استمع إلى الملخص
- يعرض الكتاب تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس ومصر، مشيرًا إلى نجاح تونس بفضل التوافق بين الإسلاميين واليساريين، وفشل مصر بسبب غياب التوافق، مما أدى إلى الانقلاب العسكري في 2013.
- يقترح العلوي تأجيل النقاشات حول النظام السياسي-الإسلامي المثالي والتركيز على العملية المؤسساتية، مستندًا إلى تجربة أميركا اللاتينية، مشددًا على بناء الديمقراطية بالتدريج عبر السياسة.
"مفتاح التحوّل الديمقراطي في السياقات الإسلامية، هو وضعُ السياسة قبل الدين". مقولة يؤسس عليها الكاتب المغربي هشام العلوي، كتابه "الإسلام والديموقراطية في العالم العربي: مصر وتونس من منظور مقارن"، الصادر حديثاً عن دار الساقي، بترجمة فيصل البقالي. والكتاب يعرض إمكانيات الانتقال الديمقراطي، لا بوصفه سجالاً مفتوحاً، أو مماحكة، حول تأويلات الدين ودوره، إنما يعرضها في إطار الواقعية السياسية، بمفرداتها من تفكير عقلاني، وتداول الأحزاب والقوى في اتخاذ القرار.
يعتمد هشام العلوي، وهو الباحث والمحلل السياسي القادم من الأسرة الملكية، الحراك الشعبي في تونس ومصر، في فترة 2011 – 2012، لدراسة إشكالية الانتقال الديمقراطي في البلدان العربية، ويقرأ النموذجين كلّاً بما ميّزه من خصوصية، خاصة في جانب دور الأحزاب الدينية، ونمط "التعاقد" الذي صنعته مع القوى اليسارية. بحسب العلوي، فإن تلك الثورات، لم تحدث نتيجة لفتوى دينية، أو دعوة عقائدية، وإنما حدثت بسبب تفاعلات الحياة نفسها، مع ما يحددها من علاقة الحاكم والمحكوم، وبين القوى السياسية المختلفة. ويرى أن مشكلة الانتقال الديمقراطي، الذي تعثَّر، لم تكن في الدين، أو في الثقافة، إنما في إمكانية بناء توافق بين القوى الإسلامية وغير الإسلامية، التي تتبنّى وجهات نظر متباينة، وأحياناً متعارضة، عن طبيعة الدولة.
يُحيل هذا الطرح مع سقوط الأنظمة وانهيار التوافق الذي كان قائماً، مسألةَ الانتقال الديمقراطي إلى خصومها السياسيين، الذين عقبوا الأنظمة، أو ورثوا تركتها. ويقترح الكتاب قراءة مآلات الربيع العربي، من زاوية التوافق بين القوى السياسية، فيرى أن النجاح المبدئي للانتقال الديمقراطي في تونس -قبل نكوص تلك التجربة عام 2021- حدث بسبب "الصفقات" التي تمّت بين الإسلاميين التونسيين، ونظرائهم اليساريين. وفي السياق ذاته، يصوّر فشل الانتقال الديمقراطي في مصر، على أنه فشلٌ في التوافق، وعدم وصول القوى السياسية إلى حلول وسط تفاوضية، كان بإمكانها أن تمنع أو تجنّب التجربة المصرية الفشل، مع الانقلاب العسكري عام 2013.
مآلات الربيع العربي من زاوية التوافق بين القوى السياسية
من بين تعريفات نظرية عديدة، ومن الزاوية التي يطرحها الكتاب، يصوّر العلوي الديمقراطية على أنها "الطريق الأفضل لتفادي تعميق الشرخ، أو استدامة الصراع"، وهو بهذا لا يركز على ترسيخ المفردة، ولا يبحث في ممكنات استقرارها في البيئة السياسية، إنما يعرضها بوصفها تحوّلاً، أو مساراً يُبنَى بالتدريج. ويؤسس الباحث أطروحة الكتاب، بناء على تجربة أميركا اللاتينية، خلال موجة الديمقراطية الثالثة، حيث غيّرت التحولات التوافقية مع ما صاحبها من "صفقات" بين القوى السياسية المتعارضة، وجهَ أميركا اللاتينية، مع إدراك الخصوم الأيديولوجيين، أن السبيل الوحيد للعبور ببلدانهم تجربة الاستبداد، يمر عبر المصالحة، خطوة بخطوة، لا في تغيير قناعات الخصوم وفلسفتهم السياسية.
في السياق ذاته، يقترح الباحث تأجيل النقاشات على ما يجب أن يكون عليه النظام السياسي-الإسلامي في الشرق، خلال المراحل الانتقالية، لصالح إخراج تلك القوى من أجندتها، في تدابير تدفع بالعملية المؤسساتية نفسها إلى الأمام. كما يفترض أن هذا سيرسم صورة مستقبل الديمقراطية في العالم الإسلامي، انتقالاً عبر السياسة، لا انطلاقاً من الدين باتجاه السياسة. مع ذلك، ومن غير أوهام نظرية أو آمال، يشترط الباحث مقولته هذه بقدرة القوى الإسلامية على اتخاذ قرارات سياسية، وقيامهم بإنجازات ديمقراطية.
لا يصوّر الأمير هشام العلوي، ابن عم الملك، في كتابه مسألة الانتقال الديمقراطي في البلدان العربية، على أنها معركة ينسفُ فيها الخصوم بعضهم بعضاً، كما لا يصوّر هذه المسألة الشائكة، باعتبارها جدلاً يحدث في إطارٍ طويل من الصراع، إنما يحاول عبر اقتراحه "النظرية التوافقية" أن يتيح للمؤسسات أن تنمو، كي تدافع مع نموها عن تجربة الديمقراطية. والكتاب يسعى لإيجاد سبيل نظري، تنجو عبره المنطقة العربية من الفكرة "الغربية" التي تَقصُر الحياة السياسية العربية على خيارين، إما الأنظمة الاستبدادية، وإما الفوضى.