من يصنع برنامج معرض الرباط للكتاب؟

06 مايو 2026   |  آخر تحديث: 16:34 (توقيت القدس)
يكشف "البرنامج الثقافي" عن ترتيبات الظل (صفحة وزارة الثقافة المغربية على فيسبوك)
+ الخط -
اظهر الملخص
- البرنامج الثقافي للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط يعاني من تكرار الأسماء وتوزيع غير متكافئ للفرص، مما يثير تساؤلات حول معايير الانتقاء و"التمركز الهادئ" الذي يفرضه.
- يواجه البرنامج تحديات في تمثيل المشهد الثقافي المغربي بشكل عادل، حيث تبرز أسماء معينة بشكل متكرر دون أن تكون الأكثر إنتاجاً، مما يعكس انغلاقاً و"شللية" في التمثيل الثقافي.
- لتحقيق تمثيل حقيقي، يجب الكشف عن أسماء مهندسي البرنامج وضمان توازن بين الأسماء المكرسة والجيل الجديد، لتجاوز "تأبيد الاستمرارية" وتعزيز الخصوبة الثقافية.

بقراءة متأنية للبرنامج الثقافي للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، في دورته الواحدة والثلاثين التي تتواصل حتى مساء الأحد المقبل، يتضح أن حجر الخسارة يدمي رأس الثقافة في هذه البلاد، وأن انحساراً عظيماً يسبق "المثقفين الجدد" بأكثر من خطوة واحدة.

لا أحد يفهم طريقة توزيع الضوء على الكثافة الأدبية والفكرية التي يعيشها المغرب، ولا أحد يفهم معايير الانتقاء التي تتحكم في ظهور هذا الاسم على نحو متكرر واختفاء اسم آخر يستحق الظهور على نحو واضح، وكأن القياس يخضع لجدول مضبوط سلفاً تتحكم فيه كتيبة غير مرئية. ولهذا يحق لنا أن نتساءل: هل نحن أمام جفاف فعلي في الإنتاج، أم أمام اختلال في أجهزة التلقي والتمثيل؟ ولماذا يكشف "البرنامج الثقافي" عن منطق ترتيبات الظل التي لا تخلو من "الاصطفاء الشللي"؟ ولماذا يعاد إنتاج الأسماء نفسها داخل دوائر الاعتراف؟

إننا حين نعيد قراءة البرنامج الثقافي، فإننا سنكتشف، بالأرقام، الإقصاء وإبقاء أسماء قوية خارج المدار. ويمكن البرهنة على ذلك ببروز شبكة من الحضور المتكرر لأسماء بعينها على مر السنوات، تتوزع داخلها الأدوار عن عمد بشكل غير متكافئ، مما يمنح بعض الأسماء موقعاً مركزياً "مؤبداً" داخل بنية المعرض.

البرنامج يعيد إنتاج نفسه، حتى حين تتغيّر العناوين والموضوعات

المعطيات المستخرجة من البرنامج، الذي تم الإفراج عنه يوماً واحداً قبل انطلاق المعرض، تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك وجود مستويين واضحين من التكرار: مستوى أول محدود، يضم أسماء ظهرت ثلاث مرات أو أكثر؛ ومستوى ثانٍ أوسع بكثير، يضم أسماء تكررت مرتين، مما يكشف عن توزيع النفوذ داخل البرنامج.

في المستوى الأول، تحضر أسماء قليلة، لكنها تتحرك داخل مواقع استراتيجية، إذ تظهر في أكثر من نشاط بين تقديم فعاليات رسمية والمشاركة في تقديم إصدارات، وهو حضور يجمع بين الواجهة التنظيمية والتمثيل الثقافي، مما يمنح هؤلاء سلطة غير مباشرة على النقاش، من خلال ضبط إيقاعه وتوجيه مساراته، كما يمنحهم امتداداً أفقياً داخل البرنامج. وهنا يحق لنا أن نطلق على هؤلاء "حناجر المعرض" أو "الآلة الدعائية الضامنة لوصول الجعجعة إلى جزر الواق واق".

ورغم محدودية عدد هذه الفئة، فإنها تشكل ما يمكن تسميته بـ"مركز الثقل"، إذ لا يتعلق الأمر هنا بكثافة الحضور فقط، لأنها تمثل مستويات مختلفة من التأثير داخل الفضاء الثقافي العام. ذلك أنه حين تتكرر الأسماء نفسها في هذه المواقع، فإن نوعاً من "التمركز الهادئ" يفرض منطقه داخل البرنامج.

الأسماء الأكثر تكراراً ليست بالضرورة الأكثر إنتاجاً أو حضوراً

في المقابل، يكشف المستوى الثاني عن دائرة أوسع من الأسماء التي تكررت مرتين، إذ تضم هذه الفئة أسماء وازنة في الحقل الثقافي المغربي، مثل: (مبارك ربيع، سعيد بنسعيد العلوي، عبد الفتاح كيليطو، محمد برادة، حسن نجمي.. إلخ)، فضلاً عن أسماء عربية ودولية مثل رشيد الضعيف، ليلى سليماني، يوسف زيدان، وهي أسماء يكثر ترددها على المغرب، مقابل أسماء عربية أخرى مهمة تسقط على الدوام من اهتمام "كتيبة الظل".

قد نفهم أن تكرار مثل هذه الأسماء الساطعة يمنح البرنامج شرعية رمزية واضحة، غير أن ذلك لا يلغي ملاحظة أساسية، وهي أن أغلب هذه الأسماء تحضر في موقع "المشارك" أو "المحاضر"، مما يظهر فرقاً واضحاً بين من يصنع الخطاب الثقافي، ومن يكتفي بتنظيمه والإشراف على علاقاته العامة.  كما أن المفارقة اللافتة هنا هي أن الأسماء الأكثر تكراراً ليست بالضرورة الأكثر إنتاجاً أو حضوراً في المشهد الثقافي، بل هي في الغالب أسماء تضطلع بوظائف تنظيمية داخل البرنامج، أو في أحسن الأحوال تحظى باهتمام مبالغ من البعض على حساب أسماء منتجة ومبدعة، وتعمل بإصرار بعيداً عن الضجيج العام.

من زاوية أخرى، يكشف توزيع التكرار عن نمط شبه ثابت: دائرة "ربطات العنق" (دائرة صغيرة) تتحكم في مفاصل البرنامج بكل حيثياته وأكله وشرابه وصوتياته وكهربائه؛ ودائرة أوسع يعاد استدعاؤها بشكل منتظم، لأنها "إبزار المجالس" (الفلفل الأسود) الذي يضمن الطعم الطيب للضيوف الأجانب.

تبعاً لكل ذلك، فإن الأثر الذي يخلفه "تطريس" البرنامج، على مستوى التلقي، يؤكد أن البرنامج يعيد إنتاج نفسه، حتى حين تتغير العناوين والموضوعات، ذلك أن الوجوه نفسها تتكرر، كما أن النقاشات تتحرك داخل فضاء قابل للاستعمال مفتوح الآجال.

إن السؤال العميق الذي نطرحه هنا يتعلق أساساً بمنطق الاختيار، وبالجواب على السؤال التالي: "ما هو المعرض الذي نريد؟"، انطلاقاً من الوقوف بالتزام وجدية أمام الأسئلة التالية: كيف نحدد لائحة المشاركين في المعرض، ومن يحددهم؟ كيف توزع أدوار التسيير والتقديم؟ وما المعايير التي تجعل اسماً معيناً يظهر مرتين أو ثلاثاً، بينما تغيب أسماء أخرى أكثر إنتاجاً وأهمية وحضوراً؟

لا يمثل المعرض الدولي للكتاب، بما يحمله من رمزية، فضاء للبيع واللقاءات والتوقيعات والتقاط الصور. إنه "خريطة تمثيل" بكل ما لهذا التعبير من معنى ثقافي وسياسي وجغرافي. ولذلك، فكلما اتسعت هذه الخريطة وتمددت وكسرت التمركزات الوهمية، اقتربت من الواقع المتعدد؛ وكلما ضاقت، أصبحت انعكاساً للشللية والانغلاق.

إن التحدي الأهم بالكشف عن أسماء مهندسي البرنامج، والحرص على إضفاء نوع من التوازن بين الأسماء المكرسة والجيل الجديد.  شرط أساسي لأي برنامج يسعى إلى تمثيل حقيقي للمشهد الثقافي، لأن الميل إلى "تأبيد الاستمرارية" يجعل التكرار بنية ظالمة قائمة بذاتها، مما يفضي إلى أكسدة الإنتاج الثقافي، وإلى موت غير معلن لكل ما هو جديد.

خلاصة القول، إن محدودية الأسماء في "البرنامج الثقافي للمعرض" ليست هي الصورة الأدق لما يجري على أرض الواقع. ومن ثم، فنحن أمام إعادة تشكيل صامتة لخرائط الخصوبة الثقافية، حيث لا يضع البرنامج كل الأسماء في الضوء نفسه، ولا يقرؤها كلها بالمعايير ذاتها. فهو يكتفي بتدوير "الجوقة الثقافية الرسمية"، والاستعانة بالناشطين في العلاقات العامة.

*كاتب مغربي