- يثير الاعتماد على الذهب كمرجع لتحديد نصاب الزكاة تساؤلات حول ملاءمته، حيث يقترح الخبراء مراجعة آليات احتساب النصاب وربطه بمؤشرات اقتصادية أكثر استقراراً لتحقيق عدالة أكبر في تحصيل الزكاة.
- يقترح الخبراء تحسين إدارة أموال الزكاة بربط الصندوق الوطني للزكاة بوزارة المالية وتقديم حوافز ضريبية للمساهمين، لتعزيز الشفافية وزيادة الموارد المالية للعمل التضامني والاجتماعي.
يعيد الإعلان عن قيمة نصاب الزكاة لسنة 2026 من وزارة الشؤون الدينية والأوقاف الجزائرية، فتح النقاش بشأن جملة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالواقع المعيشي في البلاد؛ حيث يعكس الارتفاع المتواصل للنصاب، المرتبط أساساً بتقييم أسعار غرام الذهب، حجم التراجع الذي شهدته القيمة الشرائية للدينار الجزائري خلال السنوات الأخيرة.
ويثير هذا التطور نقاشاً حول مدى ملاءمة استمرار اعتماد الذهب وحده مرجعاً لتحديد النصاب، في ظل ما يترتب على ذلك من تقليص عدد الملزمين بالزكاة وإعادة رسم حدود الفئة الميسورة المطالبة بأداء هذه الفريضة، بين قراءة اقتصادية تربط النصاب بمؤشرات القوة الشرائية، وأخرى تدعو إلى مراجعة آليات احتسابه وتسيير أمواله، في وقت يرى فيه بعضهم أن اعتماد سعر الذهب مرجعاً وأساساً يكشف القيمة الحقيقية للعملة المحلية بعيداً عن دعمها بطرق إدارية عبر إجراءات مختلفة.
دليل على تراجع القوة الشرائية للدينار
أكد النائب في المجلس الشعبي الوطني وعضو لجنة المالية والميزانية، أحمد بلجيلالي، أن الارتفاع المتواصل في قيمة نصاب الزكاة خلال السنوات الأخيرة يحمل دلالات اقتصادية مهمة، في مقدمتها ارتفاع أسعار الذهب وتراجع القوة الشرائية للعملة الوطنية، مشيراً إلى أن تطور النصاب يعد مؤشراً يعكس التحولات التي يشهدها الاقتصاد. وأوضح بلجيلالي، في تصريح لـ"العربي الجديد" أن المتتبع لتطور نصاب الزكاة في الجزائر يلاحظ ارتفاعاً متسارعاً في قيمته، إذ انتقل من نحو 450 ألف دينار سنة 2016، وهو ما كان يعادل قيمة 85 غراماً من الذهب آنذاك، إلى حوالي 2.29 مليون دينار خلال السنة الجارية، أي بزيادة تقارب خمسة أضعاف في غضون عشر سنوات فقط.
وأضاف أن النصاب ارتفع أيضاً من 1.1 مليون دينار سنة 2024 إلى 2.29 مليون دينار بعد عامين فقط، وهو ما يمثل زيادة تفوق 100% خلال فترة قصيرة (الدولار = 133.59 ديناراً). واعتبر المتحدث أن هذا التطور يعكس مجموعة من المؤشرات الاقتصادية، من بينها تراجع القيمة الحقيقية للدينار، وتأثير ذلك على القدرة الشرائية، فضلاً عن ارتباط نصاب الزكاة في الشريعة الإسلامية بتحديد الحد الأدنى للثروة التي تجب فيها الزكاة.
وفي تفسيره لأسباب هذا الارتفاع، أوضح بلجيلالي أن الذهب لا يعد مجرد معدن ثمين، بل يمثل مخزناً آمناً للقيمة ومرجعاً عالمياً للحفاظ على الثروة. لذلك فإنّ أي عملة تحافظ على قيمتها يفترض أن تمكن صاحبها، مع مرور الزمن، من شراء الكمية نفسها من الذهب. أما إذا انخفضت الكمية التي يمكن اقتناؤها بالمبلغ نفسه، فإن ذلك يعد مؤشراً واضحاً على تراجع القوة الشرائية للعملة.
ولتقريب الصورة، أشار محدثنا إلى أن الشخص الذي كان يمتلك سنة 2016 مبلغ 450 ألف دينار، وهو ما كان يعادل آنذاك قيمة 85 غراماً من الذهب، لو استثمر أمواله في الذهب لأصبحت قيمتها اليوم تقارب 2.29 مليون دينار. أما إذا احتفظ بالمبلغ نفسه نقداً، فإن قيمته الحقيقية تكون قد تراجعت بشكل كبير، بما يعكس فقدان الدينار جزءاً مهماً من قوته الشرائية خلال السنوات الأخيرة.
وفي رده على سؤال عما إذا كان ارتفاع نصاب الزكاة يعد مؤشراً على تراجع القدرة الشرائية للعملة الوطنية، أكد بلجيلالي أن الإجابة هي نعم، معتبراً أن أسعار الذهب تكشف هذا التراجع بصورة أوضح من معدلات التضخم الرسمية. وأوضح في المقابل أن تأثير هذا التراجع على المواطنين يبقى أقل حدة بفضل سياسة الدعم التي تنتهجها الدولة، من خلال تخصيص اعتمادات مالية معتبرة لدعم المواد واسعة الاستهلاك والنفقات الاجتماعية، وهو ما ساهم في الحد من انعكاسات التضخم على أسعار السلع الأساسية. وبناءً على هذا، استنتج بلجيلالي أن رفع الدعم وتحرير الأسعار بالكامل كان سيؤدي إلى تراجع أكبر في القدرة الشرائية للمواطنين، لتقترب آثار انخفاض قيمة الدينار من تلك التي تظهر عند قياسه بأسعار الذهب، الأمر الذي يبرز أهمية استمرار آليات الحماية الاجتماعية في الحفاظ على التوازنات الاقتصادية والمعيشية.
تساؤلات حول اعتماد الذهب مرجعاً
من جهته، أكد الخبير في المالية والبنوك، بوبكر سلامي، أن الارتفاع المتواصل في أسعار الذهب خلال السنوات الأخيرة، سواء في الأسواق العالمية أو في الجزائر، يطرح إشكالات جديدة تتعلق بطريقة احتساب نصاب الزكاة، داعياً إلى مراجعة الآليات المعتمدة حالياً بما يضمن تحقيق العدالة والفعالية في تحصيل الزكاة.
وأوضح سلامي، في إفادة لـ"العربي الجديد" أن قيمة نصاب الزكاة شهدت ارتفاعاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة نتيجة الزيادة الكبيرة في أسعار الذهب، مشيراً إلى أن النصاب انتقل من نحو 1.6 مليون دينار إلى ما يقارب 2.3 مليون دينار في ظرف سنة واحدة فقط، وهو ما يعكس الارتفاع الكبير في قيمة المعدن الأصفر وليس بالضرورة تحسناً في القدرة المالية للأفراد. وأضاف أن اعتماد الذهب وحده مرجعاً لتحديد النصاب أصبح محل نقاش، خاصة في ظل التحولات التي شهدها سوق الذهب، حيث تحول لدى الكثيرين إلى أداة للاستثمار والمضاربة والادخار، ما جعله أكثر عرضة للتقلبات السعرية الحادة. ويرى أن استمرار ربط النصاب بالذهب فقط يؤدي إلى ارتفاع قيمة النصاب كلما ارتفعت أسعار الذهب، الأمر الذي يقلص عدد الأشخاص الملزمين بدفع الزكاة ويؤثر على حجم الأموال المحصلة.
وأشار المتحدث إلى أن انخفاض قيمة النصاب يؤدي عادة إلى توسيع قاعدة المُزكّين وزيادة الموارد المالية الموجهة للفئات المستحقة، بينما يؤدي ارتفاعه إلى نتائج عكسية. ومن هذا المنطلق، اقترح إعادة النظر في طريقة الحساب من خلال ربط النصاب بسلة من المواد والخدمات أو بمؤشرات اقتصادية أكثر استقراراً، بما يسمح بالوصول إلى قيمة أقرب للواقع الاقتصادي والقدرة الشرائية الحقيقية للأموال التي يمتلكها الأفراد. وفي سياق آخر، دعا سلامي إلى فتح نقاش حول مستقبل الصندوق الوطني للزكاة، معتبراً أن إلحاقه بوزارة المالية قد يكون خياراً أكثر نجاعة من الناحية التنظيمية والتسييرية، بينما اقترح اعتماد آلية تسمح بخصم قيمة الزكاة المدفوعة من الوعاء الضريبي أو منح تخفيضات ضريبية للمساهمين، بهدف تشجيع المواطنين على التصريح بزكاتهم ودفعها عبر القنوات الرسمية. كما اعتبر أن هذه الخطوة من شأنها تعزيز الشفافية ورفع حجم الموارد المالية الموجهة للعمل التضامني والاجتماعي. وأشار سلامي إلى أن وزارة المالية تمتلك خبرة واسعة وأجهزة متخصصة في إدارة الموارد المالية وتوزيعها وفق معايير دقيقة ومعتمدة، ما قد يسهم في تحسين تسيير أموال الزكاة وضمان توجيهها بكفاءة أكبر نحو الفئات والبرامج المستحقة.