إثقال مزارعي الأغوار بالديون: سلطة المياه الفلسطينية تطالب بملايين الشواكل

16 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 01:33 (توقيت القدس)
مزارعة فلسطينية في غور الأردن، 24 فبراير 2020 (جعفر اشتية/ فرانس برس)

لا تبدو أزمة فواتير المياه في الأغوار الشمالية الفلسطينية بالضفة الغربية مجرد خلاف مالي بين عشرات المزارعين وسلطة المياه الفلسطينية حول مطالبات متراكمة تقدر بعشرات ملايين الشواكل (عملة إسرائيلية)، إذ تحولت خلال الأسابيع الأخيرة إلى قضية تتقاطع فيها أعباء الديون مع مستقبل الزراعة والوصول إلى مصادر المياه، وقدرة آلاف الفلسطينيين على البقاء في منطقة تشهد في الوقت نفسه توسعاً استيطانياً وقيوداً متزايدة على الأرض والمراعي.

في مناطق بردلة وكردلة وعين البيضاء بمحافظة طوباس والأغوار الشمالية، يواجه مزارعون مطالبات مالية بملايين الشواكل عن فواتير مياه تعود، وفق روايات محلية، إلى عقود سابقة، في وقت تؤكد سلطة المياه الفلسطينية أن المديونية المتراكمة على ملف مياه الأغوار الشمالية تبلغ نحو 62 مليون شيكل، أي حوالى 20 مليون دولار، وأنّ إجراءاتها الحالية تستهدف تنظيم التزويد وتحقيق عدالة التوزيع وضمان استدامة الخدمة، لا الإضرار بالمزارعين.

لكنّ المزارعين يرون أن معالجة الديون القديمة بالطريقة الحالية قد تزيد الضغوط الاقتصادية على منطقة يعتمد سكانها بصورة أساسية على الزراعة وتربية المواشي، ويطالبون بتسوية أو شطب المديونية التاريخية، مقابل الالتزام بدفع أثمان المياه الجديدة وفق نظام واضح يعتمد على العدادات والاستهلاك الفعلي. ويعتبر المزارع محمد أبو سعيّد، من الأغوار الشمالية، أن الإجراءات المتعلقة بالمياه تزيد الأعباء على السكان الذين يحاولون الحفاظ على مصادر رزقهم والبقاء في أراضيهم، قائلاً لـ"العربي الجديد": "إن معاناة أهالي الأغوار تتزايد يومياً، والمطلوب من المؤسسات الرسمية أن تكون سنداً للمزارع والمواطن، لا أن تزيد الأعباء المفروضة عليه".

ويرى أبو سعيّد أن أهالي الأغوار ليسوا مجرد مزارعين، بل مجتمع يعيش على أرضه ويعتمد عليها في الإنتاج، ويتحمل ظروفاً اقتصادية ومناخية وأمنية صعبة من أجل البقاء، مطالباً بسياسات مائية وزراعية تساعد على تثبيت السكان في أراضيهم، قائلاً: "إن الماء حق، والأرض حق، والصمود حق".

63 مليون شيكل و18 فتحة مياه

بدوره، لم يجد رئيس مجلس قروي بردلة، الواقعة على حدود بيسان شمال فلسطين المحتلة، زياد صوافطة، وسيلة إلّا إعلاء الصوت، محذراً من أن استمرار أزمة المياه، بالتزامن مع القيود الإسرائيلية على الأراضي الزراعية والرعوية، قد يدفع القطاع الزراعي في الأغوار الشمالية إلى الانهيار، ويهدد بدفع أعداد من الأهالي إلى مغادرة المنطقة.

ويقول صوافطة لـ"العربي الجديد": "إن نحو 63 مليون شيكل من مستحقات المياه متراكمة على 18 فتحة مياه في الأغوار"، موضحاً أن جزءاً كبيراً من هذه المبالغ يعود، بحسب روايته، إلى ترتيبات تاريخية مرتبطة بضخ المياه عبر شبكة شركة "مكروت" الإسرائيلية، وليس إلى استهلاك حديث للمياه من المزارعين.

مقر سلطة النقد الفلسطينية (سلطة النقد)
اقتصاد عربي
التحديثات الحية

ويوضح صوافطة أن أصل القضية يعود إلى اتفاقات أبرمت في سبعينيات القرن الماضي، بعدما أُغلقت آبار كان الفلسطينيون يعتمدون عليها، وتحول ضخ المياه إلى شبكة أنابيب مرتبطة بشركة "مكروت"، مقابل دفع ثمن المياه وضخها. ويؤكد صوافطة أن "الأهالي واصلوا دفع المستحقات للاحتلال الإسرائيلي لسنوات، قبل أن يتغير نظام التعامل عقب قيام السلطة الفلسطينية وصدور قرارات تمنع التعامل المباشر مع الاحتلال، الأمر الذي أدى إلى تراكم الديون منذ تسعينيات القرن الماضي".

ويشدد صوافطة على أن تسجيل فتحات المياه بأسماء أفراد لا يعني أن هؤلاء الأشخاص كانوا المستفيدين الوحيدين منها، موضحاً أن بعض الفتحات كانت تخدم مئات المزارعين والسكان، "فهناك نحو 140 مزارعاً يعتمدون على هذه المياه في النشاط الزراعي".

ولا يطرح رئيس مجلس بردلة رفضاً مطلقاً لدفع أثمان المياه، لكنه يطالب بالفصل بين الديون التاريخية والمستحقات الجديدة، وفتح حوار مع سلطة المياه للتوصل إلى تسوية للملف، ويقول: "نحن تحت القانون ولسنا فوق القانون، لكن نريد أن نتفاهم على الديون القديمة وننظم المياه وندفع استحقاقات المياه الجديدة".

"الديون القديمة يجب أن تُشطب"

من جهته، يرى رجل الأعمال وأحد كبار المستثمرين الزراعيين في الأغوار موفق دراغمة أن معالجة أزمة المياه تبدأ بفهم طبيعة الديون قبل المطالبة بتحصيلها. ويقول دراغمة لـ"العربي الجديد": "إن المديونية المتداولة، والتي تبلغ نحو 62 مليون شيكل، لا تتعلق برسوم استخراج المياه من الآبار الزراعية الخاصة، وإنما بأثمان مياه جرى تزويد المزارعين بها من خلال شركة (مكروت) الإسرائيلية، ثم خُصمت قيمتها من أموال السلطة الفلسطينية".

ويؤكد دراغمة أن المزارعين يدركون أهمية حماية المال العام، وأنهم لا يرفضون دفع أثمان المياه الجديدة، لكن معالجة الديون السابقة يجب ألّا تجري بطريقة تهدد استمرار الزراعة في الأغوار.

ويرفض دراغمة تحميل المبلغ بالكامل لنحو 18 مزارعاً فقط، موضحاً أن المياه استفاد منها مئات المزارعين والأهالي على مدار سنوات، وأن أصحاب الاشتراكات أو نقاط التزويد لم يكونوا المستفيدين الوحيدين من كامل كميات المياه المسجلة عليهم، مطالباً بتجميد الديون القديمة ووقف إجراءات التحصيل والملاحقة إلى حين تدقيق الملف، وحصر المستفيدين الفعليين وتحديد الكميات التي حصل عليها كل مزارع، بدلاً من التعامل مع المديونية كمبلغ إجمالي وتحميله لعدد محدود من الأشخاص.

لكن دراغمة يذهب أبعد من ذلك، مطالباً بشطب الديون القديمة باعتبار ذلك، وفق رؤيته، مساهمة حكومية في دعم صمود مزارعي الأغوار، مشيراً إلى أن مزارعي المنطقة تحملوا خلال السنوات الماضية خسائر كبيرة نتيجة اعتداءات الاحتلال والمستوطنين، ومصادرة الأراضي، وهدم الآبار والمنشآت، وتخريب شبكات الري، وإغلاق الطرق، وارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة تسويق المنتجات، ومع ذلك استمروا في العمل والبقاء في أراضيهم. و

يعتبر دراغمة أن شطب الديون لا يعني إعفاء المتهربين من التزاماتهم، وإنما يمثل معالجة استثنائية لتراكمات قديمة وظروف قاهرة، مقابل التزام جميع المستفيدين بدفع أثمان المياه الجديدة في مواعيدها وفق نظام واضح وشفاف.

توقيت المطالبات

وتتجاوز الانتقادات الجانب المالي لدى الناشطة سناء زكارنة، التي ترى أن توقيت المطالبة بمستحقات المياه المتراكمة يحتاج إلى مراجعة في ظل الظروف التي يعيشها سكان الأغوار.

وتقول زكارنة لـ"العربي الجديد": "إن الحكومة مطالبة بالنظر إلى ملف الديون من زاوية تعزيز صمود المزارعين"، متسائلة عن الأولوية بين تحصيل الديون وضمان بقاء الأهالي في أراضيهم في منطقة تشهد تصاعداً في النشاط الاستيطاني.

وتشير زكارنة إلى أن بعض المطالبات تعود إلى نحو 20 عاماً، وأن بعضها وصل إلى ورثة أصحاب الاشتراكات بعد وفاة أصحابها، معتبرة أن قيمة بعض الديون قد تتجاوز قيمة الأراضي التي يملكها أصحابها. وتخشى زكارنة من أن يؤدي عدم القدرة على سداد هذه المبالغ إلى إجراءات قانونية تمسّ أموال المزارعين وأراضيهم، في وقت تتعرض فيه أراضي الأغوار لضغوط استيطانية متزايدة.

وتتساءل زكارنة في حديث لـ"العربي الجديد"، عن أسباب عدم معالجة هذه المستحقات خلال السنوات السابقة، وعن مدى ملاءمة توقيت تحصيلها مع الظروف السياسية والأمنية التي تعيشها المنطقة. وتربط زكارنة بين ما يجري في الأغوار الشمالية والحديث عن إجراءات تتعلق بأراضي الأغوار على الجانب الأردني، متسائلة عمّا إذا كان تزامن هذه التطورات يعكس سياقاً أوسع، من دون تقديم معطيات تثبت وجود ارتباط مباشر بينها.

بين الديون القديمة والواقع

وتكشف مواقف الأطراف المختلفة أن الخلاف لا يدور حول قيمة المديونية فحسب، بل حول كيفية تعريف المسؤولية عنها، ومن استفاد من المياه خلال العقود الماضية، وكيف يمكن الانتقال من نظام تاريخي غير منظم إلى إدارة تعتمد على العدادات والاستهلاك الفعلي.

ويطالب المزارعون بفصل الديون القديمة عن الاستهلاك الحالي، ويرون أن تحميلها لأصحاب فتحات أو اشتراكات مسجلة بأسماء أفراد لا يعكس حقيقة عدد المستفيدين منها، بينما تتمسّك سلطة المياه بضرورة تنظيم القطاع وضمان دفع أثمان الاستهلاك الجديد باعتبار ذلك شرطاً لاستدامة التزويد.

وفي ظلّ هذه التجاذبات، تبقى الزراعة هي الحلقة الأكثر تعرضاً للضغط، إذ يعتمد أهالي الأغوار الشمالية الفلسطينية على المياه في الزراعة وتربية المواشي، بينما تتزايد في المقابل القيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي والمراعي.

في المقابل، ترفض سلطة المياه الفلسطينية الانتقادات التي تربط إجراءات تنظيم المياه باستهداف المزارعين أو دفعهم إلى مغادرة الأغوار، وتؤكد أن هدفها هو ضمان استدامة التزويد وتحقيق عدالة توزيع المياه وحماية حقوق المستفيدين.

وتقول سلطة المياه في بيان وصل "العربي الجديد"، إنها تابعت ما يُتداول بشأن ملف تزويد المياه للمزارعين في مناطق بردلة وكردلة وعين البيضاء، مؤكدة احترامها لمزارعي الأغوار وتقديرها لدورهم الوطني والاقتصادي في حماية الأرض وتعزيز الصمود والأمن الغذائي.

وتوضح سلطة المياه أن ملف مياه الأغوار الشمالية "تاريخي ومتراكم"، ويرتبط بترتيبات امتدت لعقود وشملت الوصلات والحصص وأسماء المستفيدين، وهي ترتيبات لم تعد، بحسب السلطة، تعكس بصورة كاملة واقع الاستخدام الحالي وتعدد المستفيدين والاحتياجات الزراعية في المنطقة. 

وبدأت سلطة المياه بحسب بيانها، منذ عام 2016 العمل على معالجة الملف من الجوانب الفنية والإدارية والمالية والقانونية، بما شمل تحديث بيانات المستفيدين وتنظيم الوصلات والاشتراكات وتركيب العدادات والحد من التعديات والفاقد والهدر وتحسين إدارة وتوزيع المياه. وتشير سلطة المياه إلى أن هذه الجهود شملت أيضاً العمل على إنشاء جمعية لمستخدمي مياه الري لتكون إطاراً مؤسسياً لإدارة المياه وتنظيم توزيعها، إلّا أن إجراءات إنشاء الجمعية وتفعيلها لم تستكمل ولم يُنتخب مجلس إدارة لها.

المياه المدعومة والديون المتراكمة

وتؤكد سلطة المياه أن المياه المقدمة للمزارعين في الأغوار الشمالية مدعومة حكومياً، مشيرة إلى أن سعر بيع المتر المكعب منذ عام 2004 يقارب 0.30 شيكل، رغم أن تكلفة شراء المياه أعلى من سعر البيع. وترى سلطة المياه أن هذا الدعم يأتي في إطار الحفاظ على النشاط الزراعي وتعزيز صمود المزارعين، بالتوازي مع ضرورة تحسين إدارة المورد المائي ورفع كفاءة التوزيع.

وبحسب السجلات المالية والإدارية لسلطة المياه، تبلغ المديونية المتراكمة على ملف مياه الأغوار الشمالية نحو 62 مليون شيكل، مقارنة بنحو 30 مليون شيكل في نهاية عام 2016. وتقول سلطة المياه إنها بذلت خلال السنوات الماضية جهوداً لمعالجة الملف من خلال الحوار والمطالبات ومحاولات تنظيم السداد والتسوية، بالتوازي مع الإجراءات الفنية والتنظيمية.

وتؤكد سلطة المياه أن انتظام تسديد أثمان المياه يمثل أحد عناصر استدامة الخدمة، إلى جانب الحد من الفاقد والتعديات وتنظيم التزويد وضمان عدالة توزيع الكميات المتاحة.