التضخم العالمي يضرب مجدداً مدفوعاً بالنفط والرسوم وطفرة الذكاء الاصطناعي

24 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 17:39 (توقيت القدس)
سوبرماركت في مدينة نيويورك، 22 فبراير 2026 (ريان مورفي/Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط أدى إلى ارتفاع أسعار خام برنت لأكثر من 100 دولار للبرميل، مما يهدد بتكرار صدمة الطاقة السابقة وزيادة الضغوط التضخمية على الاقتصاد العالمي.
- فرض إدارة ترامب رسومًا جمركية جديدة على الواردات زاد من عدم اليقين في سلاسل التوريد العالمية، بينما يستمر الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في تعزيز الطلب على الرقائق والطاقة، مما يؤثر على أسواق السندات والأسهم.
- تواجه البنوك المركزية تحديات في تقييم المخاطر الجديدة مع توقعات برفع الفائدة الأميركية، بينما يظل البنك المركزي الأوروبي متريثًا، مما يعقد مهمة تحقيق استقرار الأسعار والنمو الاقتصادي.

في أسبوع بدأ بتصاعد المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط، ليتوج بخام برنت يخترق حاجز 100 دولار للبرميل، ويعود ملف الرسوم الجمركية إلى الواجهة بقوة، مع استمرار الإنفاق الهائل على الذكاء الاصطناعي، عادت مخاوف التضخم لتسيطر على الأسواق العالمية من جديد. فبعد أشهر من التراجع النسبي في وتيرة ارتفاع الأسعار، والتي منحت البنوك المركزية بعض التفاؤل، ها هي ثلاثة عوامل مقلقة تضرب الاقتصاد العالمي في وقت واحد، لتعيد خلط الأوراق قبل اجتماعات حاسمة للاحتياطي الفيدرالي وبنك إنكلترا والبنك المركزي الأوروبي الأسبوع المقبل. وما يزيد الأمر تعقيداً أن هذه الصدمات لا تأتي معزولة، بل في لحظة كانت الأسواق تراهن فيها على قرب انتهاء دورة التشديد النقدي، لتعود التوقعات بارتفاع الفائدة بقوة، وتتراجع آمال الخفض التي بدت وشيكة قبل أسابيع قليلة.

وبحسب بلومبيرغ، لم يكن خام برنت ليكتفي بالصعود التدريجي، بل قفز فوق 100 دولار للبرميل يوم الخميس للمرة الأولى منذ شهرين، مع توسع رقعة الصراع في الشرق الأوسط من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر، وسط تهديدات الرئيس ترامب بـ"هجوم واسع" على إيران لـ"دفعها إلى التفاوض على اتفاق سلام". ولم تقتصر تداعيات ذلك على النفط فقط، إذ ارتفعت أسعار الغاز أيضاً، ما يهدد بتكرار سيناريو صدمة الطاقة التي أشعلت التضخم قبل عامين. ويتجلى الخطر الأكبر في أن تأثير ارتفاع أسعار النفط والغاز على المستهلكين غالباً ما يكون فورياً، إذ ينتقل بسرعة إلى فواتير الطاقة وتكاليف النقل، ثم إلى أسعار السلع والخدمات في كامل الاقتصاد. وقد حذرت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، من أن الصدمة قد تشتد أكثر، معترفة بأن بعض زملائها تساءل عما إذا كان ينبغي رفع الفائدة فوراً، قبل أن يقرر البنك الانتظار حتى اجتماع سبتمبر/ أيلول المقبل، مع استعداد لرفعها إذا لم تتحسن آفاق التضخم بحلول ذلك الوقت.

غير أن النفط لم يكن المصدر الوحيد للقلق، إذ فاجأت إدارة ترامب الأسواق مجدداً بفرض رسوم جمركية جديدة تتراوح بين 10% و12.5% على الواردات من معظم الشركاء التجاريين الرئيسيين، في أكبر تحرك حتى الآن لإعادة بناء جدار الرسوم الذي كان قد أُسقط بقرار من المحكمة العليا. ورغم أن المحللين يرون أن هذه الرسوم أقل صدمة من سابقاتها، إلا أنها تأتي في وقت حساس، وتضيف طبقة أخرى من عدم اليقين على سلاسل التوريد العالمية التي لم تتعافَ بالكامل بعد من تداعيات كورونا والحروب التجارية السابقة. وتُضاف إلى ذلك موجة الإنفاق الهائل على الذكاء الاصطناعي، حيث رفعت ألفابت توقعات إنفاقها الرأسمالي إلى 205 مليارات دولار هذا العام، في مؤشر على استمرار طفرة التكنولوجيا التي قد تغذي التضخم من خلال الطلب المتزايد على الرقائق والطاقة والموارد. كما أن القوة التسعيرية للشركات الكبرى أصبحت واضحة، إذ رفعت آبل أسعار جميع أجهزة ماك وآيباد وأجهزة المنزل وفيجن برو الشهر الماضي لتعويض ارتفاع تكاليف المدخلات الناجم عن نقص غير مسبوق في رقائق الذاكرة والتخزين.

ويُرى أثر هذه المخاوف بوضوح في أسواق السندات، حيث تشهد عوائد السندات العالمية قفزات حادة، مع تسجيل عوائد السندات البريطانية أطول فترة من الإغلاق اليومي فوق 5% منذ ما يقارب عقدين، بينما يقترب عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً من أعلى مستوى منذ عام 2007. وهذا الهروب من السندات يعكس قلق المستثمرين من أن الأسعار قد تخرج عن السيطرة، خاصة مع تزايد الحديث عن إمكانية رفع الفائدة بدلاً من خفضها.

وفي سوق الأسهم الأميركية، يتجه مؤشر ستاندرد أند بورز 500 لتحقيق خسارة أسبوعية ثانية على التوالي، بينما تتجه العقود الآجلة لمؤشر داو جونز إلى ثالث أسبوع من التراجعات، في مؤشر على أن المخاوف التضخمية بدأت تطاول جميع فئات الأصول. ويشير كاماكتيا تريفيدي، كبير استراتيجيي العملات والأسواق الناشئة في غولدمان ساكس، إلى أن قلقه من صدمة الطاقة والإنفاق على الذكاء الاصطناعي يفوق قلقه من الرسوم الجمركية، معتبراً أن صدمة الطاقة هي الأكثر إلحاحاً للمتابعة، بينما يظل الإنفاق على الذكاء الاصطناعي عاملاً رئيسياً طويل الأجل في تشكيل استجابة الأسواق.

ومع اقتراب اجتماعات البنوك المركزية الكبرى الأسبوع المقبل، حيث يجتمع الاحتياطي الفيدرالي يوم الأربعاء، يليه بنك إنكلترا وبنك اليابان في يومين متتاليين، يواجه صناع السياسة النقدية مهمة شاقة في تقييم هذه المخاطر الجديدة. فالأسواق تراهن حالياً على رفع فائدة أميركية واحدة على الأقل بحلول سبتمبر، مع تلاشي آفاق الخفض التي كانت مرجحة قبل أسابيع، بينما يشير مسؤولون يابانيون إلى انفتاحهم على تسريع وتيرة رفع الفائدة، بعد أن أظهرت بيانات الجمعة ارتفاع مقياس التضخم الياباني للمرة الأولى في ثلاثة أشهر. وكما لخص إيمانويل موينش، أستاذ التمويل في مدرسة فرانكفورت للتمويل والمسؤول السابق في البنك المركزي الألماني، فإن البنك المركزي الأوروبي اختار التريث حالياً، لكن الضغوط لرفع الفائدة مجدداً في الخريف زادت بالتأكيد، بينما سيحاول الاحتياطي الفيدرالي الصمود في اجتماعه المقبل، لكن حجة خفض الفائدة في الخريف قد تبخرت تماماً.