"إدارة ندرة" الوقود تخنق غزة... الاحتلال يستخدم الإمدادات سلاح تحكم بالحياة اليومية

08 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 04:03 (توقيت القدس)
شاحنة وقود، رفح، غزة، 19 يناير 2025 (علي مصطفى/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الوقود كأداة تحكم: في قطاع غزة، يُستخدم الوقود كوسيلة للتحكم في الحياة اليومية، حيث تُطبق سياسة "إدارة الندرة" بعد وقف إطلاق النار، مما يؤدي إلى شلل تدريجي واستنزاف طويل الأمد للمجتمع.

- ندرة واحتكار الوقود: يعاني القطاع من ندرة الوقود بسبب الحصار الإسرائيلي، مما يرفع الأسعار ويخلق أزمات متكررة. يُسمح لتاجر محدد بالتحكم في السوق، مما يعزز الاحتكار وانتشار السوق السوداء.

- التأثير الاقتصادي والاجتماعي: يؤثر شح الوقود على القطاعات الحيوية مثل المستشفيات والمخابز، مهدداً صحة السكان وأمنهم الغذائي، في ظل رفض إسرائيل الامتثال للبروتوكول الإنساني.

لم يعد الوقود في قطاع غزة مجرد مادة تشغيلية تستخدم لتسيير المركبات أو تشغيل المولدات الكهربائية، بل تحول خلال حرب الإبادة الإسرائيلية وما تلاها من شهور وقف إطلاق النار، إلى أداة عقاب جماعي تدار بدقة وتستخدم للتحكم في إيقاع الحياة اليومية للغزيين. وأصبح الوقود أحد أبرز مفاتيح الضغط التي تُبقي المجتمع معلقاً بين الانهيار الكامل والبقاء القسري عند حده الأدنى. وخلال الشهور التي أعقبت وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تكرست سياسة "إدارة الندرة" بدل رفع الحصار، إذ استمر إدخال الوقود بكميات شحيحة لا تلبي الاحتياجات الأساسية، ما انعكس شللاً تدريجياً في القطاعات الحيوية، من الصحة والمياه إلى الغذاء والخدمات البلدية، وأعاد إنتاج الأزمة الإنسانية بأشكال أقل ضجيجاً وأكثر استنزافاً. 

وخلصت دراسة حديثة صادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، حملت عنوان "الوقود في غزة: إدارة الحد الأدنى للحياة سلاحَ نفوذ سياسي" إلى تحول الوقود من مورد لوجستي إلى أداة استراتيجية تتحكم بمستوى الحياة اليومية للسكان. وذكرت الدراسة أن سياسة التحكم المحسوب في إدخال الوقود، خاصة خلال فترات الهدنة، لا تهدف إلى إنهاء الأزمة، بل إلى منع الانهيار الكامل فقط، مع الإبقاء على المجتمع في حالة شلل تدريجي واستنزاف طويل الأمد.

ندرة واحتكار

ويقول عاملون في محطات الوقود، إن الكميات التي تدخل أقل بكثير من حاجة المواطنين، ما ينعكس مباشرة على ارتفاع الأسعار واستمرار حالة التوتر في السوق، مؤكدين أن الطلب يفوق العرض بأضعاف، في ظل غياب أي استقرار في جدول الإمدادات، وهو ما يخلق أزمات في كثير من الأوقات. من جهته، أكد مصدر مسؤول في هيئة البترول بقطاع غزة أن سياسة الاحتلال في إدخال الوقود ما زالت مستمرة، رغم مرور نحو أربعة أشهر على توقف الحرب، مشيراً إلى أن الاحتلال لم يُحدث أي تغيير جوهري في آلية إدخال الإمدادات عبر المعابر.

وقال المصدر لـ"العربي الجديد" إن عدم إدخال كميات كافية من الوقود يعود إلى سياسة الحصار التي تفرضها إسرائيل، والتي تهدف إلى زيادة معاناة المواطنين وإبقائهم معتمدين على وسائل بدائية، مثل استخدام الحطب، لتلبية احتياجاتهم اليومية، الأمر الذي يفاقم الأزمة البيئية والصحية في القطاع. وأوضح أن هناك تحسناً طفيفاً في إدخال كميات من الوقود خلال الأيام الأخيرة، انعكس على الأسعار، إذ انخفض سعر لتر السولار من 35 شيكلاً (الدولار= 3.1 شواكل) إلى 25 في الوقت الحالي، في حين أن ضخ كميات إضافية سيؤدي إلى تخفيضات أكبر في الأسعار.

وتطرق المصدر للحديث عن ملف غاز الطهي، قائلاً إنه منذ بدء الهدنة وحتى نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، دخل إلى قطاع غزة 307 شاحنات غاز فقط، بكمية إجمالية بلغت 6458 طناً، وهي كميات لا تتجاوز 20% من الاحتياج الفعلي للسكان، رغم أن التفاهمات السياسية كانت تنص على إدخال نحو 1500 شاحنة غاز خلال تلك الفترة. ويرى مراقبون أن سوق الوقود في قطاع غزة يشهد حالة احتكار واضحة، إذ يُسمح لتاجر محدد، بترتيبات واختيارات إسرائيلية، بالتحكم في كميات الوقود المطروحة، الأمر الذي يُبقي الأسعار مرتفعة ويقوّض أي فرص لوجود منافسة حقيقية في السوق. ويشير هؤلاء إلى أنّ هذا الواقع يجعل المواطنين أسرى للأسعار المفروضة عليهم، دون امتلاك أي بدائل أو قدرة على الاختيار، في وقت تشهد فيه السوق السوداء انتشاراً واسعاً، بأسعار تتجاوز السعر الرسمي بأضعاف.

تعاف وهمي

بدورها، قالت الباحثة في الشأن الاقتصادي، سمر هارون، إن الوقود يعد حجر الأساس في عمل الاقتصاديات حول العالم، وهو مؤشر رئيسي على مستويات التضخم وارتفاع أو انخفاض الأسعار، مؤكدةً أنه لا يمكن لأي اقتصاد أن يستمر دون توفر الوقود أو بدائل مستدامة له. وقالت هارون لـ"العربي الجديد" إن قطاع غزة يعيش أزمة وقود حادة نتيجة سياسة الاحتلال الإسرائيلي خلال فترة الحرب وما بعدها، مشيرة إلى أن إسرائيل ترفض الامتثال للبروتوكول الإنساني المتفق عليه، والذي ينص على إدخال 50 شاحنة وقود وغاز يومياً، بينما لا تسمح في أحسن الأحوال إلا بدخول سبع شاحنات يومياً.

وأضافت: "ما تسمح إسرائيل بإدخاله لا يتجاوز خُمس الحاجة الفعلية للسكان، في وقت تزداد فيه متطلبات الإغاثة وإعادة التأهيل بعد الحرب، ولذلك أي حديث عن عمليات تعافٍ اقتصادي أو إنساني في غزة يبقى وهمياً في ظل القيود الصارمة على عمل المعابر، وخصوصاً في ما يتعلق بكميات الوقود التي تستخدم أداة لإدامة المعاناة بدل إنهائها". وشددت هارون على أن تأثير شح الوقود يمتد إلى مختلف القطاعات الحيوية، بما في ذلك المستشفيات ومحطات المياه والصرف الصحي والمخابز والخدمات البلدية، ما يهدد صحة السكان وأمنهم الغذائي ويجعل استمرار هذه القطاعات مرهوناً بكميات وقود طارئة وغير مستقرة. ومع استمرار سياسة "إدارة الندرة" يبقى الغزيون رهينة لكميات محدودة من الوقود، إذ تقاس حياتهم اليومية وأسعار الخدمات والمرافق الحيوية باللترات التي تصلهم، ما يجعل أي تعاف اقتصادي أو إنساني في غزة أمراً بعيد المنال.