مزحة فولتير

16 يناير 2026   |  آخر تحديث: 05:06 (توقيت القدس)
شفيق عبود/ لبنان
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- حرية التعبير في العالم العربي تواجه تحديات كبيرة، حيث يُنظر إلى مقولة فولتير الشهيرة بسخرية، ويُعتبر التضحية من أجل حرية الآخرين أمراً غير واقعي. المجلة المصرية "الطليعة" مثال على ذلك، حيث أغلقت بسبب آراء كتابها.

- الاستبداد في سوريا يتعزز بمشاركة جماهيرية، حيث يقوم المواطنون بدور المخابرات والشرطة، مما يعزز القمع ويحد من حرية التعبير. هذا يعكس نمطاً من "العبودية المختارة" حيث يختار الناس الولاء للسلطة بدلاً من الأفكار.

- كتاب "حرية التعبير" لنيجل واربرتون لا يتناول قضايا العالم العربي، حيث تظل الممارسات السياسية والفكرية في الغرب بعيدة عن واقعنا. الكاتب يخطئ في افتراض أن الجميع يهتم بحرية تعبير الآخرين.

كانت مجلة الطليعة المصرية التي احتجبت منذ عشرات السنوات،  تضع في صفحتها الأولى فقرة يقول فيها فولتير: "قد أختلف معك في الرأي ولكني على استعداد لأن أدفع حياتي ثمناً لحقك في الدفاع عن رأيك". لم يتحقق أحد من أن بوسع البشر الالتزام، ولو بالحد الأدنى، بمقولة المفكر الفرنسي. كثيرون يعجبون بهذا القول، دون أن يكونوا مستعدين، لأن يدفعوا قطرة ماء من أجل حرية الآخرين في الدفاع عن رأيهم. والمجلة نفسها دفعت ثمن آراء كتابها، فصودرت وأغلقت.

أما الباقون في العالم العربي، فمن الصعب أن تجد أحداً، ينظر إلى هذه العبارة بجدية، ثمة من يهزون رؤوسهم سخرية منها، وهم يعجبون من هذا الفيلسوف الذي يدعي أنه سيضحي بنفسه من أجل خصومهم الفكريين، الذين يتمنون لهم هم أن يموتوا. على أن الجديد اليوم، بعد هذا وذاك، هو أن لدينا جيلاً جديداً، يقول لك إن الرأي نفسه، شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، لم تعد له أي قيمة.. فظاعة جديدة من فظاعات العصر السوري الحالي، أن يلجأ الخصم لنقض رأيك، عبر القول إن الآراء كلها لا قيمة لها، فالممارسة السياسية على الأرض هي الصحيحة فقط، لأنها هي الواقع، أو هي الأمر الواقع، فسياسات الأمر الواقع، كسلطات الأمر الواقع في السلطة ومعارضاتها، عادت لتحل محل المطالب والمبادئ. سنفعل ما نشاء، وبلط البحر إذا استطعت. 

يتولى "المواطن" مهام المخابرات والشرطة في التمهيد للاستبداد

سفسطة من الكتابة الفارغة الهوجاء، التي تحاول أن تكون مقدمة لمصادرة حرية الرأي، أو حرية التعبير، وهو المصطلح الصحيح الذي يجري الصراع من قبل، واليوم، وسوف يتواصل في الغد حول المساحة الضرورية للبشر كي يعبروا عن أنفسهم بحرية. شرائح وقوى عديدة في سورية، باتت اليوم نماذج قبيحة لشكل الاستبداد الذي لا تستقل به السلطة وحدها، بل تجد مشاركة هائلة من حشود وجماهير مناصرة لها في كل سياساتها دون أي رغبة في النقد. بل إننا نجد أن بعض السوريين اليوم لا يكفون عن إدهاشنا بمستويات جديدة من ابتكارات أساليب وأسباب القمع كي يزودوا بها الآلة الحاكمة، في السلطة وفي معارضاتها الطائفية والسياسية العجيبة. يتولى "المواطن" مهام رجل المخابرات وأعمال الشرطة في الإعداد والتمهيد وفرش الطريق للاستبداد. كأننا ندخل مرة أخرى في سياق كتاب إيتيان دي لا بويسيه "العبودية المختارة". يختار الناس، ومن بينهم مثقفون ومتعلمون أن يكونوا عبيداً لشيخ، أو رئيس، أو زعيم عشيرة، بدل أن يحترموا فكرة لا تعجبهم. ثمة من يغدو عبداً لفكرته نفسها. 

من يقرأ كتاب نايجل واربرتون "حرية التعبير" سوف يكتشف أن مساحة الكلام في الكتاب لا تخص عالمنا العربي بأي موضوع، لا يستفيد القارئ من الحبر في هذا الكتاب، فالقضايا التي يناقشها، وهي قضايا عملية، في الغالب، أي أنها تخص الممارسة السياسية والفكرية في الغرب خاصة، تحتاج إلى أنظمة سياسية مختلفة، ودساتير مختلفة، وعقود اجتماعية مختلفة أيضاً. 

قال الكاتب إن لدى كل البشر اهتماماً بحرية التعبير عن أنفسهم، وأخطأ حين قال إن لديهم اهتماماً لأن يعبر الآخرون بالحرية ذاتها.


* روائي من سورية

موقف
التحديثات الحية
المساهمون