معرض القاهرة للكتاب.. حشود بلا جمهور ثقافي

31 يناير 2026   |  آخر تحديث: 09:30 (توقيت القدس)
جوانب من المعرض (صفحة وزارة الثقافة المصرية على فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تحديات الحضور الثقافي: تعاني ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب من قلة الحضور، مما يعكس صراعاً بين رؤية المسؤولين للنجاح التنظيمي ورؤية المبدعين الذين يشعرون بتجاهل إبداعهم.

- إشكاليات تنظيمية: تعاني الدورة الحالية من ارتباك إداري بسبب تكليف إدارة مؤقتة وتعيين مدير تنفيذي قبيل الافتتاح، بالإضافة إلى الموقع الذي يفرض عزلة بين الزائر والندوات.

- تغيرات ثقافية: يشير الإقبال على مشاهير "تيك توك" إلى تحول في التأثير الثقافي، مما يتطلب إعادة النظر في نموذج الندوات التقليدية لتناسب جيل الألفية الثالثة.

صور القاعات الخالية في بعض ندوات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57 التي تُختتم الثلاثاء المقبل، وضعت المثقف والقارئ وقبلهم المسؤول في دائرة الاتهام. غير أن الجدال حول هذه الصور هو ما يستحق الانتباه، لأنه يكشف عن صراع بين أقطاب مختلفة تنظر إلى الثقافة من زوايا متباينة. من جهة، يرى المسؤولُ المعرضَ باعتباره إنجازاً تنظيمياً ولوجستياً، ويعتبر الأرقام المليونية صك النجاح الأكيد؛ فالنجاح في نظره يقاس بالقدرة على الحشد، وضمان انسيابية الحركة، وتأمين الملايين. في هذا الإطار، تصبح الندوة مجرد بند في جدول الأعمال، والمبدع حيزاً يملأ الفراغ.

من هنا تُفسَّر صور القاعات الفارغة على أنها محاولة لتشويه النجاح، كما جاء في رد المدير التنفيذي للمعرض: "قد يكون المبدع نفسه لا يستهدف الجمهور في حياته"، إذا ما سلمنا برأيه، فما سر وقوف الشاعر على المنصة مأخوذاً؟ من جهة ثانية، يدافع المبدع عن "كرامة إبداعه"؛ بعدم الاعتراف بخلو قاعته الذي قد يفسر بأن كلمته باتت بلا جمهور، لذا يميل إلى مهاجمة الصورة على أنها "لقطات مجتزأة" أو "ضغائن وسط ثقافي"، ليس دفاعاً عن نجاح المعرض، بل خوفاً من نسيانه.

الطرفان (المسؤول والمبدع) يشتركان في "إنكار الواقع"؛ الأول يرفض الاعتراف بأن هناك أزمة في "المحتوى" رغم حشد الأجساد، والثاني يرفض الاعتراف بأن وسيلة "الندوة الكلاسيكية" ماتت إكلينيكياً. أما العدسة التي التقطت المشهد البائس، تفرق دمها بين فريقين، البعض اعتبرها مؤامرة على الثقافة والمثقفين، بينما رآها آخرون مرآة تعكس واقعاً نحاول الجميع الإشاحة عنه.

معرض القاهرة -القسم الثقافي
جانب من إحدى الندوات (من حساب الكاتب سمير درويش على فيسبوك)

مواطن ومبدع ومسؤول

أزمة القاعات الخاوية في المعرض ليست بصدمة، بل هي تفاقمٌ لمرض مزمن، إذ لا يمكن قراءة ذلك بمعزل عن سياق ممتد لأكثر من نصف قرن، شهد خلاله المعرض انتقالات مكانية وإدارية بدلت من صورته في نفوس الجميع؛ فمنذ انطلاقه عام 1969، تنقّل بين الجزيرة وأرض المعارض بمدينة نصر، وصولاً إلى مقره الحالي بالتجمع الخامس عام 2019، وهي الخطوة التي أُحيطت آنذاك بتخوفات واسعة حول التنظيم والمكانة التاريخية.

إدارة ترفض الاعتراف بأن "الندوة الكلاسيكية" ماتت إكلينيكياً

هذه الهواجس عادت للظهور في الدورة الحالية، في ظل ارتباك إداري متمثل في تكليف إدارة مؤقتة للهيئة المصرية العامة للكتاب؛ الجهة المنظمة، قبيل الافتتاح بفترة وجيزة، وتعيين مدير تنفيذي للمعرض أيضاً، ما أثار تساؤلات حول ازدواجية القيادة ومن هو صاحب القرار الفعلي. وعلى الرغم من وجود الجمهور بكثافة في الممرات، وأمام أجنحة دور النشر، وحتى مطاعم الوجبات السريعة مقابل المعرض، إلا أنه يزهد في دخول الندوات؛ فالموقع الحالي على اتساعه يفرض عزلة فعلية بين الزائر ومكان الندوة، حيث المسافات الشاسعة والقاعات الموزعة في "بلازات" نائية، فضلاً عن طقس شتوي قارس لا يشجع على مزيد من التنقل للجمهور.

معرض القاهرة 2 -القسم الثقافي
حشود كبيرة عند منطقة الدخول (صفحة وزارة الثقافة المصرية على فيسبوك)

الحدث الثقافي في زمن "تيك توك"

غير أن العزلة في قاعات الندوات يكرّسها البرنامج نفسه، حين يعيد إنتاج الأسماء والوجوه نفسها سواء على مستوى التنظيم أو الإلقاء. تتجلى هذه الشكلية في تفاصيل صغيرة لكنها فادحة؛ ففي بعض الحالات، جرى إدراج أسماء كتاب وشعراء في جداول الفعاليات دون تنسيق مسبق معهم أو حتى إعلامهم، مما يجعل الأمر مجرد حشو أو سدّ خانات. في المقابل، نجحت دور نشر مصرية وعربية، من خلال مبادرات فردية، في كسر العزلة، حين ربطت بين الكتاب وصانعه وسوّقتهما معاً في قلب الممرات المكتظة.

كما تمتد الطوابير لمسافات طويلة في حفلات توقيع "البلوغرز" ومشاهير "تيك توك"، وهو مؤشر على انتقال مرجعية التأثير من "المثقف المؤسسي" إلى "المؤثر الرقمي". إنه جيل الألفية الثالثة الذي نشأ في زمن السرعة والاختزال: مقاطع قصيرة، بث مباشر، ريلز، تيك توك؛ كل دقيقة تحمل الجديد أو تحرك الحدث إلى نقطة تالية. لذلك، يعد الجلوس لساعة أو ساعتين في ندوة تعذيباً بالنسبة لهم.

في النهاية، تكشف الصورة التي التقطت أن المشهد الثقافي بحاجة لعقد اجتماعي جديد بين المسؤول، المبدع، والجمهور، إذا كنا نبغي حقاً إعادة الدفء إلى القاعات. ويبدأ العقد من الاعتراف بأن نموذج "الندوة المنبرية" قد استنفد أغراضه، وأن الخيبة التي نلمسها اليوم في القاعات الخالية هي فرصة للنزول من البرج العاجي، من أجل تحويل الندوة إلى مساحة اشتباك ثقافية حقيقية يشارك فيها جيل اليوم.