استمع إلى الملخص
- رغم ارتفاع الدين الخارجي إلى 22 مليار دينار، يبقى الدين العام ضمن الحدود الآمنة، مع تحول في نموذج الرفاهية الاقتصادية نحو مسؤولية مشتركة تشمل فرض ضرائب غير مباشرة ورفع الدعم التدريجي.
- الدين العام لا يشكل عبئاً على المواطنين، حيث تستهدف الديون المحلية استثمار الفوائض المؤقتة لتمويل المشاريع وسد العجز، مع الحفاظ على برامج الدعم الاجتماعي.
يشهد اقتصاد الكويت تحولا ماليا جديدا بموجب قانون التمويل والسيولة الذي يسمح لأول مرة منذ تسعة أعوام باقتراض الدولة من الأسواق المحلية والدولية بحد أقصى قدره 30 مليار دينار (100 مليار دولار) على مدار 50 عاما، ما سلط الضوء على مدى قدرة المواطنين الكويتيين على تحمل فاتورة الاقتراض عبر ارتفاع الفوائد على قروضهم الشخصية والإسكانية.
وأورد تقرير نشرته وكالة فيتش للتصنيفات الائتمانية أن العجز المالي الذي واجهته الكويت ينم عن تحديات هيكلية عميقة تتجاوز تقلبات أسعار النفط، فقد ارتفع العجز من 3.1% من الناتج المحلي في السنة المالية 2023/ 2024 إلى 7.8% المتوقعة للعام المالي 2025/ 2026، وذلك بسبب الاعتماد الشديد على الإيرادات النفطية وارتفاع نفقات الرعاية الاجتماعية والأجور التي تمثل 73% من الميزانية.
ومع استنزاف احتياطيات صندوق الأجيال القادمة عقب جائحة كورونا، بات الاقتراض الخطوة التالية لتمويل هذا الإنفاق المستمر، وحسب صندوق النقد الدولي في تقرير أصدره في سبتمبر/أيلول الماضي، فإن الدولة الكويتية تواجه فاتورة مالية ضخمة لا تنخفض الفوائد والرواتب والإعانات فيها، مما يضطرها للاستدانة. لكن دخول الدولة إلى سوق الائتمان بقوة قد يؤثر مباشرة على قدرة المواطنين على الحصول على قروض بفائدة منخفضة.
حدود آمنة نسبيا
يؤكد الخبير الاقتصادي، حسام عايش، لـ "العربي الجديد"، أن مستويات الدين العام، سواء المحلي أو الخارجي، لا تزال ضمن الحدود الآمنة نسبيا، إذ لا يتجاوز الدين المحلي 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي المقدر لعام 2025 (البالغ 49 مليار دينار كويتي).
ورغم ارتفاع الدين الخارجي إلى 22 مليار دينار بنهاية الربع الثاني من 2025 (نحو 71 مليار دولار)، فإن القطاع المصرفي الكويتي يمتلك هامشا واسعا لتمويل احتياجات كل من الحكومة والقطاع الخاص والأفراد، دون مزاحمة ملموسة حتى الآن، حسب عايش، لافتا إلى أن القروض الشخصية بالكويت بلغت، في سبتمبر/أيلول الماضي، نحو 8 مليارات دينار، فيما بلغت العقارية 10 مليارات دينار، بينما ظل الدين الحكومي المحلي عند 1.6 مليار دينار فقط (الدولار = 0.31 دينار).
ويبرز عايش أن الكويت، مثل باقي دول الخليج، تمر بمرحلة تحول في نموذج الرفاهية الاقتصادية، فبعد عقود من تحمل الدولة التكاليف الكاملة لرفاهية المواطن، تشهد المنطقة اليوم انتقالا نحو مسؤولية مشتركة، يتمثل في فرض ضرائب غير مباشرة، ورفع الدعم التدريجي، وتشجيع المواطنين على الترشيد في الإنفاق.
ويعتبر عايش الحكومة الكويتية الأكثر وضوحا في هذا التحول بين نظيراتها الخليجية، وبذلك ترسل رسالة غير مباشرة عبر اقتراضها المحلي مفادها أن الاقتراض لم يعد رفاهية بلا ثمن، بل أداة تمويل يجب استخدامها بحساب دقيق. ويخلص عايش إلى التأكيد أن المطلوب اليوم من المواطنين الكويتيين هو إعادة ترتيب أولوياتهم، والابتعاد عن الإنفاق غير المنضبط.
استثمار الفوائض في الكويت
في المقابل، يشير الخبير الاقتصادي، محمد رمضان، لـ "العربي الجديد"، إلى أن الدين العام في الكويت لا يزال بعيدا عن تشكيل عبء على المواطنين ولا يؤثر في قدرتهم على الحصول على القروض، خصوصا الإسكانية منها، موضحا أن الديون المحلية تستهدف فقط استثمار الفوائض المؤقتة في البنوك، وتوجه حصريا لتمويل المشاريع الرأسمالية وسد العجز المؤقت في الميزانية، ولا تتنافس مع احتياجات الأفراد أو طلبات التمويل الشخصي، نظرا لحجمها المحدود وطبيعتها المؤقتة.
ويشدد رمضان على أن الدين العام ليس وسيلة لضمان استمرار الرفاهية الحالية، بل هو أداة تمويلية منظمة تستخدم لتمويل النفقات الرأسمالية أو تغطية فجوات مالية مؤقتة في الميزانية، وبالمقارنة مع الاحتياطيات المالية الضخمة المودعة في صندوق الثروة السيادي الكويتي، يبقى حجم الدين، سواء المحلي أو الخارجي، ضئيلا جدا ولا يُشكل خطرا على الاستقرار المالي أو على الأجيال القادمة.
ويلفت رمضان إلى أن القوانين الحالية بالكويت تمنع استخدام أصول الصندوق السيادي في تمويل الإنفاق الجاري، ما يضطر الحكومة إلى اللجوء إلى الاقتراض وسيلةً بديلة ومؤقتة. وفي ما يخص برامج الدعم الاجتماعي، مثل القروض الإسكانية وبدل الإيجار، يؤكد رمضان أنها لا تتأثر بمستويات الدين العام، فبنك التسليف والادخار لا يزال قادرا على الوفاء بكامل التزاماته تجاه المستفيدين، وفق جداول التوزيع المعتمدة.