراق وبشكلٍ واضح الفجوة المتنامية بين الإنفاق الحكومي وإيرادات الدولة من بيع النفط، ما يرسم مرحلة اقتصادية معقدة تؤثر بحياة العراقيين بشكلٍ مباشر. 

وتأخّرت رواتب الموظفين والمتقاعدين، فضلاً عن صرف مرتبات مستحقي الرعاية الاجتماعية لأكثر من أسبوع، بسبب نقص السيولة المالية، وفقاً لمصادر مطلعة، التي قالت لـ"العربي الجديد" إن "المرتبات الشهرية لموظفي الدولة والمستفيدين منها عادة ما تُطلق كل يوم 20 من الشهر، ليجري توزيعها بالتدريج على الوزارات والدوائر الحكومية إلى غاية يوم 25"، مبينة أن "التأخير يجيء بسبب صعوبة تأمين مبالغ الرواتب، وهي أزمة حقيقية تعيشها حكومة محمد شياع السوداني منذ أكثر من عام". 

وسعت الحكومة العراقية، خلال الفترة الماضية، إلى تنظيم أمور الدورة المالية ومواجهة الضغوط المتزايدة على السيولة النقدية، عبر توسيع اعتماد أنظمة الدفع الإلكتروني، في إطار ضبط الكتلة النقدية المتداولة خارج النظام المصرفي، وتحفيز الإيداعات البنكية، إلا أن العراقيين، وبسبب جملة من الأسباب والمتغيرات والهواجس التي يشعرون بها تجاه المنظومة الحاكمة في بلادهم، لا يثقون كثيراً بالنظام المصرفي، ويفضلون الاحتفاظ بأموالهم في منازلهم أو إيداعها ضمن مشاريع صغيرة.

وتُظهر بيانات البنك المركزي العراقي أن نحو 87% من الكتلة النقدية، أي ما يعادل 95 تريليون دينار (نحو 72.5 مليار دولار) من أصل 109 تريليونات، لا تزال محفوظة خارج النظام المصرفي، ما يُضعف فاعلية السياسات النقدية ويعوق قدرة الدولة على مكافحة التضخم وتنشيط الاستثمار، ناهيك عن أسباب حكومية، مثل زيادة النفقات التشغيلية وانخفاض أسعار النفط، ما دفع الحكومة إلى الدين لسداد رواتب الموظفين. 

في السياق، قال عضو اللجنة المالية في البرلمان العراقي، جمال كوجر، إن "العراق يواجه أزمة سيولة مالية، وهذه حقيقة، لكن المخاوف تزداد مع استمرار هذه الأزمة، التي تهدد رواتب الموظفين والمتقاعدين، بالإضافة إلى المشاريع الخدمية التي سبق وخصصت لها الحكومة أكثر من 100 مليار دولار"، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن "العراق لم يتخلص من اعتماده على النفط بوصفه مصدراً رئيسياً لتمويل احتياجات الدولة والعراقيين، مع العلم أن النفط تعرض إلى أزمات كثيرة وتقلبات في الأسعار، ما أثر بشكلٍ مباشر في الإيرادات".

وأضاف كوجر أن "الحكومة العراقية لا سبيل لديها غير الاقتراض وسحب المال من الاحتياطات الضريبية وسندات الدين لتغطية العجز المالي لتوفير السيولة التي تغطي رواتب العراقيين، لكن في الحقيقة أن هذا الإجراء يؤثر سلباً بالاقتصاد العراقي، وكان على الحكومة الحالية أن تقدم على أهم إصلاح اقتصادي، وهو التركيز على تفعيل جوانب تحقق الإيرادات غير الإنتاج النفطي".

وبحسب مصدر من وزارة المالية العراقية، فإن أحد أسباب أزمة السيولة المالية في العراق قلة تدفقات الدولار إلى العراق، بسبب الإجراءات القاسية التي اتخذتها واشنطن تجاه بغداد بسبب عدم تحجيم العلاقة مع طهران. وقال المصدر الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، لـ"العربي الجديد"، إن "واشنطن تعمل على مكافحة تهريب الدولار، ودعت العراق أكثر من مرة إلى تحسين التعامل المالي في البلاد، بالتالي فإن هذه الفوضى المالية ليست مسؤولية جهة واحدة، إنما مرتبطة بشكل الإدارة المالية بالكامل، بما فيها المصارف والحكومة والتداول المحلي".

والأسبوع الماضي، أعلن البنك المركزي العراقي، عن إعداد خطة جديدة لرفع حجم احتياطي البلاد من الذهب، مؤكداً أن وضع السيولة في السوق يرتبط بالسياسات المالية لا النقدية، وأن البنك المركزي يركز على تنويع سلة الاحتياطات بهدف تعزيز قوتها وقيمتها ضمن إطار السياسة النقدية المعتمدة". وأشار في بيان إلى أن "قضية السيولة ترتبط بالإنفاق الحكومي وحركة السوق والاستثمارات، وهي ضمن صلاحيات وزارة المالية وليس البنك المركزي، وأن هدف البنك يتمثل بالحفاظ على قيمة الدينار العراقي واستقرار معدلات التضخم، إلى جانب العمل على إصلاحات مالية ومصرفية على المستوى الدولي".

ولفت البنك إلى أنه "اعتمد في الفترة الماضية سياسة لتنويع الاحتياطات عبر إدخال اليوان الصيني والليرة التركية والدرهم الإماراتي، فضلاً عن زيادة مخزون الذهب، لما لذلك من أثر كبير في الحفاظ على قوة الأصول الاحتياطية، وأن البنك يعتمد سياسة استثمارية مدروسة لتجنب تراجع القيمة الحقيقية للاحتياطات".

بدوره، أكد الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني أن "أزمة السيولة تؤدي إلى شلل اقتصادي على مختلف القطاعات، والسبب أن 90 % من العملة العراقية المتداولة لا تعود سريعاً إلى المصارف، ما يحد من قدرة البنك المركزي على تلبية احتياجات الحكومة من النقد المحلي، حتى مع توفر الدولار"، مشيراً إلى أن "البرلمان كان قد خوّل الحكومة في موازنتي 2023 و2024 الاقتراض من البنك المركزي العراقي بحدود 20 تريليون دينار"، مبيناً أن "الحكومة في العام الحالي لم تلجأ إلى الاقتراض المباشر، لكنها استفادت من اقتطاع سندات الخزينة عبر البنك المركزي، وهو ما يُعد تمويلاً غير مباشر".

ويخشى المراقبون من تزايد التحديات المالية التي تواجه الاقتصادي العراقي بشكل مقلق، في ظل الإعلان عن ارتفاع الدين الداخلي إلى نحو 91 تريليون دينار عراقي (نحو 69 مليار دولار)، وهو مستوى غير مسبوق في البلاد. هذا الارتفاع اللافت في حجم الديون المحلية يعكس عمق الأزمة الهيكلية التي يواجهها الاقتصاد الوطني، نتيجة تراكم السياسات المالية غير المستقرة، وتزايد النفقات التشغيلية على حساب الإنفاق الاستثماري.

(الدولار= 1310 دنانير عراقية)